كان لدينا بساتين من الكرز والتوت الشامي وكنت أرافق أبي وجدي لقطفها، هذه هي الذكرى الوحيدة الجميلة التي حملتها معي إلى بلد اللجوء"، يقول ماجد الحمصي (20 عاما)، اللاجئ السوري من ريف دمشق والمقيم في العاصمة اللبنانية بيروت.
غادر ماجد سوريا عام 2013، وهو في التاسعة من عمره، لاجئاً مع ما تبقى من عائلته، التي قتل عدد من أفرادها في مجزرة الغوطة الشرقية.
وبخلاف ذكريات قطف الكرز، حمل ماجد معه ذكريات "مخيفة"، ذكريات حولت البلد إلى مكان للموت والحرب والقتل، يقول: "لا يمكن أن أشعر بالانتماء أو الاشتياق إلى وطن قتل فيه أكثر الناس الذين أحبّهم"، يتابع ماجد.
انتماء ضائع
بعد مرور 13 سنة على اندلاع الثورة الشعبية في سوريا ودخول البلاد في حرب أهلية، نشأ جيل كامل من الأطفال السوريين اللاجئين في بلدان مختلفة.
الأطفال الذين خرجوا من سوريا وهم في سن صغير تجاوز بعضهم اليوم سن العشرين، وأصبحوا يحملون صورا مشتتة ومختلفة عن بلادهم، وبعضهم يحتفظ بقليل من الذكريات والحنين، فيما يعتمد آخرون على قصص رواها لهم آباؤهم أو أقاربهم الأكبر سناً.
تقول لمى موسى (18 عاماً) التي غادرت سوريا حين كانت في السادسة من عمرها، وتعيش لاجئة في السويد: "لا أذكر شيئا على الإطلاق، ولست أدري إن كانت سوريا حقاً هي ما تسرده لي جدتي حين أكلّمها عبر الفيديو، أي أيام العز في سوريا الجميلة، أو ما يحدثني به أبي عن ملاحقته واعتقال وتعذيب معارضين بسبب الرأي، الأمر الذي جعلنا نهرب عبر البحر طالبين للجوء في السويد، أو أنها ما أقرأه وأسمعه في الأخبار".
"لست أدري إن كانت سوريا جميلة حقاً، لكن الشيء الأكيد أنني لا أفكر بزيارتها ولا أحنّ إليها، فما يربطني بها جدتي فقط، وحين يتوفاها الله سأنسى تلك البلاد"، تضيف لمى لـ"ارفع صوتك".
مروه اليوسف (24 عاما) لاجئة سورية في ألمانيا، على العكس من لمى، فهي "تشتاق لسوريا القديمة، وإلى ضحكات أقرانها ولعبهم"، وفق تعبيرها.
تقول لـ"ارفع صوتك": "لو عدتُ اليوم لن أجد الأشخاص ذاتهم ولن أعيش الذكرى نفسها، فالذين أحبهم وترعرعت معهم توفي بعضهم وتفرّق الآخر في بلاد الله الواسعة"، في إشارة لتهجير العديد من معارفها خارج سوريا.
وتلفت مروة في حديثها إلى المعاناة التي مرت بها حين فرّت من سوريا، وكان الشوق لبلدها "كبيرا جدا". كان ذلك عام 2015 حين كانت بعُمر 15 عاماً.
تبيّن: "حملت العديد من الذكريات للشوارع والساحات والحارات القديمة بكل تفاصيلها، وكان حلمي أن أعود، ولكن حين زرت سوريا مع والدتي العام الماضي (2023) صُدمت وتغيّرت مشاعري، وأحسست أن ما يربطني بهذه البلاد اختفى، حتى الشوق واللهفة".
"ولم أشعر بشيء، بل على العكس اشتقت للعودة لألمانيا التي منحتني فرصاً وتعليماً وعملاً وأماناً لم أكن سأعيشه في بلادي"، تتابع مروة.
بالنسبة لشمس النجار (24 عاما)، فإن شعوره بالانتماء والاشتياق للبلد "لا يُذكر"، والسبب كما يقول اللاجئ السوري في مصر "الفترة القصيرة التي عاشها في سوريا، حيث غادر وهو في سن 12 عاماً".
يؤكد لـ"ارفع صوتك" أنه "لا يحمل أي ذكرى من بلاده سوى لعبه بالكرة في حارته، وبعض الصداقات البسيطة التي كوّنها في المدرسة، وهي الأشياء التي يشتاق ويحن لها فقط".
يضيف شمس: "لم يعد لي ذكريات متعلقة بالبلد، فخروجي بسن صغير جعلني لا أحمل أي شعور بالانتماء لبلدي، بل العكس تماما، أصبح لدي انتماء لمصر أكبر بكثير من سوريا لأنني عشت طفولتي ومراهقتي فيها وكونت صداقات عديدة".
ويشير إلى وجود "فرق واضح جدا بينه وبين أصدقائه ومعارفه (السوريين) الذين يصغرونه بعام أو اثنين فقط، إذ أنهم لا يعرفون شيئا عن سوريا إطلاقاً، ولا يحملون أي انتماء أو اشتياق إطلاقاً، ولا يتذكرون أي شيء عنها" بحسب تعبيره.
بالنتيجة، يقول شمس "كلما كان عمر الطفل الذي غادر سوريا أصغر، فُقِد لديه هذا الشعور" .
في السياق، ترى مسؤولة الدعم النفسي الاجتماعي السورية إكرام ناصيف، المقيمة في تركيا، أن الذين خرجوا من سوريا بعُمر صغير وأصبحوا الآن شباناً وشابات، لديهم ذكريات يصعب نسيانها، ولكن في الوقت ذاته "هناك الكثير ممّا يصعب عليهم تذكره، بسبب الأوضاع والظروف الصعبة التي مرّوا بها، وما حملته من ضغوط نفسية وحياتية ومجتمعية".
وتقول لـ"ارفع صوتك": "من الطبيعي أن يضعف شوق هؤلاء وانتماؤهم للوطن مع الوقت، بسبب انشغالهم بالعمل أو التعليم، ومتابعة ما يحصل في المجتمع المحيط بهم".
