مهاجرون ينتظرون في برد الصباح للتسجيل في مخيم عشوائي على الحدود اليونانية المقدونية في 5 مارس 2016. (صورة تعبيرية)
مهاجرون ينتظرون في برد الصباح للتسجيل في مخيم عشوائي على الحدود اليونانية المقدونية في 5 مارس 2016. (صورة تعبيرية)

قبل ما يزيد على 6 سنوات خاض رجلان من غانا مسيرة صعبة عبر الحدود الكندية الأميركية كادا أن يتعرضا فيها للموت بسبب البرد القارس الذي حاصرهما.

انهار الرجلان من فرط الإعياء. ولولا أن أنقذهما سائق شاحنة عثر عليهما صدفة واتصل بقسم الطوارئ، لكانا في عداد الأموات.

فقد اللاجئان الغانيان جميع أصابعهما بسبب "قضمة الصقيع" لكنهما في المقابل نالا الجنسية الكندية، وهو ما اعتبراه تعويضاً عما جرى لهما.

في مطلع هذا العام أيضاً أقدم لاجئ جزائري نتيجة البرد الشديد على سرقة ملابس ثقيلة من أحد المتاجر في مقاطعة بلانشاردستاون الأيرلندية.

لاحقاً، ضُبط هذا الرجل الذي يحمل شهادة عُليا في الهندسة وغرّمته المحكمة 200 يورو.

بالتزامن مع هذا الحدث، مات 5 شبان سوريين من البرد خلال محاولتهم التسلل من فرنسا إلى بريطانيا.

بالإضافة إلى المعاناة الضخمة التي يتكبّدها النازحون خلال رحلاتهم الشاقة بحثاً عن ملاذٍ آمن، يرتّب حلول طقس الشتاء تحديات إضافية تزيد من معاناتهم.

 

بريطانيا: مواجهة الصقيع في الشوارع

 

في ختام العام الماضي، أعلنت الحكومة البريطانية نيتها التوقف عن إيواء عددٍ ضخم من طالبي اللجوء إليها بعدما أسكنتهم طيلة السنوات الفائتة في فنادق تحمّلت تكلفتها الحكومة البريطانية.

برر روبرت جينريك، وزير الهجرة البريطاني هذا القرار وقتها بأن هذه الفنادق يجب أن تستغل لـ"السياحة وأعياد الميلاد وليس إيواء المهاجرين غير النظاميين".

واجهت هذه الخطة انتقادات عنيفة بعدما أدت إلى إجبار مئات اللاجئين على المبيت في الشوارع في درجة حرارة تحت الصفر.

إزاء الانتقادات الحادة للخطط الحكومية اضطرت وزارة الداخلية إلى تأجيل خطط الترحيل 3 أيام فقط، استئنفت بعدها رغم أن حالة الطقس استمرت في التدهور.

هذه الخطوة أثارت حفيظة صادق خان، عمدة لندن، الذي صرّح بأن النهج العدائي لحكومة بلاده ضد اللاجئين أدّى إلى مبيت "مئات الأشخاص في شوارع لندن بلا مأوى".

في محاولة لتبرير هذه الإجراءات التي وُصفت بـ"غير الإنسانية" أكدت الحكومة البريطانية أن طلبات اللجوء إليها بلغت 50 ألف طلب جرى تسكين أصحابها فيما يزيد عن 400 فندق بتكلفة قُدرت بـ8 ملايين جنيه استرليني يومياً.

وتعهّد رئيس الوزراء ريشي سوناك بالمضي قدماً في هذه الخطة فور الانتهاء من مرحلتها الأولى (إغلاق 50 فندقاً) بإغلاق 50 فندقاً أخرى خلال الأشهر التالية، مع التعهد بعدم نقل اللاجئين إلى الشارع وإنما تسكين المُرحّلين داخل قواعد عسكرية قديمة أو سجون غير مأهولة أو مراكب عائمة كفّت المؤسسات البريطانية عن استخدامها.

 

فرنسا: خطط طوارئ مثيرة للجدل

 

أعلنت مدن فرنسية عدة، أبرزها العاصمة باريس حالة التأهب بسبب موجة البرد الشديدة التي تضرب البلاد وسط توقعات أن تصل درجة الحرارة في العاصمة إلى ما دون 12 درجة مئوية.

أقرّت باريس خطة لإيواء ما يزيد عن 300 فرد من اللاجئين الذي لا يملكون أي مأوى ويفترشون الشوارع، وهي خطوة اعتبرتها جمعيات حقوقية غير كافية لأن عدد "ساكني الشوارع" تجاوز 3 آلاف.

وشهد نوفمبر من العام الماضي حادثًا مؤسفًا بسبب البرد بعدما اضطرت إحدى المهاجرات إلى إشعال الموقد لتدفئة طفلتها ذات الشهور الثلاث إلا أنها ماتت متأثرة بما استنشقته من غاز أحادي أكسيد الكربون المتصاعد من الموقد.

في مدينة كاليه تجاوز عدد المهاجرين المتضررين بسبب ظروف الشتاء القاسية ألف شخص من بينهم 100 طفل عاشوا "ظروفًا رهيبة" في البرد، فأعلنت منظمة "أطباء بلا حدود" افتتاح مكانٍ مؤقت لإيواء بعضهم.

 

كندا وأيرلندا: المبيت في العراء

 

مبكراً أثيرت مخاوف في مدينة تورنتو الكندية من عدم قدرتها على إيواء جميع النازحين إليها خلال الشتاء.

اعلنت أوليفيا تشاو عمدة المدينة أن ملاجئ المدينة امتلأت عن آخرها بقرابة 5 آلاف فرد، ولم يعد بوسعها استضافة المزيد منهم، وأن الملاجئ تضطر يومياً إلى رفض استقبال 300 فرد كل يومٍ تقريباً أغلبهم من الأفارقة.

بسبب هذه الإجراءات اضطر عشرات اللاجئين إلى النوم في خيم بلاستيكية على الرصيف مقابل مكتب استقبال اللاجئين، لم تحمهم هذه الخيم من الأجواء الباردة التي عاشتها المدينة ودفعت عُمدة البلاد إلى دق ناقوس الخطر طالبة الحصول على مساعدة عاجلة وإلا شهدت المدينة كارثة كبرى.

من جانبه اعتبر جاستن ترودو رئيس الوزراء الكندي أن هذه الأوضاع  "غير مقبولة"، وأن حكومته تبحث اتخاذ المزيد من الإجراءات لتلافي وقوع أزمة قبل قدوم المزيد من الليالي الباردة، منها تخصيص  100 مليون دولار لتوفير حلول عاجلة لإيواء المهاجرين.

الأزمة نفسها تعاني منها مدينة دبلن الإيرلندية، والتي تراكم فيها أكثر من 600 مهاجر في بداية هذا العام لم توفّر لهم الحكومة أي مقر إقامة.

تعيّن على هؤلاء المهاجرين النوم في الشارع في طقسٍ قارس، تصل حرارته إلى ما هو دون الصفر.

 

نيويورك وشيكاغو: نطالب بايدن بالتدخل

 

في مدينة شيكاغو احتشد عشرات الآلاف من المهاجرين من الذين عجزت الدولة عن تدبير أماكن كافية لاستضافتهم. واقترح عمدة المدينة براندون جونسون ابتكار خيام إيواء خاصة بفصل الشتاء.

ازدادت الأوضاع سوءاً حينما مرّت المدينة بعاصفة ثلجية قوية دفعت المئات منهم للفرار من خيمهم إلى أحد مراكز الشرطة، فيما تدخلت جمعيات خيرية ونقلت بعضهم إلى قبو إحدى الكنائس القريبة بجانب إعلان الولاية تخصيص 16 حافلة يمكن اللجوء إليها للنجاة من البرد.

في المقابل فإن نيويورك شهدت في بداية هذا العام انتهاء مُدة تصريح آلاف اللاجئين فاضطروا إلى الوقوف في طوابير لساعاتٍ طويلة في البرد أملاً في الحصول على تصاريح إضافية تعيد تسكينهم في ملاجئ جديدة.

بعض المواطنين الأميركيين الذين يعيشون في هذه المنطقة بادروا إلى توزيع القفازات والأغطية على اللاجئين، وسط تخوفات من زيادة الوضع سوءاً بسبب قُرب وقوع عاصفة ثلجية.

وكان رؤساء بلديات شيكاغو ودنفر وهيوستن ولوس أنجلوس ونيويورك قد طالبوا، بعقد لقاءٍ عاجل مع الرئيس جوزف بايدن، بالمزيد من الأموال لمواجهة هذه الأزمة.

 

سبب إضافي للهجرة

 

والبرد ليس سبباً فقط لمعاناة اللاجئين، بل إنه تحول في أحيان كثيرة إلى أحد أسباب الهجرة نفسها.

ففي ضوء تغيرات المناخ العنيفة التي يشهدها العالم، تشير توقعات أممية إلى أن عدداً من السكان سيضطرون إلى مغادرة بيوتهم بسبب برودة الطقس في أوطانهم لدرجة غير محتملة، وهو ما تسبّب في ظهور دعوات لتوسيع قوانين حماية اللاجئين، باعتبارهم ليسوا فقط الأفراد الفارين من موجات عنف أو اضطهاد وإنما يجب أن تشمل أسباب الهجرة أيضاً، الفرار من طقسٍ لا يُحتمل مثل موجات الصقيع.

وتتوقع الأمم المتحدة أن 143 مليون مواطن سينزحون من بيوتهم بسبب تغيرات المناخ العنيفة بحلول عام 2050.

مواضيع ذات صلة:

رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية
رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية

تثير احتمالات التقارب التركي مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد مخاوف كبيرة لدى المُعارضين السوريين، خاصة في ظل وجود نحو ستة ملايين إنسان يعيشون في مناطق الشمال، التي تضم محافظة إدلب، وريفي حلب الشمالي والشرقي، وأجزاء من محافظتي الرقة والحسكة.

وينقسم الشمال السوري الخارج عن سيطرة النظام إلى منطقتي نفوذ رئيسيتين، هما إدلب وجزء من ريف حلب الغربي، حيث تسيطر "هيئة تحرير الشام"، ومنطقة النفوذ التركي التي تسيطر عليها فصائل "الجيش الوطني" المدعومة من أنقرة.

ومنذ أغسطس 2016، تدخلت تركيا عسكرياً في مناطق الحدود السورية، وخاضت في البداية معارك مع تنظيم داعش. وبعد عامين دخلت في حرب مع قوات سوريا الديمقراطية غرب نهر الفرات ثم في شرقه، موسّعةً مناطق نفوذها.

 

"انسحاب مشروط"

ولّدت التصريحات التركية، وخصوصاً تلك التي أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول رغبته بالتقارب مع دمشق، مخاوف عميقة عند شريحة واسعة من السكان خاصة في المناطق التي لا توجد تحت نفوذ تركي مباشر، مع وجود عدد من نقاط المراقبة في أريافها الشرقية والجنوبية والشمالية.

وتصف تركيا مناطق نفوذها، المسمّاة "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام"، بأنها "مناطق آمنة". وصرح وزير الداخلية التركي بأن تلك المناطق عاد إليها أكثر من 600 ألف سوري "بشكل طوعي" منذ العام 2016.

غير أن سيناريو التقارب التركي مع الأسد حرك المخاوف من أن تؤدي المفاوضات  إلى "انسحاب تركي محتمل"، وعودة تلك المناطق إلى سيطرة النظام السوري، وهي التي تضم الشريحة السكانية الأكبر من معارضي الأسد، بمن فيهم النازحون من بقية المناطق السورية.

وكان وزير الدفاع التركي يشار غولر صرّح، في يونيو الماضي، بأن بلاده "تدرس إمكانية سحب قواتها من سوريا" بشرط أن يتمّ ضمان بيئة آمنة وأن تكون الحدود التركية آمنة.

 

سيناريو "كارثي"

في منتصف أغسطس الحالي، اتّهم غولر النظام السوري برفض العودة إلى "الاستقرار والسلام"، عبر وضعه شرط الانسحاب من شمال سوريا، واصفا هذا الشرط بأنه "يعدّ بمثابة رفض لعودة الاستقرار والسلام".

الخوف من هجمات قد يشنّها النظام السوري والميليشيات الموالية له، عقب أي احتمال انسحاب التركي، يشكّل "سيناريو كارثياً" في مناطق إدلب وعموم الشمال السوري، وفقاً للناشط المعارض سعود عبيدو، المقيم في ريف حلب الشمالي.

يقول عبيدو لـ"ارفع صوتك" إن "مناطق الشمال السوري في الوقت الحالي "لا تعيش وضعاً مثالياً من الناحية الأمنية والاقتصادية. لكن الأوضاع تعدّ أفضل بكثير من الحال التي كانت عليها عندما كانت تئن تحت حكم الأسد ونظامه".

وينقل عبيدو خشية الناس من مصير مجهول في حال قررت تركيا الانسحاب. بالنسبة إليه، فإن "النظام والميليشيات الإيرانية سيبادرون للهجوم على الشمال السوري، وتعود سيناريوهات المجازر والمعارك مجدداً".

 

ترقّب مشوب بالخوف

لا ينظر غالبية السكان في الشمال السوري بإيجابية لعودة نظام الأسد إلى مناطقهم "في ظل استمرار السياسة الأمنية نفسها"، وفقاً للمواطن إياد الراضي، النازح من ريف دمشق.

يتوقع الراضي (62 عاماً)، وهو يقيم في مدينة جرابلس شرق حلب، أن "ينتقم النظام من الجميع" في الشمال السوري، لأنه "يدرك جيداً أن جميع السكان فيه -بمن فيهم النازحون- معارضون ويرفضون العودة للعيش تحت حكمه".

رأي مقارب تدلي به السيدة خالصة العلي، النازحة من ريف حلب الجنوبي إلى منطقة الباب شرق المحافظة. هي التي فرّت في العام 2015 مع طفليها، بعد مقتل زوجها بقصف على منطقة "الحاضر". تقول إن "أي انسحاب تركي من مناطقنا سيُعيدنا إلى الكابوس نفسه، لن يكون أمامنا سوى الهروب نحو الحدود التركية".

ومن جهته، يعبّر مصطفى العبادي، وهو تاجر أثاث منزلي في منطقة الباب، ونازح من ريف دير الزور، عن مخاوف عامة في الشمال السوري من أن تتم التضحية بسكان تلك المناطق "على مذبح" تسويات دولية، أو صفقة قريبة بين أنقرة ودمشق.

يقول العبادي لـ"ارفع صوتك": "نعيش في حالة انتظار وترقّب وتخوّف.. نتحدث يومياً عما يجب فعله في حال انسحاب القوات التركية. ونعرف أن علينا أن نكون مستعدّين للأسوأ، لكن لا نعرف ماذا يمكن أن يحدث ومتى".

 

"العقبة الكبيرة"

يشكل ملف الانسحاب التركي من الشمال السوري "العقبة الكبيرة في مشروع التطبيع بين أنقرة ودمشق"، وفقاً للمحلل السياسي التركي محمود علوش، الذي لا يرى إمكانية لتصوّر مضيّ مسار التقارب، "من دون التوافق على الشكل الذي سيعالج فيه ملف الوجود التركي".

ويربط علوش، في حديثه لـ"ارفع صوتك"، ملف الوجود التركي بديناميكيات التواجد العسكري لدول أخرى مثل إيران والولايات المتحدة. وبالتالي، فإن "حل هذا الملف يتطلب توفّر مجموعة من الظروف المعقدة المحلية والخارجية".

وفي ما يمكن قراءته على أنه "رسائل طمأنة من أنقرة إلى سكان الشمال السوري"، وضعت تركيا، كما يوضح علوش، "شروطاً واضحة للتفاوض مع دمشق على مستقبل وجودها العسكري في سوريا"، وهذه الشروط "تتمثل بمعالجة هواجسها الأمنية وإعادة اللاجئين وحل سياسي للصراع السوري".

وبحسب علوش، "أرادت أنقرة إرسال رسالتين للأسد: الأولى، أنها مُستعدة للتطبيع الذي يعود بالفوائد على الطرفين ولا يمس بجوهر مقاربتها لتسوية الصراع ولكيفية معالجة ملف وجودها. والثانية، أن اندفاعها نحو التطبيع لا تنم عن ضُعف وبأن إصرار الأسد على أولوية معالجة ملف الانسحاب لن يؤدي سوى إلى تقويض فرصة نادرة للتطبيع".