صورة تعبيرية للاجئة سوريا تدير مطعماً في العاصمة الألمانية برلين- أرشيف فرانس برس
صورة تعبيرية للاجئة سوريا تدير مطعماً في العاصمة الألمانية برلين- أرشيف فرانس برس

رغم أن الدول الأوروبية شكّلت خلال العقد المنصرم الملاذ الأكثر استقراراً ورغبة لدى اللاجئين السوريين، ودفع بعضهم حياته في سبيل الوصول إلى "قارة الأحلام"، إلا أن الواقع فرض على  القادمين الجدد تحدّيات كبيرة يتفق معظم الذين مرّوا بها أنها تتعلّق بالاندماج والتماهي مع عادات المجتمعات المُضيفة.

في يناير الماضي نشر موقع "مهاجر نيوز" المتخصص بقضايا اللاجئين والمهاجرين وطالبي اللجوء، مقالاً تحدث فيه عن هجرة معاكسة لمواطنين سوريين من ألمانيا إلى مصر، على وقع صعوبات تتمثّل بصعوبة أو استحالة التأقلم في الدولة التي استقبلت منذ عام 2014 العدد الأكبر من السوريين.

وعلى الرغم من أن السوريين الذين يقطنون في دول أوروبية أبرزها ألمانيا يدركون جيداً كمية الاستقرار التي يحظون بها مقارنةً بمواطنيهم الذين لا يزالون في دول جوار سوريا أو شمال أفريقيا على سبيل المثال، إلا أن شريحة منهم باتوا يتحدثون مؤخراً عن جملة من الصعوبات أفرزها طول سنوات اللجوء.

 

تجارب متفاوتة

من خلال استطلاع أجراه موقع "ارفع صوتك" بين مجموعة من اللاجئين السوريين في ألمانيا حول صعوبات الاندماج، تحدّث أغلبهم عن ظهورها بشكل واضح إما بعد أن أصبح لديهم عوائل، أو بعد أن كبر أطفالهم وأصبحوا في مراحل عمريّة متقدّمة عن السنّ الذي جاؤوا به إلى البلاد.

من بين هؤلاء، سليمان السهو، الذي لجأ إلى ألمانيا منذ نحو سبعة أعوام، يقول "نحن متشبّثون بثقافتنا التي تربينا عليها، غير أن أطفالي باتوا في سن المراهقة وأخشى جدّياً أن أفقدهم يوماً ما"، في إشارة لخوفه من المستقبل. 

يضيف سليمان (49 عاماً) وهو من مدينة دير الزور، ولجأ إلى تركيا قبل أن يصل أوروبا في عملية تهريب مهاجرين، إن ولديه الوحيدين (19-17) عاماً، كانوا أطفالاً حين ركب بهما سفينة اللجوء بحثاً عن الأمان والاستقرار، وصحيح أن البلد المُضيف "قدّم لعائلته الصغيرة الكثير مما افتقدوه في سنوات الحرب واللجوء، غير أن الخوف من القادم يستهلك تفكيره".

بالنسبة له، فقد نشأ وترعرع في مجتمع عشائري مُحافظ، لذلك حرص في ألمانيا على أن يربّي أولاده على مفاهيم لا تختلف كثيراً عن ثقافة بيئته الأصلية، يتابع "نجح الأمر كثيراً خلال السنوات الماضية حين كان الأولاد صغاراً وتستطيع السيطرة عليهم، أما اليوم فقد كبروا بحيث يدركون أن بإمكانهم "ألا يسمعوا كلام أحد".

ويعبّر سليمان عن اعتقاده بأن الجيل الأول من اللاجئين في أوروبا استطاع إلى حدّ كبير أن يوازن بين ثقافته وعاداته وبين ثقافة المجتمع الجديد، بينما "تنمو المخاو تدريجياً في ما يخصّ علاقة هذا الجيل بالجيل الثاني الذي يمثّل فتياناً وفتيات أصبحوا في سن المراهقة وبعضهم تجاوزوها".

وإذا كانت اللغة والانخراط في سوق العمل تعني جزءاً كبيراً من ثقافة الاندماج المعروفة بين المجتمعات البشرية، فإن غالبية اللاجئين السوريين نجحوا بتجاوز هذه العقبات، كما تقول إيمان السباعي (53 عاماً).

لكنّ الاندماج، تستدرك إيمان، بحاجة إلى عوامل أخرى "لا يدركها أغلب السوريين" في أوروبا.

وتبيّن أن التحدّيات التي يواجهها اللاجئون السوريون في أوروبا "لا تتعلق فقط برغبتهم بالاندماج وقدرتهم على التكيّف والتأقلم في المجتمعات الجديدة، إنما "بنظرة المجتمع المضيف إلينا، هل مجرّد رغبتنا بالاندماج كافية كي يتقبلنا السكان الأصليون كشركاء لهم في هذه البقعة الجغرافية؟".

"يحاول البعض إلغاء أو تهميش عامل الدين في قضية الاندماج الاجتماعي في أوروبا، وهذا غير صحيح بالمُطلق، مهما حاولنا أن نتماهى مع ثقافة المجتمع الألماني مثلاً سيبقى هناك خطوط حُمر لا نستطيع تجاوزها"، تتابع إيمان.

وفي الوقت الذي يعبّر أغلب المستطلعة آراؤهم عن "صعوبة بالغة في تحقيق حالة الاندماج المطلوبة"، يرى آخرون أن في هذا "مبالغة"، كما يرى ممدوح عبيدو، الذي وصل إلى ألمانيا عام 2015، ويحمل وعائلته الجنسية الألمانية اليوم.

يشرح ممدوح (49 عاماً)، أنه عانى في بداية وصوله من قضية الاندماج التي يعتقد أنه "بقدر نجاحها سيكون وضع اللاجئين أفضل"، ملقياً اللوم على "ثقافة الانغلاق التي يعيشها معظم اللاجئين العرب والسوريين" على حد تعبيره.

ويعتقد أن "المجتمع الأوروبي ليس لديه مشكلة مع الآخر مهما كان دينه أو عرقه، المهم أن تتواصل معهم بشكل جيد ولبِق، وتلتزم بالقانون والعادات الاجتماعية السائدة"، مشيراً إلى أن السوريين "أعادوا في ألمانيا ما عاشوه في تركيا خلال سنوات طويلة، وهو التكتل في مجتمعات منغلقة، والتحرّز من اكتشاف المجتمع الجديد".

"في كل مجتمع بما فيها المجتمعات العربية المسلمة هناك إيجابيات وسلبيات، وأصحاب الوعي يدركون ماذا يأخذون وماذا يجتنبون"، يتابع ممدوح. 

 

عوائق الاندماج

في السياق نفسع، تقول الباحثة الاجتماعية السورية سلام طاهر، إن مفهوم الاندماج فضفاض وواسع ويمكن لأي شخص أن يعرّفه بناء على تجربته الشخصية، مثلاً "منهم يرى أن تحقيقه يتم بالتعرف إلى ثقافة البلد المضيف ومراعاة خصوصياته وأخلاقياته، فيما يرى آخر أنه يجب التماهي في هذا المجتمع وتمثُّل كامل أخلاقياته وخصائصه".

بناءً على الأفكار المسبقة تجاه الاندماج اختلفت التجارب عند السوريين، توضح طاهر لـ"ارفع صوتك": "منهم من كان لديه ردّة فعل تجاه المجتمع المضيف ورفضه بكامل خصائصه، ومنهم استطاع خلق صيغة للتعامل مع المجتمع المضيف والحفاظ على خصوصياته وقيمها التي يحملها معه من الوطن".

وثمّة أسباب تتضافر مع بعضها وتشكّل عائقاً أمام اندماج السوريين في المجتمع الأوروبي، بحسب الاختصاصية النفسية والاجتماعية سلوى عرابي، مؤكدة أن اللغة "عامل مهم جداً في اندماج المهاجرين السوريين في بلاد المهجر".

وتضيف لـ"ارفع صوتك" أن كثيراً من السوريين وجدوا صعوبة في التأقلم والتعايش مع طبيعة الحياة في المجتمع الأوروبي "بسبب اختلاف العادات والتقاليد هناك، ولصعوبة دخول السوريين سوق العمل وجهل كثير منهم بالقوانين السارية".

وتقول عرابي "لا بد أن يكون لدى اللاجئ الاستعداد النفسي أولاً للاندماج، لأن كثيراً منهم يصبح خائفاً من فقدان هويته العربية ولغته بالإضافة لقلقه على ما نشأ عليه أبناؤه من أخلاق وقيم وعادات".

وهذا الخوف يجعلهم "ينغلقون على ذاتهم ولا يندمجون مع المجتمع في محاولة للحفاظ على ما جاؤوا به من أوطانهم" تتابع عرابي.

مواضيع ذات صلة:

Displaced Palestinians make their way as they flee Hamad City following an Israeli evacuation order, in Khan Younis in the southern Gaza Strip
صورة تعبيرية لنازحين فلسطينيين في قطاع غزة بعد الاستجابة لأوامر إخلاء من الجيش الإسرائيلي بمدينة حمد

قالت صحيفة "وول ستريت جورنال" إن هناك "عقبة أساسية" تواجه الآمال الأميركية بوقف إطلاق النار بقطاع غزة من شأنها أن تساعد في تهدئة التوترات الإقليمية.

وأشار التقرير بأصابع الاتهام إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتانياهو، وزعيم حركة حماس (المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى حول العالم) بغزة، يحيى السنوار، موضحا أنهما يحبطان الوسطاء والأشخاص في معسكريهما لوقف إطلاق النار.

وبحسب الصحيفة، فإن الجميع يتفق على أن الوقت حان لإيقاف القتال باستثناء الشخصين اللذين سيطران إلى التوقيع على الاتفاق المحتمل.

وقال مايكل ملشتاين، الذي عمل كرئيس سابق للشؤون الفلسطينية بالاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، "لا أعتقد أنه يمكن سد الفجوة الهائلة بين الرجلين. ولسوء الحظ، هما رقم واحد حينما نتحدث عن صناعة القرار في الجانبين".

والخميس، اختتم اليوم الأول من المفاوضات بشكل "بناء" بالعاصمة القطرية الدوحة، وشهد نقاشات حول جميع النقاط العالقة وآليات تنفيذ الاتفاق، وفق مصادر أميركية ومصرية، على أن تستأنف المناقشات، الجمعة، بحسب وكالات أنباء عالمية.

 

مشاركة إسرائيلية وغياب لحماس

وأكد مصدر رفيع المستوى لوسائل إعلام مصرية، إن اليوم الأول شهد نقاشات حول جميع النقاط العالقة وآليات تنفيذ الاتفاق، وإنه سيتم خلال مباحثات اليوم الثاني للمحادثات استكمال المناقشات حول آليات تنفيذ الاتفاق.   

وأضاف المصدر المصري أن مناقشات اليوم الأول امتدت لأكثر من 7 ساعات أبدى خلالها جميع الأطراف رغبة حقيقية في التوصل لاتفاق.

ونقلت "القاهرة الإخبارية" عن مصدر وصفته بـ "رفيع المستوى" قوله إن الوفد الأمني المصري أكد خلال المباحثات حرص مصر على سرعة التوصل لاتفاق لوقف الحرب الجارية بالقطاع والإفراج عن الأسرى والمحتجزين.

وتأمل إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، أن يمنح الاتفاق إيران والمجموعات المسلحة المتحالفة معها مثل حزب الله، سببا للتراجع عن تهديدها بالرد على إسرائيل في أعقاب مقتل قائد حماس السابق، إسماعيل هنية، في طهران والقيادي بحزب الله، فؤاد شكر.

وفي وقت تتهم فيه إيران بقتل هنية في طهران، لم تؤكد إسرائيل أو تنفي ضلوعها في هذا الأمر، لكن الجيش الإسرائيلي أكد استهداف شكر في بيروت، فيما توعد حزب الله بالرد.

ويشارك في الجولة الحالية من المفاوضات مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي ايه"، وليام بيرنز، إضافة إلى رئيسي جهازي الاستخبارات الخارجية (الموساد) والداخلية (الشاباك) الإسرائيليين.

ولا تشارك حماس في هذه المفاوضات، لكن القيادي بالحركة، أسامة حمدان، قال لوكالة فرانس برس مساء الخميس إن حماس أبلغت الوسطاء في الدوحة بموقفها.

وقال عضو المكتب السياسي لحماس حسام بدران في تصريحات عقب استئناف التفاوض في الدوحة إن "أي اتفاق يجب أن يحقق وقف إطلاق نار شاملا وانسحابا كاملا من غزة وإعادة النازحين".

 

غضب مصري

وقال مسؤولون ومفاوضون في معسكري الجانبين إن نتانياهو والسنوار قاوما لأشهر التوصل لاتفاق، رغم تزايد الضغوط الرامية إلى إنهاء الحرب التي تهدد باندلاع صراع إقليمي.

وبلغ التوتر أوجّه خلال الجولة الأخيرة من المحادثات خلال يوليو الماضي لدرجة أن رئيس المخابرات العامة المصرية، عباس كامل، فقد أعصابه، حينما طرح فريق التفاوص الإسرائيلي مطالب جديدة لنتانياهو، يسعى فيها لتأمين ممرات استراتيجية في غزة.

وقال كامل بغضب لفريقه إن نتانياهو يهدر وقته، وفقا لما قالته مصادر مطلعه لصحيفة "وول ستريت جورنال".

ولا تزال هناك "نقاط شائكة" تعرقل التوصل لاتفاق من بينها ما إذا كان أي وقف للقتال سيكون مؤقتا أم دائما، وكيفية تأمين الحدود بين غزة ومصر، وقدرة إسرائيل على فحص الفلسطينيين العائدين إلى شمال غزة وأي السجناء الفلسطينيين سيتم الموافقة على إطلاق سراحهم.

وبدأت الحرب إثر هجوم نفّذته حركة حماس في السابع من أكتوبر على إسرائيل وأسفر عن مقتل 1198 شخصا، معظمهم مدنيون وبينهم نساء وأطفال، وفقا لحصيلة أعدتها وكالة فرانس برس استنادا إلى أرقام إسرائيلية رسمية.

وخُطف خلال الهجوم 251 شخصا، لا يزال 111 منهم محتجزين في غزة، بمن فيهم 39 يقول الجيش إنهم لقوا حتفهم.

وأسفرت الغارات والقصف والعمليات البرية الإسرائيلية في قطاع غزة عن مقتل 40005 أشخاص، وفق آخر حصيلة لوزارة الصحة التابعة لحماس.

 

اتهامات

ويواجه نتانياهو منذ شهور اتهامات من الوسطاء ومن مفاوضيه بأنه أحبط الجهود الرامية للتوصل إلى اتفاق من خلال تقديم مطالب جديدة، وتسريب التفاصيل إلى وسائل الإعلام وتقييد مساحة فريقه للتفاوض. بل إن أعضاء فريقه فكروا في الاستقالة، وفقا لما ذكره وسطاء عرب ومفاوض سابق لـ "وول ستريت جورنال".

وقال مفاوض سابق في إشارة إلى نتانياهو: "كان شعورنا طوال الوقت أنه كان معارضا لنا. وأنا على يقين تام من أن فرص التوصل إلى اتفاق ستكون أعلى لو كان (نتانياهو) غير متواجد".

ونفى نتانياهو في وقت سابق الاتهامات بعرقلة المحادثات.

في الناحية المقابلة وفي رسالة نقلت إلى الوسطاء العرب، مساء الاثنين، وفق الصحيفة الأميركية، قال السنوار إنه إذا كانت إسرائيل جادة بشأن المفاوضات وتريد مشاركة حماس، فيجب عليها أولا وقف عملياتها العسكرية في غزة، وهو أمر من غير المرجح أن توافق عليه إسرائيل.

ويعتقد السنوار أن الجولة الأخيرة من المحادثات هي "خدعة"، مما يمنح إسرائيل وقتا إضافيا لشن حملتها العسكرية، وفق وسطاء عرب.