مخاوف عديدة ترافق اللاجئين السوريين في لبنان، بعد تسليم مفوضية شؤون اللاجئين قاعدة البيانات الخاصة بهم للمديرية العامة للأمن العام اللبناني مؤخرا، بعد مفاوضات استمرت أكثر من عام، تخللتها الكثير من الإشكاليات والعوائق.
يقول اللاجئ السوري في لبنان، مأمون (38 عاما)، إن لديه "الكثير من الهواجس، ويشعر بقلق شديد، مثل العديد من السوريين المعارضين الذين فروا من بطش النظام خلال الثورة".
ويوضح لـ"ارفع صوتك"، أنه "يخشى من وصول بياناته ومكان إقامته وعمله وسواها من التفاصيل الخاصة التي أبقاها سرية لوقت طويل، إلى النظام السوري، أو إلى قوى سياسية موالية له في لبنان، تعمد إلى استخدام المعلومات للاقتصاص منه".
"أخاف من تسريب بياناتي أو بيانات معارضين آخرين إلى النظام من خلال حزب الله الذي يمتلك نفوذا داخل القوى الأمنية، ما سيعرض حياتنا للخطر الشديد، كأن يتم خطفنا وتسليمنا للنظام، أو تصفيتنا أو ابتزازنا على أحسن الأحوال"، يضيف مأمون، في الإشارة إلى أنها أمور حدثت مسبقاً لمعارضين آخرين.
عدنان، (29 عاما)، لاجئ سوريا من مدينة حمص يقيم حالياً في العاصمة اللبنانية بيروت. يقول لـ"ارفع صوتك": "المخاوف ليست بتسليم الأمن العام للمعلومات وهو أمر قانوني ومطلب محق لكل دولة، ولكن الخوف من استخدامها بطريقة غير قانونية، لتحديد وكشف أماكن المطلوبين لسلطات النظام السوري".
وكانت مخاوف تسليم البيانات إلى طرف ثالث، أخذت الكثير من النقاشات والتفاوض بين مفوضية اللاجئين والحكومة اللبنانية، استمرت أكثر من سنة، حتى تم الاتفاق في أغسطس الماضي على تسليم البيانات، الذي أُنجز مطلع ديسمبر الحالي.
بعد الاتفاق، ولتطمين السوريين المتخوفين، أكدت المفوضية في بيان لها (8 أغسطس): "توصّلنا إلى اتفاقية تتوافق مع المعايير الدولية لحماية البيانات، وتلتزم الحكومة اللبنانية بعدم استخدام أية بيانات يتم مشاركتها لأغراض تتعارض مع القانون الدولي. وأعادت الحكومة اللبنانية تأكيد التزامها بمبدأ عدم الإعادة القسرية والتزاماتها بموجب القانون الدولي والمحلي".
آخرون: لا نخاف
في المقابل، يبدي العديد من السوريين عدم اكتراثهم أو خوفهم من مسألة تسليم البيانات. يقول عماد يازجي،إنه لا يخشى هذا الأمر، فإقامته داخل لبنان "قانونية"، و"بياناته شرعية، وقدم على إعفاء من خدمة العلم ودفع البدل (للنظام السوري)".
بالتالي، يضيف عماد، أنه "ليس مطلوباً لدى النظام، وبإمكانه الذهاب والإياب بين سوريا ولبنان حين يشاء".
سالم مهنا، يرى أيضاً أن تسليم البيانات "ليس مخيفاً" وأن "المعلومات الحساسة التي يخشاها السوري لن يتم تسليمها، وما سُلّم حقا هو المعلومات التي وقّعَ طالب الحماية في ملفه على عدم ممانعته مشاركتها مع الدولة اللبنانية، وهي عبارة عن معلومات محددة حول الشخص، وعائلته وزوجته وعدد أبنائه، ومكان سكنه وهاتفه، وأنه دخل الأراضي اللبنانية وتم تسجيله في المفوضية بحسب العام المذكور".
أما المعلومات الخطيرة مثل أسباب الفِرار وأسباب طلب الحماية واللجوء، وما تعرض له في سوريا من تعذيب أو ضرر أو انتهاكات، يقول سالم لـ"ارفع صوتك"، إنها "لا تُسلّم، بل تبقى في ملف الشخص، وتستخدمها المفوضية التي لا تسلم عادة هذه المعلومات إلا في حال تنظيم لجوء صاحبها لدولة ثالثة".
ويؤكد: "قمنا بسؤال بعض المسؤولين في المفوضية وتحدثنا عن هواجسنا، ولكن تمت طمأنتنا أن أي معلومات حساسة لن تسلّم، وأن الدولة اللبنانية ملتزمة بعدم تسليم الداتا (البيانات) لطرف ثالث".
"فالهدف من استلام الداتا سيادي، لمعرفة أعداد المسجلين وأعداد المستفيدين، واعداد من غادروا البلاد، ليتم شطب اسمه من سجلات المفوضية، فهناك الكثير من السوريين ممن عادوا إلى بلادهم، يأتون في آخر كل شهر لاستلام مساعدات ورواتب من المفوضية، لأنهم ما زالوا مسجلين على لوائحها"، يوضح سالم.
وكان وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية الدكتور عبدالله بو حبيب، صرح عقب الانتهاء من المفاوضات حول اتفاق تسليم البيانات مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أن هذا الأمر "حق سيادي للبنان، كحق سائر الدول بمعرفة هوية الأشخاص المتواجدين على أراضيها".
واعتبر أن الاتفاق "يخدم مصلحة الطرفين، اللبناني والأممي، والدول المانحة، لجهة عدم استفادة الأشخاص الذين يستغلون هذه التقديمات بصورة غير قانونية، ويحرمون أشخاصا أحق منهم بهذه التقديمات من الوصول إليها".
مخاوف "مشروعة"
مدير عام مركز "سيدار للدراسات القانونية"، محمد صبلوح، وهو محامٍ لبناني ناشط في مجال حقوق الإنسان، ويعمل على التوثيق والتمثيل القانوني لضحايا التعذيب والاحتجاز التعسفي، يؤكد لـ"ارفع صوتك"، أن لديه العديد من المخاوف حول تسليم البيانات للحكومة اللبنانية.
يضيف: "من خلال متابعتي لقضايا اللاجئين وآلية الترحيل العشوائية التي يعتمدها الأمن العام من دون دراسة كل ملف على حدا، تبين معي أن بعض الحالات التي يتم ترحيلها كانت لأشخاص مسجلين في مفوضية الأمم المتحدة".
ويقول صبلوح، إنه "اضطر إلى اللجوء للإعلام في بعض القضايا، كي يوقف الترحيل، خصوصا بالنسبة للأشخاص المعارضين الذين من الممكن أن يتعرضوا لخطر التعذيب في سوريا".
ويتابع: "معلوماتي أن الحكومة اللبنانية تعهدت بعدم تسليم الداتا لطرف ثالث، وأنها فقط لتنظيم أمور السوريين في لبنان، ولكن على أرض الواقع لا نرى هذا الشيء".
ويعتقد صلبوح أن مخاوف المعارضين للقرار "مشروعة جداً"، لأن "لبنان سياسياً مقسوم بين معارض للنظام ومؤيد له، وكذلك الأمر بالنسبة للأجهزة الأمنية، فمنها مع النظام ومنها ضده في بعض قياداتها، كذلك بالنسبة للانتماءات السياسية والحزبية، فهناك فريق مع النظام وله سلطة ونفوذ على بعض الأجهزة، وفريق ضده".
