شهد الأسبوع الماضي أعمال عنف اعتُبرت "الأكبر خلال العشر سنوات الفائتة" في تركيا، بعد اتهام شاب سوري بالتحرش بطفلة عمرها خمسة أعوام في مدينة قيصري وسط تركيا، حيث تم الاعتداء جسدياً على سوريين وتكسير محال ومركبات خاصة بهم.
وأعلنت وزارة الداخلية التركية اعتقال 67 شخصاً شاركوا في الاعتداءات، مشيرةً إلى وجود 343 ألف منشور تحريضي ضد اللاجئين السوريين، 37% منها وهمية. وتبنت هذه المنشورات الخطاب التحريضي على مواقع التواصل الاجتماعي.
كما أعلن وزير الداخلية التركي علي ييرلي كايا، القبض على 474 شخصاً متهماً بالمشاركة في أعمال التخريب التي استهدفت ممتلكات السوريين، بينهم 285 من أصحاب السوابق في جرائم تهريب البشر وتعاطي المخدرات والنهب والسرقة والإضرار بالمال العام.
وامتدت أعمال العنف في اليوم التالي إلى مدن أخرى، وتضمنت مظاهرات ضد تواجد السوريين في مدينة هاتاي، وتكسير محال لهم، وكذلك الاعتداء على شاب سوري بالضرب في مدينة أضنة، والاعتداء على آخر بالطعن بالسكين في مدينة غازي عنتاب بعد اعتراضه من قِبل مجموعة أتراك علموا أنه سوري الجنسية.
ويوم أمس الثلاثاء، شهدت مدينة أنطاليا الساحلية أعمال تخريب لممتلكات السوريين فيها، ما أدى لإغلاق تام لمحال السوريين فيها وداخل مدن أخرى مثل غازي عنتاب، بسبب تداول معلومات حول توسيع الهجمات.
وانتشر مقطع فيديو لرجل تركي يحمل سكينا ويهدد رجال أعمال سعوديين متواجدين في مدينة إسطنبول، مما أثار جدلا واسعاً بين العرب على منصات التواصل، قبل أن تعلن السلطات التركية اعتقاله.
أدان الرئيس رجب طيب أردوغان موجة العنف هذه، مصرّحاً "بغض النظر عن هوياتهم (المعتدِين)، فإن إضرام النيران في الشوارع وفي المنازل أمر غير مقبول".
وتندلع أحداث مشابهة بين حين وآخر في تركيا، خصوصاً بسبب العنصرية المتنامية بين الأتراك تجاه السوريين، بالإضافة إلى سياسات الترحيل والتشديد على وجود اللاجئين وتنقلهم بين الولايات التركية.
وفي الانتخابات الرئاسية والبلدية الأخيرة التي شهدتها البلاد، تم استخدام ورقة السوريين من قبل الأحزاب اليمينية والمعارضة لسياسات أردوغان.
اللجوء السوري في تركيا
شهدت تركيا خلال أعوام الحرب السورية نتيجة تواجد اللاجئين الكبير فيها، تصاعدا واضحا في خطاب الكراهية والتمييز العنصري تجاه اللاجئين، وبالأخص السوريين منهم.
ومع بداية قدوم اللاجئين السوريين إلى تركيا منذ عام 2012، كان مرحباً بهم بشكل كبير وتُقدّم لهم تسهيلات كبيرة في الإقامة والعمل والدراسة والمساعدات، سواء من الحكومة التركية أو من المواطنين الأتراك المتعاطفين معهم.
ارتفقت أعداد السوريين بشكل كبير بعد عام 2015، على أثر توقيع اتفاقية تركيا مع الاتحاد الأوربي للحد من أعداد اللاجئين، بالإضافة لقدوم السوريين بشكل كبير من بلدان أخرى مثل مصر ولبنان والأردن، نظراً للتسهيلات الموجودة فيها من جهة، ومن جهة أخرى لسوء الأوضاع المعيشية والأجواء السياسية في تلك البلدان.
تجاوز العدد ثلاثة ملايين ونصف المليون سوري في عموم تركيا، مما جعل تركيا الدولة الأكبر حول العالم في استضافة اللاجئين السوريين. عدد كبير منهم مسجلون كلاجئين في تركيا، وعدد قليل مسجلون تحت بند الإقامة السياحية، بالإضافة لأعداد أخرى من غير المسجلين لهم وضع غير قانوني لا يسمح لهم بالتحرك حتى داخل المدينة التي يعيشون فيها، بسبب دخولهم إلى تركيا بطرق غير قانونية.
ومع ارتفاع العدد وظهور تأثيرهم في تركيا، ارتفعت الأصوات المعارضة لوجودهم من بعض الأحزاب المعارضة بالإضافة لبعض العنصريين الذين يرفضون الوجود السوري، ويرفضون الوجود الأجنبي داخل تركيا بشكل عام، تزامناً مع الضغوط الاقتصادية في تركيا، التي لعبت دورا محوريا في تصاعد خطاب الكراهية، إذ شهدت تركيا تراجعا في النمو الاقتصادي وارتفاعا في التضخم خلال السنوات الأخيرة.
وكان لوجود السوريين تأثير حقيقي في بعض المدن، إذ تجاوزت أعدادهم في بعض المدن الحدودية مع سوريا أكثر من أعداد المواطنين الأتراك نفسهم الذي يقيمون فيها، مثل مدينتي الريحانية وكيليس، فشعر البعض أن هويتهم الثقافية والديموغرافية مهددة.
افتتح السوريون محالهم التجارية وشكّلوا أسواقهم الخاصة بهم، فأصبحت بعض الأسواق مخصصة لهم ويتسوقون منها بسبب عائق اللغة، ويتّضح مباشرة لأي شخص أن هذا السوق سوري وذلك السوق تركي.
وأصبح اللاجئون هدفاً للاتهامات بالمسؤولية عن تفاقم الأزمات الاقتصادية، واتهم البعض السوريين بسرقة فرص العمل من المواطنين الأتراك، والاستفادة بشكل غير عادل من الخدمات الصحية والتعليمية، مما رفع مشاعر العداء تجاه السوريين، بالإضافة لبعض الحوادث الفردية المتفرقة، التي كان يتم تضخيمها في بعض الأحيان عبر وسائل التواصل وبعض وسائل الإعلام.
كما لعبت وسائل الإعلام دورًا مزدوجًا في هذا السياق، ففي حين كانت بعض وسائل الإعلام تدعو إلى التعايش والتضامن مع اللاجئين، كانت وسائل إعلام أخرى تعمل على تأجيج مشاعر الكراهية والعداء، وكان هناك تركيز كبير على حوادث الجريمة التي ارتكبها أفراد من الجالية السورية، واستخدام هذه الحوادث كأدلة على أن اللاجئين يشكلون تهديدًا للأمن العام، مما أسهم بشكل كبير في ترسيخ الصورة السلبية عن اللاجئين في أذهان الأتراك.
في الانتخابات
يعد ملف اللاجئين السوريين من أكثر الملفات المطروحة على طاولة الانتخابات، إذ تسعى بعض الأحزاب لاستخدامها لكسب أكبر عدد من الأصوات، فيما يعيش اللاجئون السوريون حالة من القلق من نتائج هذه الانتخابات، بغض النظر عن الطرف الفائز.
وكما في كل موسم انتخابات، تتعالى الأصوات المتوعدة بإرسال السوريين المقيمين في تركيا إلى سوريا في حال فوزهم بالانتخابات، تصريحات تأتي بمعظمها من الأحزاب المعارضة للحزب الحاكم، أو المؤيدة له، ولكنها تعتبر ملف اللاجئين السوريين ملفاً يجب أن ينتهي ويجب عليهم أن يعودوا إلى سوريا.
وشهدت انتخابات المجالس المحلية الأخيرة هذا العام الموجة الأكبر من هذه الأصوات، وكذلك الأمر في انتخابات الرئاسة التي حدثت خلال العام الفائت.
وفي الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي جرت في مايو 2023، استخدمت معظم الأطراف ورقة اللاجئين السوريين في ملفها الانتخابي، إذ وعد الحزب الحاكم بوضع خطة لإعادة مليون سوري إلى سوريا بالتدريج، فيما شهدت الأحزاب المعارضة بقياداتها حملة تحريضية تتضمن الإعلان عن إرسال اللاجئين في حال فوز هذه الأحزاب في الانتخابات.
وعمدت المعارضة التركية بقيادة رئيس حزبها كمال كيليجدار أوغلو بالترويج لترحيل السوريين إلى بلدهم حال انتصارهم في الانتخابات، إذ امتلأت شوارع المدن التركية وبالأخص مدينة إسطنبول، بلافتات عليها صورة زعيم المعارضة وهو يقول فيها، "سيرحل السوريون، سيرحلون، هاتوا قراركم".
وألقى بعض المسؤولين المعارضين أحيانا باللوم على اللاجئين في ارتفاع استخدام معدلات المياه في بعض المدن، مثل مدينة اسطنبول، التي يتواجد فيها العدد الأكبر من اللاجئين السوريين، مما ساهم بتأجيج الكراهية تجاههم.
حزب النصر الذي يرأسه المعارض أوميت أوزداغ المعروف بمواقفه المعادية لوجود اللاجئين، حيث استغل ملف اللاجئين السوريين في دعايته الانتخابية، وتسبب بتأليب الشارع التركي عليهم، داعيا بشكل مستمر إلى طردهم وإعادتهم إلى بلادهم.
وعُرفت عنه تصريحات عنصرية عديدة وصل بعضها إلى المحاكم، إذ دعا في إحدى المرات إلى زرع الألغام على الحدود لمنع السوريين من القدوم إلى تركيا، وادّعى أنهم السبب في الأزمة الاقتصادية التي ستُحل بمجرد عودتهم.
وسبق له أن موّل إنتاج فيلم وثائقي قصير مُعادٍ للاجئين السوريين، ومؤخرا اتهمهم بأنهم يسرقون من تحت ركام الأبنية المتساقطة جراء الزلزال، وسواها من الأعمال التي أججت كراهية الشارع التركي ضدهم.
أحداث ألتنداغ 2021
على خلفية مقتل شاب تركي في أغسطس 2021، على يد شاب سوري، في ضاحية ألتنداغ التابعة للعاصمة أنقرة، اندلعت أحداث شغب كبيرة في الحي، أدت لتكسير وتحطيم محال وسيارات للسوريين، والاعتداء على منازل يقطن فيها اللاجئون السوريون وحرقها، مما أدى لإجلاء الشرطة التركية للسوريين المتواجدين في هذا الحي.
ونادى المعتدون حينها بطرد السوريين من تركيا بشكل كامل،
وأتت هذه الاضطرابات حينها بالتزامن مع موجة قدوم اللاجئين الأفغانيين بشكل كبير إلى تركيا، مما ساهم بارتفاع مستويات القلق لدى المواطنين الأتراك من تنامي أعداد اللاجئين.
وتبعت هذه الاعتداءات أعمال شغب وتظاهرات ضد تواجد اللاجئين السوريين في بعض المدن الأخرى، لكنها لم تكن كبيرة بنفس درجة الاعتداءات التي حدثت خلال الأيام القليلة الماضية.
