تستضيف رفح أكثر من 1.2 مليون نازح يعيشون ظروفاً صعبة.

نزح الآلاف من سكان قطاع غزة باتجاه الجنوب هرباً من الهجمات الإسرائيلية المتواصلة منذ أكتوبر الماضي. النازحون تكدسوا في مدينة رفح على الشريط الحدودي الفاصل بين القطاع وشبه جزيرة سيناء المصرية، ينتظرون مصيراً مجهولا في ظل التهديدات الإسرائيلية باجتياح المدينة.

تستضيف رفح الآن أكثر من 1.2 مليون نازح يعيشون ظروفاً صعبة، ويترقّبون في رعب العملية العسكرية التي تعهّد قادة إسرائيل بتنفيذها لاستكمال توغّلاتهم البرية التي طالت أغلب مدن القطاع، وخلّفت خسائر جسيمة.

وفي الوقت الذي يحذّر فيه العالم إسرائيل من هذه الخطوة والمخاطر المترتبة عليها، لم تُظهر تل أبيب أي تراجع.

ماذا نعرف عن "رفح"؟ وما هو حجم المعاناة التي تعرضت لها المدينة الحدودية خلال سنوات الصراع الإسرائيلي الفلسطيني؟

 

رفح التاريخية

بحسب ما أورده الباحث السياسي خضر المشايخ في دراسته "الاجتياح الإسرائيلي لمدينة رفح الفلسطينية" المنشورة 2003، فإن مدينة رفح تقع في أقصى جنوب فلسطين على الحدود مع مصر، وتبعد رفح عن مدينة غزة قرابة 38 كم، ويحدها من الغرب البحر المتوسط، وجنوباً يفصلها 45 كم عن مدينة العريش المصرية، وشمالاً تبعد عن خان يونس بمسافة 13 كم.

تعتبر رفح من المدن التاريخية في فلسطين بعدما أُنشئت منذ 5 آلاف عام؛ أطلق عليها الفراعنة اسم "روبيهوي" والآشوريون اسم "رفيحو" والرومان واليونان لقب "رافيا"، وفي العهد العربي منحت اسم "رفح".

قبل 1948 تمتّعت المدينة بأهمية كبيرة لوقوعها على خط السكك الحديدية الواصل بين القاهرة، وجعلها هذا شرياناً أساسياً لحركة التجارة بين فلسطين وسائر الدول العربية.

كانت رفح شاهدة على الكثير من الحروب. فوفقاً لما ذكره رفعت سيد في كتابه "وثائق حرب فلسطين"، فإن رفح كانت النقطة التي عبَر منها الجيش المصري الحدود، معلنا دخول الحرب يوم 14 مايو 1948، وهو ما فعلته أيضاً القوات السعودية، حسب ما روى صالح الحريري في كتابه "الجيش السعودي في فلسطين".

وفي رفح، أقام المصريون لأنفسهم معسكرات على مساحة 500 فدانٍ تقريباً أحيطت بالأسلاك الشائكة. وبحسب ما أورده الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في مذكراته عن الحرب فإن هذه المعسكرات كانت المركز الرئيس الذي انطلقت منها العمليات المصرية ضد المستوطنات الإسرائيلية القريبة منها.

في أكتوبر 1948، نفّذت إسرائيل عملية مركزة نجحت في قطع خطوط المواصلات بين فلسطين ومصر بعدما نسفت خط السكك الحديدية الذي يصل القاهرة برفح، كما زرعت الألغام على الطريق الذي يربطها بخان يونس.

قصف إسرائيلي على مدينة رفح جنوبي غزة
"كان يفترض أن تكون ملاذنا الآمن".. القصف يطارد نازحي غزة في رفح
رغم أنه من المفترض أن تكون مدينة رفح من الأماكن الآمنة للمدنيين في قطاع غزة، لاسيما بعد أن دعا الجيش الإسرائيلي السكان في المناطق الشمالية، البالغ عددهم نحو 1.1 مليون نسمة، إلى النزوح جنوبا، إلا أنها تعرضت لقصف استهدف العديد من المنازل والبيوت فيها، وفقا للصحفي، رائد لافي، الذي أكد أنه نجا من الموت بأعجوبة "بفضل مكالمة مع قناة الحرة".

نجاح إسرائيل في هذه العملية كان مقدمة للمزيد من الخسائر المصرية دفعت القاهرة لطلب إيقاف الحرب في نوفمبر.

في يناير 1949، بدأت مفاوضات بين الطرفين في جزيرة رودس انتهت بتوقيع اتفاقية رسّخت سيطرة الإسرائيليين على إجمالي مساحة صحراء النقب، وأعلنت سيطرة مصر على الشريط الساحلي الممتد من رفح حتى بيت حانون والذي سيُعرف لاحقاً بِاسم "قطاع غزة"، وفقاً لما أورده دكتور عبدالوهاب بكر في كتابه "الجيش المصري وحرب فلسطين".

بعد اندلاع ثورة يوليو في مصر تبنّى الضباط نهجاً داعماً للقضية الفلسطينية، وفي فبراير 1955، نفّذت تل أبيب هجمة شرسة ضد موقعٍ مصري في رفح أدت لمقتل 39 جندياً، وهو الأمر الذي أظهر للضباط الأحرار مدى ضعف الجيش المصري أمام إسرائيل، ودفعهم لعقد صفقة أسلحة مع تشيكوسلوفاكيا حليفة الاتحاد السوفييتي، وكانت بداية لإفساد علاقتهم بالولايات المتحدة بشكلٍ بلغ أقصى درجاته مع حرب 1967.

على إثر الهزيمة في 1967 انتهت سيطرة مصر على رفح للأبد بعدما خضعت المدينة للاحتلال الإسرائيلي مثلها مثل باقي المدن الفلسطينية التي جرى الاستيلاء عليها بعد الحرب.

بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد واستعادة مصر سيناء جرى تقسيم المدينة إلى جزئين؛ الأول مساحته 4 آلاف دونم تقريباً جرى ضمّها إلى الجانب المصري، والآخر مساحته 55 ألف دونم تقريباً بقيت للجانب الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي.

خلال هذه الفترة لم يتوقف عدد سكان رفح عن الزيادة؛ ففي 1979 بلغ عدد سكانها 90 ألف نسمة وفقاً لكتاب "أسباب كارثة فلسطين" لأمين الحسيني مفتي القدس الراحل، وفي العام الماضي وصل عددهم إلى ما يزيد على 202 ألف نسمة بحسب تقديرات فلسطينية.

في ظِل السيطرة الإسرائيلية على رفح أقيمت على أرضها عدة مستوطنات تقع على مساحة 4800 دونم، هي: بدولح (أسست 1983) وبني عتصمونة (أسست 1979) وموراج (أسست 1982) وبيت سدية (أسست 1989) ورفيح يام (أسست 1984)، حسبما أورد المفكر الإسلامي محمد سليم العوا في كتابه "غزة: المقاومة والممانعة".

وقد جرى إخلاؤها جميعاً بعد إقرار إسرائيل خطة فك الارتباط من جانبٍ واحد في 2005.

 

مصدر دائم للقلق

الوضع الجغرافي المميز لرفح دوناً عن باقي المدن الفلسطينية وامتلاكها حدوداً لا تسيطر عليها إسرائيل جعلها تمثّل صداعاً دائماً لتل أبيب بسبب النظر إليها دائماً بأنها مركز رئيس لتهريب الأسلحة إلى القطاع.

وبعد اشتعال انتفاضة الأقصى 2000م نفّذت إسرائيل عمليات عسكرية متلاحقة داخل رفح أسفرت عن مقتل 250 فلسطينياً، وهدم 1100 منزل كان يسكنها 6247 فرداً.

وفي أكتوبر 2003 نفّذت إسرائيل اجتياحاً داخل رفح هو الأكبر منذ توقيع اتفاقية أوسلو بعدما اقتحمت قرابة 100 دبابة إسرائيلية تساندها المروحيات لتنفيذ عملية عسكرية شملت تمشيط مساحاتٍ كبيرة من المدينة أسفرت عن اكتشاف 30 نفقاً لتهريب الأسلحة من مصر ومصادرة عددٍ غير محدد من صواريخ كاتيوشا و"ساغر" المضادة للدبابات، وكميات أخرى من الصواريخ المضادة للطائرات.

مواضيع ذات صلة:

شمال لبنان يشهد حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين
شمال لبنان يشهد حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين

كان محمود في العاشرة من عمره عندما اضطر إلى الهرب مع والدته من القصف الذي دمر مدينته إدلب، تاركاً وراءه طفولته وذكرياته، ليجدا نفسيهما لاجئين في لبنان، حيث استقر بهما الحال في دكان صغير بمنطقة جبل البداوي شمالي البلاد، وذلك بسبب معاناة والدته من آلام مزمنة في الظهر مما يحول دون إمكانية سكنهما في شقة تتطلب صعود الأدراج.

يكافح محمود لتأمين الإيجار وتوفير الأدوية والطعام لوالدته، حيث عمل ولا يزال في محل لبيع ألعاب الأطفال براتب شهري لا يتجاوز 300 دولار، بينما يدفع كما يقول لموقع "الحرة" 100 دولار كإيجار للدكان الذي يسكنان فيه، إلى جانب 50 دولارا أخرى لتغطية فاتورة المياه والخدمات الأساسية.

في مايو الماضي، واجه ابن الـ 22 عاما صدمة كبيرة عندما أبلغته البلدية بضرورة إخلاء الدكان بناءً على قرار محافظ الشمال، رمزي نهرا، القاضي بترحيل كل لاجئ لا يمتلك أوراقا قانونية. وبعد عدة أيام من تلقيه الإنذار، لم يكن أمام محمود خيار سوى الانتقال مع والدته إلى منزل شقيقته مؤقتا.

ويشهد شمال لبنان حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين، وذلك بناءً على سلسلة قرارات يصدرها محافظ الشمال، نهرا، الذي دعا "المخالفين السوريين إلى مغادرة البلاد بالحسنى"، محذرا من "ترحيلهم بالقوة إذا اقتضى الأمر".

جاء تصريح نهرا خلال اجتماع ترأسه في سرايا طرابلس، في مايو الماضي، بحضور نواب الكورة ورؤساء البلديات، حيث أعلن عن إطلاق حملة "إزالة الوجود السوري غير الشرعي" من جميع أقضية الشمال، بمشاركة البلديات واتحاد البلديات وبمؤازرة الأجهزة الأمنية.

ومؤخرا أصدر نهرا سلسلة قرارات جديدة تضاف إلى حملة إخلاء اللاجئين السوريين من مناطق شمال لبنان. ففي 12 من الشهر الحالي، أمر بإخلاء بلدتي مرياطة والقادرية-كفرزينا خلال 15 يوما، وبلدة عرجس في قضاء زغرتا خلال أسبوع. كما أصدر، في 6 أغسطس، قرارا بإخلاء السوريين غير الشرعيين من بلدات برسا وكفرعقا وبصرما في قضاء الكورة.

كما شملت قرارات الإخلاء في أغسطس الحالي، بلدات فرصغاب وكفرحبو وكفرحلدا ودير بللا وكفور العربي ودوما وحردين وبشعلة ومحمرش ونيحا وراشانا وراشكيدا وكفرحاتا.

وقد حددت هذه القرارات مهلة زمنية للسوريين العاملين والساكنين لمغادرة المناطق المستهدفة، مع التهديد بتنفيذ عمليات إخلاء قسرية في حال عدم امتثالهم، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين، بما في ذلك إقفال المساكن المخالفة بالشمع الأحمر.

"أين المفر؟"

حاول محمود الهرب من الواقع المرير عبر البحر إلى أوروبا، عن طريق المراكب غير الشرعية، ولكن كل محاولاته باءت بالفشل، ويشرح "غرقت في البحر، اعتقلت، ورحلت إلى الحدود السورية، ومع ذلك، لم أستسلم، وحاولت مرة أخرى، لكن الحظ لم يحالفني حيث أوقف الأمن اللبناني المركب قبل انطلاقه".

ويشير محمود إلى أن "السلطات اللبنانية لا ترغب في وجودنا هنا، ولذلك تعرقل عملية تجديد إقاماتنا. لكن ما يثير الحيرة هو أنها في الوقت ذاته تحاصرنا من البحر، مانعة إيانا من مغادرة هذا البلد".

اليوم، يعيش محمود في حالة من اليأس العميق، حيث يشعر بأنه محاصر في دوامة من المشاكل، فهو غير قادر على العودة إلى سوريا بسبب الأوضاع الأمنية وكونه مطلوبا للخدمة العسكرية، وفي الوقت ذاته يجد صعوبة في البقاء في لبنان نظرا للظروف الصعبة والمضايقات التي يتعرض لها اللاجئون.

ويعبر عن حزنه قائلا: "أشعر أنني أعيش في جحيم، حيث الإنسانية مفقودة. لا أملك حتى سقفا يؤويني أنا ووالدتي. كل ما أتمناه هو أن أجد مكانا آمناً نعيش فيه".

وكما محمود، يعيش هادي كابوس الإخلاء والترحيل. هو الذي فرّ من جحيم الحرب في سوريا، عام 2013، تاركاً خلفه كل ما يحب، آملًا في بناء حياة جديدة.

استقر في أحد أزقة طرابلس شمال لبنان، حيث عمل في كل الفرص التي أتيحت له، متحملا مشاق الحياة لتأمين لقمة العيش لأولاده الثلاثة.

رغم الصعوبات، رأى هادي في لبنان ملاذا آمناً ومكاناً يمكن لأطفاله أن يكبروا فيه بعيداً عن القذائف والصواريخ، لكن هذا الأمل بدأ يتلاشى ويتحوّل إلى كابوس، مع صدور قرارات نهرا، "التي تنبع من خلفية سياسية وحزبية وعنصرية تجاه اللاجئين"، كما يقول.

"أين المفر؟" يسأل هادي نفسه يوميا، بينما الخوف يرتسم على وجوه أولاده واليأس يسيطر على قلوبهم. ويقول لموقع "الحرة": "لا أستطيع العودة إلى سوريا كوني من المطلوبين لنظام بشار الأسد، أشعر بأني مكبّل، يوما بعد يوم، يتفاقم شعوري بالعجز، فإلى متى سيستمر هذا العذاب".

مصير محمود وهادي وعائلته، كحال آلاف اللاجئين السوريين في شمال لبنان، أصبح معلقا على قرارات المحافظ نهرا، فهم يعيشون في حالة من المجهول، وأملهم الوحيد اكمال ما تبقى لهم من عمر في أمان واستقرار.

وكان نهرا قد طلب من بلدية طرابلس، في 29 مايو، البدء بعملية مسح شاملة للسوريين المقيمين في نطاق البلدية، مشددا على ضرورة تنفيذ قرار مجلس الوزراء وتعاميم وزير الداخلية والبلديات المتعلقة بالوجود السوري غير الشرعي.

واتهم نهرا بلدية طرابلس بالتراخي في تنفيذ الإجراءات المطلوبة، مما أدى إلى تفاقم التحديات الأمنية والاقتصادية في المدينة.

من جهته، رد رئيس بلدية طرابلس، رياض يمق، على هذه الانتقادات بالتأكيد أن المجلس البلدي يبذل جهودا كبيرة للتعامل مع أزمة اللجوء السوري، مطالبا بدعم إضافي للبلدية في مواجهة هذه الأزمة، ومعبرا عن استعداد المجلس للتعاون الكامل مع جميع الجهات المعنية رغم الصعوبات القائمة.

الآلاف في دائرة الخطر

سبق أن أكد نهرا أنه لن يهدأ حتى "عودة كل السوريين إلى وطنهم"، مشددا على "تطبيق القوانين، باستثناء الأشخاص المضطهدين من قبل النظام السوري، والذين يقدر عددهم بنحو 20 في المئة من المتواجدين على الأراضي اللبنانية".

وأضاف نهرا خلال لقاء موسع في بلدة بشمزين بالكورة أن "الاعتقاد بأن النظام السوري أو المنظمات الدولية سيساهمون في عودة اللاجئين هو اعتقاد خاطئ"، مؤكدا أن هذه الحملة ستستمر حتى تحقيق الهدف المنشود.

تشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى "زيادة في خطر الطرد الجماعي للاجئين السوريين في لبنان"، وذلك بالتزامن مع تصاعد الإجراءات الإدارية التي تستهدف سوريين في مختلف أنحاء البلاد.

وفي حديث مع موقع "الحرة"، أوضحت المفوضية أن "الربع الأول من عام 2024، شهد تبني العديد من البلديات اللبنانية سياسات تقييدية صارمة ضد اللاجئين السوريين. وتم تسجيل أكثر من 100 إجراء إداري جديد على سوريين تضمنت فرض قيود على الحركة، وتنفيذ مداهمات، وفرض ضرائب جديدة، وإقامة نقاط تفتيش، إضافة إلى قيود مشددة على الإيجار وإصدار هويات بلدية".

كما رصدت المفوضية "138 حادثة طرد جماعي بين شهري يناير ويوليو 2024، حيث يتم تعريف 'الطرد الجماعي' على أنه تلك الحالات التي تؤثر فيها عمليات الطرد أو التهديد بالطرد على خمس أسر أو أكثر، كما صدر 91 إشعارا بالإخلاء خلال هذه الفترة، مما أثر على حوالي 22917 شخصا، غالبيتهم في مناطق الشمال والبقاع، كذلك تم تنفيذ 53 عملية إخلاء فعليا، ما أدى إلى تهجير 4,473 شخصا، مع ملاحظة زيادة في عدد هذه العمليات خلال الفترة ما بين أبريل ويونيو".

وتتابع المفوضية عن كثب أوضاع اللاجئين المهددين بالطرد أو المتضررين منه، لتقييم احتياجاتهم العاجلة وتقديم الدعم اللازم بالتعاون مع شركائها، وتشدد على "جهودها المستمرة للتخفيف من تأثير هذه الإجراءات على اللاجئين، وتأمين الدعم لهم بحسب احتياجاتهم".

وفي الوقت ذاته، تعي المفوضية التحديات التي يواجهها لبنان نتيجة استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين، "خاصة في ظل الأزمة المتعددة الأبعاد التي يعاني منها البلد"، مشيرة إلى أنها تبذل كل ما في وسعها للمساهمة في إيجاد حلول مستدامة لهم خارج لبنان.

وفي الفترة من 1 يناير حتى 14 يوليو عام 2024، وثّق مرصد السكن 148 بلاغا، 61 في المئة منها تتعلق بسوريين، خاصة بعد مقتل باسكال سليمان، منسّق حزب "القوات اللبنانية" في جبيل، في 7 أبريل.

بعد هذا الحادث، "أصدرت سلطات محلية تعاميم تمييزية ضد السوريين"، كما يشير مرصد السكن الذي شهد بحسب تقريره الصادر في 31 يوليو الماضي، ارتفاعا ملحوظاً في عدد بلاغات الإخلاء والتهديد بالإخلاء التي تلقاها من اللاجئين السوريين خلال الأشهر الثلاثة التي تلت 7 أبريل، حيث قفز العدد من 13 بلاغا في الأشهر الثلاثة السابقة إلى 74 بلاغا بعدها.

ويلفت التقرير إلى أن 67 في المئة من إنذارات الإخلاء ترافقت مع ممارسات تعسفية قاسية ضد السوريين، إلى جانب الانتهاكات التي اعتاد المرصد رصدها قبل صدور تعاميم السلطات المحلية، "تضمنت بعض الحالات مصادرة أوراق ثبوتية، كما رفض بعض المالكين تجديد عقود الإيجار لمنع السكان من تسوية أوضاعهم القانونية".

ومن بين هذه الممارسات، برزت حالات "تعسف" من قبل البلديات لاسيما بلديات الشمال "حيث أقدمت بلدية زغرتا على إغلاق البيوت والمباني بالشمع الأحمر، وفي بلدية البترون، تم إغلاق أحد المباني على السكان باستخدام الخشب والجنازير، تلاها عملية إخلاء قسري تخللها تكسير للأثاث والأبواب"، وفق التقرير.

أما في بلدة بطرّام، فقد أوقفت البلدية عددا من السوريين، وأجبرتهم على الوقوف إلى جانب الجدار تحت تهديد السلاح، مما أرعبهم ودفعهم إلى إخلاء المكان بسرعة".

عنصرية وانتهاكات قانونية

الإجراءات التي يتخذها نهرا بحق اللاجئين السوريين "غير قانونية وتجسد عنصرية واضحة"، كما يصف المدافع عن حقوق الإنسان، المحامي محمد صبلوح، محذرا من خطورة هذه الإجراءات وتداعياتها الإنسانية والقانونية.

صبلوح يعرب في حديث لموقع "الحرة" عن قلقه من عمليات طرد اللاجئين من مخيماتهم في مناطق البترون والكورة، وجمعهم في منطقة واحدة، مشيرا إلى وجود "مخطط خبيث" يستهدفهم.

ويلفت صبلوح إلى أن العديد من اللاجئين يستأجرون المنازل والمحلات بشكل قانوني، ويدفعون الإيجارات مقدما، إلا أنهم يتعرضون للطرد التعسفي وتشميع ممتلكاتهم دون أي إجراءات قانونية.

ويشرح أنه "في الحالات القانونية العادية، يستغرق إصدار حكم قضائي بإخلاء المسكن نحو أربع سنوات، بينما يتم تشميع منازل ومحلات اللاجئين السوريين دون اتباع إجراءات قانونية، وهو ما يعد انتهاكا صارخا للقوانين والاتفاقيات الدولية وأبسط حقوق الإنسان".

ويشير إلى أن "بعض البلديات في الشمال تتبع نهجا عنصريا في التعامل مع اللاجئين، مما يؤدي إلى تصعيد التوتر ودفعهم إلى اللجوء إلى طرق غير شرعية للهجرة، أو الانخراط في أعمال غير قانونية".

ويخلص صبلوح إلى أن "هذه الإجراءات تثبت أن الحكومة اللبنانية تمارس سياسة عنصرية ممنهجة ضد اللاجئين السوريين"، داعيا إلى التدخل العاجل من قبل المنظمات الحقوقية والإنسانية لوقف هذه الانتهاكات وحماية حقوق اللاجئين، ومشددا على وجود طرق بديلة لمعالجة قضيتهم، بعيدا عن التمييز والطرد القسري.

كذلك تؤكد الناشطة الحقوقية، المحامية ديالا شحادة، أن الحملات التي يقوم بها نهرا لترحيل اللاجئين السوريين من شمال لبنان "غير قانونية، واصفة اياها بأنها "اغتصاب للسلطة الإدارية التي تعود حصرا للمديرية العامة للأمن العام".

وتوضح شحادة في حديث لموقع "الحرة" أن "هذه الحملات ذات خلفية سياسية، مبنية على سياسة أعلنتها الحكومة دون أن تدرس مدى قانونيتها على الصعيدين الوطني والدولي".

وتضيف شحادة "هذه الإجراءات لن تسهم في حل مشكلة اللاجئين"، وأن الذين يتم ترحيلهم غالبا ما يعودون إلى لبنان خلسة هربا من الجحيم الإنساني والأمني في مناطقهم بسوريا، داعية لأهمية التوصل إلى حل سياسي "يتحمل فيه النظام السوري والمجتمع الدولي الدور الأكبر فيه".

فيدرالية مقنّعة؟

وأعرب نائب الشمال، إيهاب مطر، عن استيائه البالغ إزاء بعض المواقف والقرارات التي وصفها بأنها "ملفتة بالمعنى السلبي" ومثيرة للريبة في توقيتها، مشيرا إلى أن الهدف من هذه القرارات هو تمريرها دون معارضة تذكر.

وفي بيان أصدره، في السابع من أغسطس، انتقد مطر تعميما صادرا عن المحافظ نهرا، تضمن ثلاثة قرارات تقضي بإخلاء السوريين غير الشرعيين من ثلاث بلدات في قضاء الكورة، حيث وصف هذه القرارات بأنها "غريبة وعجيبة"، مشيرا إلى أنها تعكس "ملامح المناطقية والطائفية والعنصرية وسوء الإدارة والتفرد"، مؤكدا افتقارها إلى النظرة الوطنية الشاملة.

وانتقد مطر ما أسماه "الفيدرالية المقنّعة" في التعامل مع هذا الملف، معربا عن رفضه للقرارات المتفرقة التي تهدف إلى ترحيل اللاجئين من مناطق لبنانية معينة ودفعهم للتجمع في مناطق أخرى، واصفا هذه الإجراءات بأنها تنبع من "سياق عنصري مذهبي" من شأنه مفاقمة الأزمة بدلا من حلها.

ودعا مطر رئيس الوزراء اللبناني، نجيب ميقاتي، ووزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال، بسام مولوي، إلى التدخل ومراجعة هذه القرارات، محذرا من أن "الشيطان يكمن في تفاصيلها وأهدافها"، ومؤكدا أنه "لا يمكن تمريرها".

كما أعرب عن دعمه لضرورة وضع خطة شاملة للتعامل مع ملف اللجوء السوري، تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاجتماعية والإنسانية، إلى جانب الاعتبارات السياسية والأمنية.

وفي اتصال أجراه موقع "الحرة" مع المحافظ نهرا، نفى أن تكون التعاميم التي يصدرها ذات خلفيات سياسية، حزبية، طائفية، أو تشكل نوعاً من الفيدرالية المقنعة، مؤكداً أن "هذه التعاميم تأتي في إطار تطبيق قرارات الحكومة اللبنانية ووزارة الداخلية والبلديات المتعلقة بتنظيم وجود السوريين في البلاد".

ويشير نهرا إلى أن "البلديات، بصفتها سلطة محلية، تتحمل مسؤولية تنظيم الوجود السوري ضمن نطاقها الجغرافي، وهي تطلب مني مؤازرة أمنية لتنفيذ هذه المهام، وأنا أوافق على تقديم الدعم اللازم لتحقيق ذلك".

وسبق أن أكد مركز "وصول" لحقوق الانسان، أن سوريا لم تبلغ حالة من الأمان المناسب لعودة اللاجئين السوريين إلى مناطقهم الأصلية، "حيث انهار الاقتصاد جراء النزاع القائم في البلاد، وتدمرت العديد من البنى التحتية والمرافق العامة والأبنية السكنية، من دون أي ملامح واضحة حول توقيت إعمارها بتنسيق دولي".

ونتيجة لذلك، يعيش أكثر من 80 في المئة من السكان في سوريا تحت فقر مدقع، بحسب "وصول" فضلا عن "استمرار الأعمال العدائية في بعض المناطق، والاعتقالات التعسفية من قبل مختلف أطراف النزاع، على رأسهم الحكومة السورية، حيث يتهم ضباط المخابرات السورية اللاجئين العائدين إلى بلادهم بعدم الولاء أو مشاركتهم بأعمال إرهابية أو إجبارهم على تأدية الخدمة العسكرية الإلزامية، وهذا استهداف واضح بسبب قرارهم بالفرار من سوريا خوفا على حياتهم من النزاع المسلح".