يعيش في تركيا حوالي ثلاثة ملايين و500 ألف لاجئ سوري، رحلوا عن بلادهم بعد اندلاع الحرب عام 2011.
يعيش في تركيا حوالي ثلاثة ملايين و500 ألف لاجئ سوري، رحلوا عن بلادهم بعد اندلاع الحرب عام 2011.

يرتفع بشكل واضح مستوى التضييق على اللاجئين السوريين في تركيا مع تغيّر كبير في سياسة الحزب الحاكم تجاه هذا الملف أدّت خلال العام الفائت والشهور الماضية من العام الحالي إلى ترحيل الآلاف للشمال السوري.

وتعدّدت أوجه التضييق بشكل مطّرد منذ عام 2019، حين خسر حزب العدالة والتنمية الحاكم بلديتي إسطنبول وأنقرة في انتخابات البلديات. وكان اللاجئون السوريون ورقة ضغط لدى أحزاب المعارضة الرئيسية، التي استخدمت الورقة نفسها في انتخابات الرئاسة في مايو 2023، وتعهّدت بترحيل كافة اللاجئين وإغلاق الملف بشكل نهائي.

يقول سوريون في تركيا إن أكثر ما يثير قلقهم اليوم هو ما يعرف محلياً باسم "أكواد التقييد" (جمع كود: رمز). وهي اختصار لجنايات وجرائم ومخالفات حدّدتها وزارة الداخلية التركية يُمنع على اللاجئ ارتكابها وتضعه في إطار المساءلة القانونية والقضائية وتؤدّي في النهاية إلى ترحيله من البلاد.

 

ما هو "كود التقييد"؟

يتداول السوريون في تركيا المقيمون تحت بند الحماية المؤقّتة في مجموعات وسائل التواصل الاجتماعي، أسئلة متكررة بشأن كيفية التخلص من "الأكواد" المفروضة عليهم لسبب أو لآخر، فيما يلجأ قسم منهم إلى محامين لمتابعة قضاياهم.

ويبدأ "الكود" عادة بحرف لاتيني كبير متبوعاً برقم معين، كاختصار للمخالفة التي ارتكبها اللاجئ تحت بند الحماية المؤقتة، حيث يشير الكود "V-69" مثلاً إلى اللاجئين الذين أُبطلت إقاماتهم، والكود "V-71" إلى عدم التواجد في العنوان المثبّت لدى دائرة النفوس، فيما يشير الكود "G-87" إلى الأشخاص الذين يشكّلون تهديداً للأمن العام.

ويعد الكود "Ç-114" الأكثر رعباً لدى اللاجئين السوريين، حيث يشير إلى "الأجانب الذين تُتّخذ بحقهم إجراءات قضائية"، وهو مصطلح يراه العديد من السوريون "فضفاضاً جداً"، لأنه قد يشمل أشخاصاً يمكن أن يحكم القضاء ببراءتهم وعدم إدانتهم بشيء، غير أن "إدارة الهجرة" لا تخلي سبيلهم وتتخذ بحقهم إجراءات قد تؤدي لترحليهم من البلاد.

عامر ياغي (26 عاما)، لاجئ سوري تعرض للترحيل من تركيا منذ قرابة خمسة شهور بسبب فرض الكود "V-69" عليه قبل نحو عام، حين أمسكته الجندرما التركية خلال محاولته الوصول إلى الأراضي البلغارية في الصيف الماضي.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن السلطات التركية أوقفته في مخيم بولاية أدرنة الحدودية لمدة أسبوع تقريباً قبل إجباره على توقيع أوراق علم لاحقاً أنها تُدينه بمحاولة الهجرة غير الشرعية، الأمر الذي أدّى إلى إيقاف قيده وفرض الكود المذكور عليه.

وحين استعان بمحامٍ، طلب منه 3000 دولار لمتابعة قضيته وإعادة القيد له عبر اللجوء للمحاكم. دفع نصف المبلغ تقريباً، لكن القضية لم تنجح وبقي الكود مثبتاً ضدّه، ليجد نفسه مقيّداً بعد أن فحصت الشرطة أوراقه بولاية إسطنبول، وتم ترحيله مباشرة بعد أسبوع.

والأمر الذي يثير ذعر الكثير من السوريين من هذه الأكواد، أنه لا يوجد منفذ إلكتروني أو موقع خاص أو جهة رسمية تعلن عن وجودها ليُتاح للاجئ توكيل محامٍ يتابع القضية، وتبقى مجهولة لا يكتشفها اللاجئ إلا عند "تفييش" (مسح إلكتروني) هويته أو ذهابه لمراجعة دائرة الهجرة في منطقته.

وتُعد دائرة الهجرة الجهة الحكومية التي تتابع ملفّ تحديث بيانات اللاجئين السوريين، غير أنها باتت "بحكم المصيدة بالنسبة للسوريين" بحسب بسمة الجابي (42 عاماً) ، تقول لـ"ارفع صوتك" إن عائلتها اضطرّت لتغيير المسكن والذهاب لدائرة الهجرة بغرض تحديث البيانات "وهناك أمسك شرطيان بزوجي وتم إيقافه لسبب لا نعرفه".

بعد أسبوع من توقيفه علمت العائلة أنه خاضع للكود "Ç-114" بسبب شجار حصل قبل ثلاث سنوات دخل على أثره أحد المخافر (قسم شرطة) ثم أطلق سراحه في وقت لاحق.

في النهاية، تضيف بسمة، تم ترحيله بعد إيقافه في مخيم للاجئين بولاية غازي عنتاب.

"مسألة تنظيمية"

بينما يعتقد لاجئون سوريون أن أكواد التقييد هي مجرد "إجراء قانوني" للتضييق عليهم وترحيلهم في نهاية المطاف، يرى المستشار القانوني عمر بكور أنها "مسألة تنظيمية بحتة لا تخص اللاجئين السوريين فقط إنما الشرائح الأخرى أيضاً".

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "الأكواد تنطبق على بعض حملة الإقامات السياحية والطلابية وغيرها، كما تتدرج بين أكواد المخالفات البسيطة مثل تحديث البيانات وتقييد السكن وغيرها لتصل إلى الأكواد الأمنية الثقيلة مثل كود G87 سيّء السمعة".

وحول طريقة معرفة الكود المسجّل ضد الشخص، يقول بكور "هناك منافذ يستطيع الشخص من خلالها الكشف والتشييك على سجله بشكل عام لا سيما الأكواد، سواء عن طريق المراجعة بنفسه لدى دائرة الهجرة أو مكتب الهجرة الموجود في المطار أو عن طريق توكيل محامٍ، حيث يقوم المحامي عادةً بالكشف عن سجل موكله كلما استدعى الأمر".

ويتابع: "لا نستطيع أن نجزم بقانونية أو عدم قانونية هذه الأكواد بالمجمل لأنها عبارة عن ملاحظات توضع على السيستم، وهي بمثابة مؤشر عن الوضع القانوني للشخص".

في الوقت نفسه، يقول بكور "هناك هامش خطأ كبير بها ولذلك أُتيح للأشخاص الاعتراض على الأكواد الخاصة بهم عن طريق طلبات الاعتراض ودعاوى الاعتراض الإدارية".

مواضيع ذات صلة:

متظاهر يميني ضد وجود المسلمين والمهاجرين في بريطانيا خلال إحدى التظاهرات
متظاهر يميني ضد وجود المسلمين والمهاجرين في بريطانيا خلال إحدى التظاهرات

في ظل تصاعد الهجمات العنصرية التي يقودها اليمين المتطرف في بريطانيا ضد المسلمين والمهاجرين، تعيش الجالية السورية حالة من القلق والصدمة.

هذه الهجمات التي ترافقت مع اعتداءات لفظية وجسدية وتخريب للممتلكات، تعد الأسوأ منذ 13 عاما، وتهدد الأمان والاستقرار الذي كان السوريون يأملون العثور عليه في بريطانيا باعتبارها ملاذا آمنا لجأوا إليه بعيدًا عن الاضطهاد والتمييز والعنف في بلادهم، أو في البلاد التي انتقلوا منها.

تقول السورية تاليا بابكير (39 عاما) المقيمة في مدينة مانشستر شمال غرب العاصمة البريطانية لندن، إن "الهجمات الأخيرة التي طالت المهاجرين لم تقتصر على الاعتداءات اللفظية، بل امتدت للتهديدات والاعتداء الجسدي وتخريب الممتلكات، ما يعكس تحولًا خطيرًا في التعامل مع المجتمعات المسلمة والمهاجرين".

وتضيف لـ"ارفع صوتك" أن هذه الحوادث التي "كانت تعتبر فردية ومعزولة في السابق" باتت اليوم "جزءًا من توجه متنام للإسلاموفوبيا في المملكة المتحدة".

وتلفت تاليا إلى وجود ارتفاع في جرائم الكراهية الدينية، الأمر الذي ما دفع الحكومة البريطانية لاتخاذ إجراءات صارمة من أجل "منع تفاقم أعمال العنف ضد المهاجرين والمسلمين، الذين أصبحوا يجدون أنفسهم الآن في موقف دفاعي، بعد أن كانوا يعتقدون أن بريطانيا ستكون ملاذهم الآمن" على حد تعبيرها.

واندلعت الاحتجاجات ضد المسلمين في بريطانيا يوم 29 تموز الماضي، بعد مقتل ثلاث فتيات تتراوح أعمارهن بين السادسة والتاسعة في هجوم على حفل للأطفال في بلدة ساوثبورت شمال إنجلترا، وأصيب 10 أشخاص بينهم ثمانية أطفال وبالغان اثنان.

ورغم أن الشرطة البريطانية ألقت القبض على فتى أيرلندي يبلغ من العمر 17 عاما، إلا أن معلومات كاذبة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي أفادت بأن المشتبه به هو مهاجر مسلم متطرف، ما أدى إلى احتجاجات عنيفة مناهضة للمسلمين في ساوثبورت في اليوم التالي، ومحاولة مهاجمة مسجد البلدة.

ولاحقا تجمع آلاف المحتجين بالقرب من مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في داونينغ ستريت وسط لندن، واندلعت بعدها عشرات أعمال الشغب في شمال شرق وشمال غرب وجنوب إنجلترا وفي ايرلندا الشمالية، شارك فيها مئات الأشخاص الذين استهدفوا المهاجرين والمسلمين وأحرقوا مركبات الشرطة وألقوا حجارة وزجاجات على المساجد، وعلى فنادق تؤوي مهاجرين وطالبي لجوء، كما تعرضت بعض المتاجر المملوكة لمهاجرين للتخريب والنهب.

 

صدمة السوريين

يقول ريان (27 عاماً) الذي وصل إلى بريطانيا منذ أربعة أشهر، بعد معاناته لسنوات من التمييز العنصري في تركيا: "كنت أعتقد أنني سأجد الأمان هنا، لكنني فوجئت بالأحداث العنصرية الأخيرة، فقد تعرض الفندق القريب من شقتي في مدينة ليدز، لهجمات عنصرية".

ويشير لـ"ارفع صوتك" إلى أن هذ الفندق يؤوي طالبي اللجوء من مختلف الجنسيات"، مبيناً "تم تهديد قاطني الفندق وتكسير نوافذه بسبب رمي الحجارة. هذه الحوادث جعلتني أشعر بصدمة كبيرة وخوف تجاوز ما شعرت به في تركيا، لأني اعتقدت أن بريطانيا تحترم حقوق الإنسان وتحارب التمييز".

من مدينة لندن، تقول راما مرشد (30 عاماً)، التي  وصلت إلى بريطانيا عام 2020 بعد أن فرّت من الصراع في سوريا: "حصلت العديد من الأحداث كالشتم، والإهانات، والتحريض على وسائل التواصل الاجتماعي، والاعتداءات على المساجد وأماكن تجمعات المسلمين".

وتلفت إلى "حادثة مروعة شهدتها عندما كانت في زيارة لأحد أقاربها الأسبوع الماضي في مدينة ميلتون، إذ هاجم أحد الأشخاص منزل عائلة مهاجرة حاملا سكينا وهددهم بالطعن، وأطلق شتائم عنصرية".

"لحُسن الحظ تدخل الجيران وأبلغوا الشرطة التي اعتقلت المعتدي، لكن تلك الحادثة جعلتني أشعر بالرعب على أطفالي، حتى أن ابنتي الصغيرة قالت لي إنها لم تعد ترغب في الخروج من المنزل خوفا من تعرضنا للاعتداء"، تتابع راما.

الحوادث العنصرية المتصاعدة لم تؤثر فقط على مشاعر الخوف والقلق بين السوريين في بريطانيا، بل أثرت أيضا على سير حياتهم اليومية، فالكثير من العائلات السورية أصبحت تخشى التجول في الشوارع ليلاً، وتتجنب الأماكن التي قد تتعرض فيها لاعتداءات.

يقول أحمد ديوب، وهو لاجئ سوري يعيش في مدينة مانشستر "ابنتي تعرضت للشتم في الشارع بسبب حجابها، وهذا أمر لم أتوقعه أبداً في بريطانيا... كنا نعتقد أننا سنجد الأمان هنا، لكن نحن نشعر الآن بالخوف على حياتنا وحياة أطفالنا".

ويؤكد أنه "ليس الوحيد الذي يعاني، فالكثير من السوريين أسوة بالمهاجرين الآخرين يشعرون بالخوف من التعرض للاستهداف بسبب دينهم وأصولهم".

 

مليون حادثة عنصرية في عام

أورد تقرير  أعدته مؤسسة PROTECTION APPROCHES  بالتعاون مع مركز دراسات الكراهية في المملكة المتحدة التابع لجامعة "ليستر"، أن البيانات المسجلة لدى الشرطة شهدت تصاعداً في مستويات جرائم الكراهية.

وأفاد التقرير الذي نشر في أبريل الماضي، أن 45% (430,000) من المهاجرين تعرضوا لجريمة كراهية، وأن 55% منهم تعرضوا لأكثر من حادث واحد، في إشارة إلى ما يقرب من مليون حادثة عنصرية، استهدفتهم خلال عام مضى.

وبيّن التقرير أن غالبية جرائم الكراهية التي يتعرض لها الأشخاص من شرق وجنوب شرق آسيا في المملكة المتحدة، لا يتم الإبلاغ عنها بسبب انخفاض الثقة في السلطات، حيث يبلّغ 10% فقط  منهم عن جرائم الكراهية للشرطة.

بحسب موقع برلمان المملكة المتحد، تمت بين عامي 2014 ومارس 2024 إعادة توطين 57000 شخص إلى المملكة المتحدة، وكان حوالي 20 ألف منهم من السوريين الذين أُعيد توطينهم بين عامي 2014 و2020.

كما أوضج التقرير أنه قبل عام 2011، لم يطلب أحد من سوريا اللجوء إلى المملكة المتحدة، وبين عامي 2011 و2021، مُنح قرابة 31 ألف سوري فار من الصراع حق اللجوء، وتمت إعادة توطين معظمهم مباشرة من دول ثالثة كتركيا ولبنان.