يرتفع بشكل واضح مستوى التضييق على اللاجئين السوريين في تركيا مع تغيّر كبير في سياسة الحزب الحاكم تجاه هذا الملف أدّت خلال العام الفائت والشهور الماضية من العام الحالي إلى ترحيل الآلاف للشمال السوري.
وتعدّدت أوجه التضييق بشكل مطّرد منذ عام 2019، حين خسر حزب العدالة والتنمية الحاكم بلديتي إسطنبول وأنقرة في انتخابات البلديات. وكان اللاجئون السوريون ورقة ضغط لدى أحزاب المعارضة الرئيسية، التي استخدمت الورقة نفسها في انتخابات الرئاسة في مايو 2023، وتعهّدت بترحيل كافة اللاجئين وإغلاق الملف بشكل نهائي.
يقول سوريون في تركيا إن أكثر ما يثير قلقهم اليوم هو ما يعرف محلياً باسم "أكواد التقييد" (جمع كود: رمز). وهي اختصار لجنايات وجرائم ومخالفات حدّدتها وزارة الداخلية التركية يُمنع على اللاجئ ارتكابها وتضعه في إطار المساءلة القانونية والقضائية وتؤدّي في النهاية إلى ترحيله من البلاد.
ما هو "كود التقييد"؟
يتداول السوريون في تركيا المقيمون تحت بند الحماية المؤقّتة في مجموعات وسائل التواصل الاجتماعي، أسئلة متكررة بشأن كيفية التخلص من "الأكواد" المفروضة عليهم لسبب أو لآخر، فيما يلجأ قسم منهم إلى محامين لمتابعة قضاياهم.
ويبدأ "الكود" عادة بحرف لاتيني كبير متبوعاً برقم معين، كاختصار للمخالفة التي ارتكبها اللاجئ تحت بند الحماية المؤقتة، حيث يشير الكود "V-69" مثلاً إلى اللاجئين الذين أُبطلت إقاماتهم، والكود "V-71" إلى عدم التواجد في العنوان المثبّت لدى دائرة النفوس، فيما يشير الكود "G-87" إلى الأشخاص الذين يشكّلون تهديداً للأمن العام.
ويعد الكود "Ç-114" الأكثر رعباً لدى اللاجئين السوريين، حيث يشير إلى "الأجانب الذين تُتّخذ بحقهم إجراءات قضائية"، وهو مصطلح يراه العديد من السوريون "فضفاضاً جداً"، لأنه قد يشمل أشخاصاً يمكن أن يحكم القضاء ببراءتهم وعدم إدانتهم بشيء، غير أن "إدارة الهجرة" لا تخلي سبيلهم وتتخذ بحقهم إجراءات قد تؤدي لترحليهم من البلاد.
عامر ياغي (26 عاما)، لاجئ سوري تعرض للترحيل من تركيا منذ قرابة خمسة شهور بسبب فرض الكود "V-69" عليه قبل نحو عام، حين أمسكته الجندرما التركية خلال محاولته الوصول إلى الأراضي البلغارية في الصيف الماضي.
يقول لـ"ارفع صوتك" إن السلطات التركية أوقفته في مخيم بولاية أدرنة الحدودية لمدة أسبوع تقريباً قبل إجباره على توقيع أوراق علم لاحقاً أنها تُدينه بمحاولة الهجرة غير الشرعية، الأمر الذي أدّى إلى إيقاف قيده وفرض الكود المذكور عليه.
وحين استعان بمحامٍ، طلب منه 3000 دولار لمتابعة قضيته وإعادة القيد له عبر اللجوء للمحاكم. دفع نصف المبلغ تقريباً، لكن القضية لم تنجح وبقي الكود مثبتاً ضدّه، ليجد نفسه مقيّداً بعد أن فحصت الشرطة أوراقه بولاية إسطنبول، وتم ترحيله مباشرة بعد أسبوع.
والأمر الذي يثير ذعر الكثير من السوريين من هذه الأكواد، أنه لا يوجد منفذ إلكتروني أو موقع خاص أو جهة رسمية تعلن عن وجودها ليُتاح للاجئ توكيل محامٍ يتابع القضية، وتبقى مجهولة لا يكتشفها اللاجئ إلا عند "تفييش" (مسح إلكتروني) هويته أو ذهابه لمراجعة دائرة الهجرة في منطقته.
وتُعد دائرة الهجرة الجهة الحكومية التي تتابع ملفّ تحديث بيانات اللاجئين السوريين، غير أنها باتت "بحكم المصيدة بالنسبة للسوريين" بحسب بسمة الجابي (42 عاماً) ، تقول لـ"ارفع صوتك" إن عائلتها اضطرّت لتغيير المسكن والذهاب لدائرة الهجرة بغرض تحديث البيانات "وهناك أمسك شرطيان بزوجي وتم إيقافه لسبب لا نعرفه".
بعد أسبوع من توقيفه علمت العائلة أنه خاضع للكود "Ç-114" بسبب شجار حصل قبل ثلاث سنوات دخل على أثره أحد المخافر (قسم شرطة) ثم أطلق سراحه في وقت لاحق.
في النهاية، تضيف بسمة، تم ترحيله بعد إيقافه في مخيم للاجئين بولاية غازي عنتاب.
"مسألة تنظيمية"
بينما يعتقد لاجئون سوريون أن أكواد التقييد هي مجرد "إجراء قانوني" للتضييق عليهم وترحيلهم في نهاية المطاف، يرى المستشار القانوني عمر بكور أنها "مسألة تنظيمية بحتة لا تخص اللاجئين السوريين فقط إنما الشرائح الأخرى أيضاً".
ويوضح لـ"ارفع صوتك": "الأكواد تنطبق على بعض حملة الإقامات السياحية والطلابية وغيرها، كما تتدرج بين أكواد المخالفات البسيطة مثل تحديث البيانات وتقييد السكن وغيرها لتصل إلى الأكواد الأمنية الثقيلة مثل كود G87 سيّء السمعة".
وحول طريقة معرفة الكود المسجّل ضد الشخص، يقول بكور "هناك منافذ يستطيع الشخص من خلالها الكشف والتشييك على سجله بشكل عام لا سيما الأكواد، سواء عن طريق المراجعة بنفسه لدى دائرة الهجرة أو مكتب الهجرة الموجود في المطار أو عن طريق توكيل محامٍ، حيث يقوم المحامي عادةً بالكشف عن سجل موكله كلما استدعى الأمر".
ويتابع: "لا نستطيع أن نجزم بقانونية أو عدم قانونية هذه الأكواد بالمجمل لأنها عبارة عن ملاحظات توضع على السيستم، وهي بمثابة مؤشر عن الوضع القانوني للشخص".
في الوقت نفسه، يقول بكور "هناك هامش خطأ كبير بها ولذلك أُتيح للأشخاص الاعتراض على الأكواد الخاصة بهم عن طريق طلبات الاعتراض ودعاوى الاعتراض الإدارية".
