FILE PHOTO: A Syrian woman who lived in Turkey, carries her belongings at she walks at the border crossing of Bab al-Hamam in rebel-held town of Afrin
لاجئة سورية في تركيا خلال عودتها إلى عفرين عن طريق معبر حدودي- يوليو 2024

على نحوٍ غير مسبوق خلال السنوات الماضية، تشهد الولايات التركية هذه الأيام حركة عودة مكثفة للعائلات السورية يومياً لمختلف مناطق بلادهم، إثر الرُّهاب الذي خلّفته اعتداءات قيصري على مستقبلهم.

وتمتلئ المجموعات الخاصة والعامة في منصة "فيسبوك"، برسائل يومية رصدها موقع "ارفع صوتك"، للاجئين سوريين يرغبون بـ "العودة الطوعية" إلى بلادهم. وتتنوّع بين أسئلة حول طريقة وإجراءات العودة، وإمكانية نقل أغراض المنزل من المعابر الحدودية، وأخرى تستوضح حول الأمكنة المناسبة للرحيل إليها في الشمال السوري الخارج عن سيطرة النظام.

وارتفعت وتيرة الأمر منذ أحداث الاعتداء العنصرية التي طالت محلات وبيوت لسوريين في ولاية قيصري وسط تركيا خلال الشهر الحالي، إذ باتت البقية تخشى أن تلقى المصير نفسه.

"نحن هنا وحيدون، ولا أحد يدافع عنا"، تقول السورية إنعام طه لموقع "ارفع صوتك"، بعد أن عزمت مع زوجها وعائلتها على العودة إلى ريف حلب الشمالي.

توضح إنعام (35 عاماً) التي تسكن في ولاية إسطنبول، أن ما جرى في قيصري جعل العائلة تراجع حساباتها بشأن البقاء في تركيا، لا سيّما أن عناصر الشرطة "عجزوا عن إيقاف الاعتداءات أو تواطؤوا معها"، وفق تعبيرها.

وتقول إنها باتت تخشى حتى الخروج من المنزل، مستدركةً "رغم أننا لم نشهد أي مواقف سلبية من الجيران".

وتعتقد إنعام أن المتورطين في اعتداءات قيصري "لم يكونوا من نفس المنطقة" فهم "مجرمون وأصحاب سوابق تم جلبهم عبر شاحنة نقل".

 

نحو مناطق النظام أيضاً

سليمان حاجي (46 عاماً) قرر العودة الطوعية للشمال السوري بعد اعتداءات قيصري، يقول لـ"ارفع صوتك": "نرحل بكرامتنا أفضل من أن يعتدي أحد علينا أو يتمّ ترحيلنا بشكل مفاجئ".

ويضيف سليمان الذي يقيم في غازي عنتاب، أن القرار "بالغ الصعوبة، خصوصاً بعد 10 سنوات من العيش في تركيا".

يتابع: "مناطق الشمال السوري ليست ملائمة للعيش بعد، لكن لا يجبرك على المرّ إلا الأكثر مرارة منه".

ورغم أن أحداث قيصري بدت هي الدافع الرئيس وراء هذه الموجة، إلا أن عدداً من اللاجئين الذين التقيناهم أشار أيضاً إلى التقارب بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس النظام السوري بشار الأسد، من خلال التصريحات الإعلامية الأخيرة لكليهما.

يقول عمران مصطفى "إذا حصل اللقاء بينهما سيكون ملف اللاجئين الأول في النقاش، ما يجعل مصيرنا مجهولاً".

يضيف عمران الذي يقيم في إسطنبول منذ 7 أعوام،  إن "اعتداءات قيصري تزامنت مع خطاب أردوغان حول التقارب مع الأسد، وهذا ليس صدفة، ودليل ذلك الموقف البارد من السلطات التركية إزاء الاعتداءات، وعدم لقاء وزير الداخلية باللاجئين المعتدى عليهم رغم زيارته المدينة بعد ساعات".     

وكانت منظمات حقوقية دولية وثقت ورصدت ترحيل السلطات التركية للاجئين سوريين بـ"الإكراه" نحو مناطق الشمال السوري تحت مسمّى "العودة الطوعية".

في تقرير نشرته "هيومن رايتس ووتش" فبراير الماضي، قالت إن المناطق التي يوجد فيها النفوذ التركي شمال سوريا "تزخر بانتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها في المقام الأول فصائل من الجيش الوطني السوري".

وتتسم حياة سكان المنطقة البالغ عددهم 1.4 مليون نسمة بالفوضى القانونية وانعدام الأمن، بحسب المنظمة التي نقلت قول أحدهم الذي عاش هناك ثلاث سنوات قبل أن يرحل "كل شيء بقوة السلاح".

ورغم أن منطقة الشمال الخارجة عن سيطرة النظام السوري هي المقصد الرئيس للعائلات العازمة على العودة، بناءً على ما حصل خلال العام الأخير، إلا أن بعض العائدين باتوا يفضّلون العودة نحو مناطق النظام، في ظل "أوضاع قاتمة يعيشها الشمال"، وفق تعبير محيي الدين شيخو.

يقول لـ"ارفع صوتك" إنه يستكمل الآن إجراءات روتينية للدخول إلى مناطق النظام من معبر "كسب" الذي يربط بين محافظة اللاذقية وولاية هاتاي التركية، وأبرزها "استخراج ما يُعرف بورقة التسوية من القنصلية السورية في إسطنبول".

مواضيع ذات صلة:

عشرات الإيزيديين فروا من إقليم كردستان العراق إلى سنجار بعد "خطابات كراهية" ضدهم
عشرات الإيزيديين فروا من إقليم كردستان العراق إلى سنجار بعد "خطابات كراهية" ضدهم

الحرة- ضياء عودة- دفعت "زوبعة منظمة" كما وصفها نشطاء حقوق إنسان وسياسي سابق، العشرات من العائلات الإيزيدية المقيمة في كردستان العراق للفرار إلى سنجار، وهي أرضهم الأم التي تعرضوا فيه للإبادة على يد تنظيم داعش في مثل هذا الشهر من عام 2014.

وقال الناشط الإيزيدي والمدافع عن حقوق الإنسان، فرهاد علي لموقع "الحرة" إنه ومنذ أمس الخميس غادرت أكثر من 700 عائلة إيزيدية كردستان العراق، "بسبب خطابات الكراهية التي صدرت من بعض رجال الدين في الإقليم".

وأوضح أن خطاب "رجال الدين" تسبب في حالة خوف وهلع بين الناس، مشيرا إلى "وضع صعب يشمل الإيزيديين المقيمين في المخيمات في إقليم كردستان وسنجار".

"العائلات لا تعرف ماذا تفعل ويريد أفرادها إيقاف (الزوبعة) الحاصلة وعدم بث خطاب الكراهية، والحفاظ على التآخي والتعايش بين جميع المكونات العراقية"، كما يتابع علي.

ونشر الناشط عدة تسجيلات مصورة عبر موقع التواصل "إكس" توثّق حركات الفرار باتجاه سنجار.  

ويضيف الناشط الإيزيدي مراد إسماعيل أن "خطابات الكراهية" التي دفعت العائلات الإيزيدية للفرار جاءت في أعقاب التصريحات الأخيرة لقائد قوات سنجار، قاسم ششو، والتي أطلقها في ذكرى الإبادة التي نفذها تنظيم داعش.  

 

 

وقال في تغريدة عبر "إكس": "من المقلق كيف أن أفعال أو تصريحات أي فرد إيزيدي تؤدي إلى لوم المجتمع الإيزيدي بأكمله وتجريده من الإنسانية وتكفيره".

من جانبها، نفت السلطات الأمنية والإدارية في محافظتي دهوك وزاخو الأنباء التي تحدثت عن هروب نازحين من مخيمات الإيزيديين خوفا من انتقام متطرفين إسلاميين عقب تصريحات ششو، وفقا لمصادر الحرة.

 

ما قصة التصريحات؟

"خطاب الكراهية" الذي انتشر ضد أبناء المجتمع الإيزيدي في العراق جاء بعد حديث مصّور تناقله مستخدمون عبر مواقع التواصل لقائد قوات سنجار، قاسم ششو، واتهم على إثره بالإساءة للنبي محمد والتحريض على الحرب بين الديانات.  

ونشروا تسجيلا مصورا مقتطعا عبر مواقع التواصل، ولم يتأكد موقع "الحرة" مما جاء فيه وما قاله ششو بالتحديد.

ورغم التوضيح الذي نشره القيادي الإيزيدي وتداولته وسائل إعلام لم تتوقف الحالة الخاصة ببث خطاب الكراهية ضد الإيزيديين، كما قال نشطاء حقوق الإنسان الذين تحدث معهم موقع "الحرة".  

وجاء في بيان قائد قوات سنجار أنه لم يقصد الإساءة إلى الإسلام أو المسلمين أو النبي محمد، وأضاف أنه أراد التذكير بأنه "مادام المتطرفون موجودون فإن الاعتداءات ضد الإيزيديين سوف تستمر".

وفي غضون ذلك أصدر "المجتمع الإيزيدي" بيانا، الجمعة، أوضح فيه أنه "تم استخدام جملة من كلام (ششو) عن الإبادات دون أن يكون قاصدا النبي محمد ولا الإساءة إلى شخصه الكريم".

وأضاف البيان: "ولم تكن العبارة تعبر عن موقفه ولا موقف المجتمع الإيزيدي ولا الديانة الإيزيدية المبنية على احترام الشعوب والعقائد"، مؤكدا على التوضيح الذي نشره ششو، وأن "كلماته كانت تستهدف المجاميع الإرهابية التي قامت بالإساءة للدين الإسلامي الحنيف أكثر من الإساءة إلى غيره".

واعتبر "المجتمع الإيزيدي" أن ما وصفهم بـ"أطراف الإسلام السياسي ومنابرهم الإعلامية تقوم على وسائل التواصل بتأجيج المشاعر الدينية للإخوة المسلمين، متحججين بكلمات غير مقصودة تم تفسيرها بشكل غير صحيح لقائد قوات سنجار".

وأشار إلى "حملة منظمة عبر مواقع التواصل للتحريض على قتل الإيزيديين، وهم الذين يعانون منذ سنوات طويلة من التكفير ولا يوفر المتطرفون جهدا إلا ويستغلونه لتهديد أبناء شعبنا المسالم"، وفق البيان.

وتابع في الختام: "نوجه أنظار الحكومة العراقية وحكومة الإقليم والمجتمع الدولي إلى خطورة الوضع والمخاوف لدى المواطنين الإيزيديين العزل، وبشكل خاص المقيمين في مخيمات النزوح".

 

"مذكرة قبض وردود"

وذكرت وسائل إعلام عراقية أن محكمة استئناف نينوى أصدرت مذكرة قبض بحق قائد قوات سنجار، بتهمة الإساءة للنبي محمد و"التحريض على حرب بين الديانات".

المادة القانونية المنطبقة على التهمة هي رقم (195) من قانون العقوبات العراقي، كما جاء في المذكرة، التي لم تشر إلى صاحب الدعوى.

ونقل موقع قناة "روداو" عن  حيدر ششو، ابن شقيق قاسم ششو قوله إنه يعتقد بأن تصريحات عمه عن النبي محمد قد أسيء تفسيرها، مشيرا إلى أنه "تمت المبالغة في هذه المسألة رغم توضيحاتنا".

وأضاف أن الهدف من تأجيج الموضوع هو يهدف "خلط الأمور"، لافتا إلى أن الموالين لداعش قاموا باستغلالها، كما حذّر من أنه وفي حال الاستمرار بذلك فسوف يتخذون موقفا، مردفا: "الذين يعارضوننا اليوم لم يقولوا شيئا عن كل الانتهاكات التي ارتكبت بحقنا".

لكن في المقابل صدّرت عدة إدانات للحديث الذي أطلقه ششو، والذي اعتبر "مسيئا للنبي محمد".

وكان أبرزها من جمال الضاري الأمين العام للمشروع الوطني في العراق، إذ قال عبر "إكس": "ندين بأشد العبارات قيام المدعو قاسم ششو بالإساءة لرسولنا الكريم محمد  وللدين الإسلامي الحنيف، مستغلا ذكرى جريمة الإبادة الايزيدية لتمرير أجندته الخبيثة".

وأضاف الضاري: "وفي الوقت الذي نؤكد فيه رفضنا وإدانتنا لجرائم تنظيم داعش الإرهابي والتي لا تمت لتعاليم الاسلام، نطالب الحكومة العراقية وجميع القوى السياسية بالتصدي بحزم لهذه الإساءات".

كما طالب بـ"تقديم المحرضين والمسيئين إلى العدالة ليكونوا عبرة، لكل من يحاول بث الفرقة والإساءة للأديان والرسل والرموز الدينية المقدسة".

ولم يصدر أي بيان رسمي حتى الآن من الحكومة العراقية أو حكومة إقليم كردستان العراق.  

ومن جهته أشار الناشط الحقوقي الإيزيدي مراد إسماعيل إلى "آلاف خطابات الكراهية والمنشورات والتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، التي انتشرت خلال الأيام الماضية".

وقال إسماعيل إن ما سبق يحدث "في ظل صمت المؤسسات الأمنية والقضائية".

وأوضح أن "مئات العائلات الإيزيدية تسارع الآن إلى مغادرة مخيمات النازحين نتيجة لخطاب الكراهية والتهديدات من المتطرفين في أعقاب تصريحات ششو".  

كما أضاف أن "الحكومة العراقية وحكومة كردستان لديهما المسؤولية القانونية لملاحقة هؤلاء المتطرفين الذين ينشرون الكراهية ضد الإيزيديين في المنتديات العامة ويحرضون على العنف ضدهم".

 

"في ذكرى الإبادة"

وسنجار، وهي منطقة جبلية في شمال غرب العراق، موطن لخليط من السكان الأكراد والعرب، والإيزيديين هم أقلية إثنية ودينية يتحدثون الكردية.

وفي أغسطس 2014، اجتاح تنظيم "داعش" جبل سنجار وقتل عناصره أعدادا كبيرة من هذه الأقلية واحتجزوا آلافا من النساء الفتيات واتخذوهن سبايا.

وفيما خطف أكثر من 6400 منهم، أُنقذ حوالي نصفهم أو تمكنوا من الفرار، بينما لايزال مصير الآخرين مجهولا.

وبعد ثلاث سنوات من الاجتياح، أعلن العراق عام 2017 الانتصار على التنظيم الذي ترك خلفه أكثر من 200 مقبرة جماعية يرجح أنها تضم حوالي 12 ألف جثة، وفقا للأمم المتحدة.

وتقول منظمة "هيومن رايتس ووتش" إن 80 في المئة من البنية التحتية و70 في المئة من بلدة سنجار، أكبر مدينة في القضاء، دمر خلال النزاع ضد تنظيم "داعش" بين 2014 و2017.  

ووفقا للمنظمة الدولية للهجرة، لا يزال حوالي 183 ألف شخص من سنجار نازحين، وهذا يشمل 85 في المئة من السكان الأيزيديين في القضاء.  

في الوقت الحالي، تستضيف 65 في المئة من البلدات والمدن في سنجار نصف سكانها الأصليين أو أقل، بينما لم تشهد 13 بلدة أي عودة على الإطلاق منذ 2014.

وبعد 10 سنوات من اجتياح "داعش"، لاتزال سنجار غير آمنة وتفتقر إلى الخدمات.  

ووفقا لوزارة الداخلية في حكومة إقليم كردستان، تستضيف المخيمات الـ23 المنتشرة في الإقليم حاليا حوالي 157 ألف شخص، كثيرون منهم من سنجار.

"زوبعة منظّمة"

ويقول النائب السابق في البرلمان الكردستاني، عبدالسلام البرواري إنه "يوجد تشويه وتصعيد مقصود تجاه الإيزيديين في المخيمات، وخاصة بعد بدء خطوات تنفيذ قرار الحكومة العراقية بإغلاق المعسكرات وضرورة عودة النازحين لأماكنهم".

وتتزامن حالة التشويه أيضا مع "وجود رغبات في تنفيذ اتفاقية سنجار"، على حد اعتقاد البرواري.  

ويضيف لموقع "الحرة" أن "قاسم ششو صرّح بأنه لم يقل ذلك نصا (الإساءة للنبي محمد) وأن كلامه تم تشويهه، بينما تولت مجموعة من القنوات لفرض واضح الترويج للحديث المشوه ولخلق جو عدائي".

ومع ذلك أصدر الزعماء الحقوقيون من المجتمع الإيزيدي ووزارة الأوقاف والجهات الأخرى بيانات رسمية، وأكدت فيها على "ثقافة التعايش وقبول الآخر في كردستان العراق".

ويعتقد البرواري أن "الموضوع عبارة عن زوبعة منظّمة وستنتهي".

ويشير إلى أن كثير من العائلات التي تفر من المخيمات باتجاه سنجار "قد تتعرض للأذية".