تستضيف رفح أكثر من 1.2 مليون نازح يعيشون ظروفاً صعبة.

نزح الآلاف من سكان قطاع غزة باتجاه الجنوب هرباً من الهجمات الإسرائيلية المتواصلة منذ أكتوبر الماضي. النازحون تكدسوا في مدينة رفح على الشريط الحدودي الفاصل بين القطاع وشبه جزيرة سيناء المصرية، ينتظرون مصيراً مجهولا في ظل التهديدات الإسرائيلية باجتياح المدينة.

تستضيف رفح الآن أكثر من 1.2 مليون نازح يعيشون ظروفاً صعبة، ويترقّبون في رعب العملية العسكرية التي تعهّد قادة إسرائيل بتنفيذها لاستكمال توغّلاتهم البرية التي طالت أغلب مدن القطاع، وخلّفت خسائر جسيمة.

وفي الوقت الذي يحذّر فيه العالم إسرائيل من هذه الخطوة والمخاطر المترتبة عليها، لم تُظهر تل أبيب أي تراجع.

ماذا نعرف عن "رفح"؟ وما هو حجم المعاناة التي تعرضت لها المدينة الحدودية خلال سنوات الصراع الإسرائيلي الفلسطيني؟

 

رفح التاريخية

بحسب ما أورده الباحث السياسي خضر المشايخ في دراسته "الاجتياح الإسرائيلي لمدينة رفح الفلسطينية" المنشورة 2003، فإن مدينة رفح تقع في أقصى جنوب فلسطين على الحدود مع مصر، وتبعد رفح عن مدينة غزة قرابة 38 كم، ويحدها من الغرب البحر المتوسط، وجنوباً يفصلها 45 كم عن مدينة العريش المصرية، وشمالاً تبعد عن خان يونس بمسافة 13 كم.

تعتبر رفح من المدن التاريخية في فلسطين بعدما أُنشئت منذ 5 آلاف عام؛ أطلق عليها الفراعنة اسم "روبيهوي" والآشوريون اسم "رفيحو" والرومان واليونان لقب "رافيا"، وفي العهد العربي منحت اسم "رفح".

قبل 1948 تمتّعت المدينة بأهمية كبيرة لوقوعها على خط السكك الحديدية الواصل بين القاهرة، وجعلها هذا شرياناً أساسياً لحركة التجارة بين فلسطين وسائر الدول العربية.

كانت رفح شاهدة على الكثير من الحروب. فوفقاً لما ذكره رفعت سيد في كتابه "وثائق حرب فلسطين"، فإن رفح كانت النقطة التي عبَر منها الجيش المصري الحدود، معلنا دخول الحرب يوم 14 مايو 1948، وهو ما فعلته أيضاً القوات السعودية، حسب ما روى صالح الحريري في كتابه "الجيش السعودي في فلسطين".

وفي رفح، أقام المصريون لأنفسهم معسكرات على مساحة 500 فدانٍ تقريباً أحيطت بالأسلاك الشائكة. وبحسب ما أورده الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في مذكراته عن الحرب فإن هذه المعسكرات كانت المركز الرئيس الذي انطلقت منها العمليات المصرية ضد المستوطنات الإسرائيلية القريبة منها.

في أكتوبر 1948، نفّذت إسرائيل عملية مركزة نجحت في قطع خطوط المواصلات بين فلسطين ومصر بعدما نسفت خط السكك الحديدية الذي يصل القاهرة برفح، كما زرعت الألغام على الطريق الذي يربطها بخان يونس.

قصف إسرائيلي على مدينة رفح جنوبي غزة
"كان يفترض أن تكون ملاذنا الآمن".. القصف يطارد نازحي غزة في رفح
رغم أنه من المفترض أن تكون مدينة رفح من الأماكن الآمنة للمدنيين في قطاع غزة، لاسيما بعد أن دعا الجيش الإسرائيلي السكان في المناطق الشمالية، البالغ عددهم نحو 1.1 مليون نسمة، إلى النزوح جنوبا، إلا أنها تعرضت لقصف استهدف العديد من المنازل والبيوت فيها، وفقا للصحفي، رائد لافي، الذي أكد أنه نجا من الموت بأعجوبة "بفضل مكالمة مع قناة الحرة".

نجاح إسرائيل في هذه العملية كان مقدمة للمزيد من الخسائر المصرية دفعت القاهرة لطلب إيقاف الحرب في نوفمبر.

في يناير 1949، بدأت مفاوضات بين الطرفين في جزيرة رودس انتهت بتوقيع اتفاقية رسّخت سيطرة الإسرائيليين على إجمالي مساحة صحراء النقب، وأعلنت سيطرة مصر على الشريط الساحلي الممتد من رفح حتى بيت حانون والذي سيُعرف لاحقاً بِاسم "قطاع غزة"، وفقاً لما أورده دكتور عبدالوهاب بكر في كتابه "الجيش المصري وحرب فلسطين".

بعد اندلاع ثورة يوليو في مصر تبنّى الضباط نهجاً داعماً للقضية الفلسطينية، وفي فبراير 1955، نفّذت تل أبيب هجمة شرسة ضد موقعٍ مصري في رفح أدت لمقتل 39 جندياً، وهو الأمر الذي أظهر للضباط الأحرار مدى ضعف الجيش المصري أمام إسرائيل، ودفعهم لعقد صفقة أسلحة مع تشيكوسلوفاكيا حليفة الاتحاد السوفييتي، وكانت بداية لإفساد علاقتهم بالولايات المتحدة بشكلٍ بلغ أقصى درجاته مع حرب 1967.

على إثر الهزيمة في 1967 انتهت سيطرة مصر على رفح للأبد بعدما خضعت المدينة للاحتلال الإسرائيلي مثلها مثل باقي المدن الفلسطينية التي جرى الاستيلاء عليها بعد الحرب.

بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد واستعادة مصر سيناء جرى تقسيم المدينة إلى جزئين؛ الأول مساحته 4 آلاف دونم تقريباً جرى ضمّها إلى الجانب المصري، والآخر مساحته 55 ألف دونم تقريباً بقيت للجانب الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي.

خلال هذه الفترة لم يتوقف عدد سكان رفح عن الزيادة؛ ففي 1979 بلغ عدد سكانها 90 ألف نسمة وفقاً لكتاب "أسباب كارثة فلسطين" لأمين الحسيني مفتي القدس الراحل، وفي العام الماضي وصل عددهم إلى ما يزيد على 202 ألف نسمة بحسب تقديرات فلسطينية.

في ظِل السيطرة الإسرائيلية على رفح أقيمت على أرضها عدة مستوطنات تقع على مساحة 4800 دونم، هي: بدولح (أسست 1983) وبني عتصمونة (أسست 1979) وموراج (أسست 1982) وبيت سدية (أسست 1989) ورفيح يام (أسست 1984)، حسبما أورد المفكر الإسلامي محمد سليم العوا في كتابه "غزة: المقاومة والممانعة".

وقد جرى إخلاؤها جميعاً بعد إقرار إسرائيل خطة فك الارتباط من جانبٍ واحد في 2005.

 

مصدر دائم للقلق

الوضع الجغرافي المميز لرفح دوناً عن باقي المدن الفلسطينية وامتلاكها حدوداً لا تسيطر عليها إسرائيل جعلها تمثّل صداعاً دائماً لتل أبيب بسبب النظر إليها دائماً بأنها مركز رئيس لتهريب الأسلحة إلى القطاع.

وبعد اشتعال انتفاضة الأقصى 2000م نفّذت إسرائيل عمليات عسكرية متلاحقة داخل رفح أسفرت عن مقتل 250 فلسطينياً، وهدم 1100 منزل كان يسكنها 6247 فرداً.

وفي أكتوبر 2003 نفّذت إسرائيل اجتياحاً داخل رفح هو الأكبر منذ توقيع اتفاقية أوسلو بعدما اقتحمت قرابة 100 دبابة إسرائيلية تساندها المروحيات لتنفيذ عملية عسكرية شملت تمشيط مساحاتٍ كبيرة من المدينة أسفرت عن اكتشاف 30 نفقاً لتهريب الأسلحة من مصر ومصادرة عددٍ غير محدد من صواريخ كاتيوشا و"ساغر" المضادة للدبابات، وكميات أخرى من الصواريخ المضادة للطائرات.

مواضيع ذات صلة:

Displaced Palestinians make their way as they flee Hamad City following an Israeli evacuation order, in Khan Younis in the southern Gaza Strip
صورة تعبيرية لنازحين فلسطينيين في قطاع غزة بعد الاستجابة لأوامر إخلاء من الجيش الإسرائيلي بمدينة حمد

قالت صحيفة "وول ستريت جورنال" إن هناك "عقبة أساسية" تواجه الآمال الأميركية بوقف إطلاق النار بقطاع غزة من شأنها أن تساعد في تهدئة التوترات الإقليمية.

وأشار التقرير بأصابع الاتهام إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتانياهو، وزعيم حركة حماس (المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى حول العالم) بغزة، يحيى السنوار، موضحا أنهما يحبطان الوسطاء والأشخاص في معسكريهما لوقف إطلاق النار.

وبحسب الصحيفة، فإن الجميع يتفق على أن الوقت حان لإيقاف القتال باستثناء الشخصين اللذين سيطران إلى التوقيع على الاتفاق المحتمل.

وقال مايكل ملشتاين، الذي عمل كرئيس سابق للشؤون الفلسطينية بالاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، "لا أعتقد أنه يمكن سد الفجوة الهائلة بين الرجلين. ولسوء الحظ، هما رقم واحد حينما نتحدث عن صناعة القرار في الجانبين".

والخميس، اختتم اليوم الأول من المفاوضات بشكل "بناء" بالعاصمة القطرية الدوحة، وشهد نقاشات حول جميع النقاط العالقة وآليات تنفيذ الاتفاق، وفق مصادر أميركية ومصرية، على أن تستأنف المناقشات، الجمعة، بحسب وكالات أنباء عالمية.

 

مشاركة إسرائيلية وغياب لحماس

وأكد مصدر رفيع المستوى لوسائل إعلام مصرية، إن اليوم الأول شهد نقاشات حول جميع النقاط العالقة وآليات تنفيذ الاتفاق، وإنه سيتم خلال مباحثات اليوم الثاني للمحادثات استكمال المناقشات حول آليات تنفيذ الاتفاق.   

وأضاف المصدر المصري أن مناقشات اليوم الأول امتدت لأكثر من 7 ساعات أبدى خلالها جميع الأطراف رغبة حقيقية في التوصل لاتفاق.

ونقلت "القاهرة الإخبارية" عن مصدر وصفته بـ "رفيع المستوى" قوله إن الوفد الأمني المصري أكد خلال المباحثات حرص مصر على سرعة التوصل لاتفاق لوقف الحرب الجارية بالقطاع والإفراج عن الأسرى والمحتجزين.

وتأمل إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، أن يمنح الاتفاق إيران والمجموعات المسلحة المتحالفة معها مثل حزب الله، سببا للتراجع عن تهديدها بالرد على إسرائيل في أعقاب مقتل قائد حماس السابق، إسماعيل هنية، في طهران والقيادي بحزب الله، فؤاد شكر.

وفي وقت تتهم فيه إيران بقتل هنية في طهران، لم تؤكد إسرائيل أو تنفي ضلوعها في هذا الأمر، لكن الجيش الإسرائيلي أكد استهداف شكر في بيروت، فيما توعد حزب الله بالرد.

ويشارك في الجولة الحالية من المفاوضات مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي ايه"، وليام بيرنز، إضافة إلى رئيسي جهازي الاستخبارات الخارجية (الموساد) والداخلية (الشاباك) الإسرائيليين.

ولا تشارك حماس في هذه المفاوضات، لكن القيادي بالحركة، أسامة حمدان، قال لوكالة فرانس برس مساء الخميس إن حماس أبلغت الوسطاء في الدوحة بموقفها.

وقال عضو المكتب السياسي لحماس حسام بدران في تصريحات عقب استئناف التفاوض في الدوحة إن "أي اتفاق يجب أن يحقق وقف إطلاق نار شاملا وانسحابا كاملا من غزة وإعادة النازحين".

 

غضب مصري

وقال مسؤولون ومفاوضون في معسكري الجانبين إن نتانياهو والسنوار قاوما لأشهر التوصل لاتفاق، رغم تزايد الضغوط الرامية إلى إنهاء الحرب التي تهدد باندلاع صراع إقليمي.

وبلغ التوتر أوجّه خلال الجولة الأخيرة من المحادثات خلال يوليو الماضي لدرجة أن رئيس المخابرات العامة المصرية، عباس كامل، فقد أعصابه، حينما طرح فريق التفاوص الإسرائيلي مطالب جديدة لنتانياهو، يسعى فيها لتأمين ممرات استراتيجية في غزة.

وقال كامل بغضب لفريقه إن نتانياهو يهدر وقته، وفقا لما قالته مصادر مطلعه لصحيفة "وول ستريت جورنال".

ولا تزال هناك "نقاط شائكة" تعرقل التوصل لاتفاق من بينها ما إذا كان أي وقف للقتال سيكون مؤقتا أم دائما، وكيفية تأمين الحدود بين غزة ومصر، وقدرة إسرائيل على فحص الفلسطينيين العائدين إلى شمال غزة وأي السجناء الفلسطينيين سيتم الموافقة على إطلاق سراحهم.

وبدأت الحرب إثر هجوم نفّذته حركة حماس في السابع من أكتوبر على إسرائيل وأسفر عن مقتل 1198 شخصا، معظمهم مدنيون وبينهم نساء وأطفال، وفقا لحصيلة أعدتها وكالة فرانس برس استنادا إلى أرقام إسرائيلية رسمية.

وخُطف خلال الهجوم 251 شخصا، لا يزال 111 منهم محتجزين في غزة، بمن فيهم 39 يقول الجيش إنهم لقوا حتفهم.

وأسفرت الغارات والقصف والعمليات البرية الإسرائيلية في قطاع غزة عن مقتل 40005 أشخاص، وفق آخر حصيلة لوزارة الصحة التابعة لحماس.

 

اتهامات

ويواجه نتانياهو منذ شهور اتهامات من الوسطاء ومن مفاوضيه بأنه أحبط الجهود الرامية للتوصل إلى اتفاق من خلال تقديم مطالب جديدة، وتسريب التفاصيل إلى وسائل الإعلام وتقييد مساحة فريقه للتفاوض. بل إن أعضاء فريقه فكروا في الاستقالة، وفقا لما ذكره وسطاء عرب ومفاوض سابق لـ "وول ستريت جورنال".

وقال مفاوض سابق في إشارة إلى نتانياهو: "كان شعورنا طوال الوقت أنه كان معارضا لنا. وأنا على يقين تام من أن فرص التوصل إلى اتفاق ستكون أعلى لو كان (نتانياهو) غير متواجد".

ونفى نتانياهو في وقت سابق الاتهامات بعرقلة المحادثات.

في الناحية المقابلة وفي رسالة نقلت إلى الوسطاء العرب، مساء الاثنين، وفق الصحيفة الأميركية، قال السنوار إنه إذا كانت إسرائيل جادة بشأن المفاوضات وتريد مشاركة حماس، فيجب عليها أولا وقف عملياتها العسكرية في غزة، وهو أمر من غير المرجح أن توافق عليه إسرائيل.

ويعتقد السنوار أن الجولة الأخيرة من المحادثات هي "خدعة"، مما يمنح إسرائيل وقتا إضافيا لشن حملتها العسكرية، وفق وسطاء عرب.