"غلاف كتاب "قرن من الإفلاس من عام 1921 إلى اليوم
"غلاف كتاب "قرن من الإفلاس من عام 1921 إلى اليوم

صدرت حديثاً عن دار "هاشيت أنطوان/ نوفل"، النسخة المترجمة إلى العربية من كتاب المؤرخ وعالم الاجتماع العراقي-الفرنسي عادل بكوان.

الكتاب الذي صدر باللغة الفرنسية، تُرجم إلى العربية بعنوان "العراق: قرن من الإفلاس من عام 1921 إلى اليوم". يوثق لـ١٠٠ عام من تاريخ العراق الحديث، منذ تأسيسه على يد الملك فيصل الأول، مروراً بالملكية التي أطيح بها، حتى حكم حزب البعث، ووصولاً إلى سقوط نظام صدام حسين ومحاولة العراق تأسيس حكم ديمقراطي بعد سنة 2003.

يرى بكوان في كتابه، أن الكيان العراقي ما يزال حتّى اليوم "فريسة التدخّلات الخارجية"، بينما تقوّضه داخليًّا "تدخّلات المؤسّسة الدينيّة وانتشار الفساد وسيطرة الأحزاب على موارد البلاد ومَليَشة (نسبة للمليشيات) الدولة".

 

ماذا يقول المترجم؟

مترجم الكتاب إلى العربية الكاتب والأستاذ الجامعي وسام سعادة، يقول لـ"ارفع صوتك"، إن "بكوان يطرح في كتابه إشكالية أساسية تتمحور حول قدرة الجماعات الأهلية والإثنية والطائفية، في أن تكون لديها إستراتيجيات لحكم العراق، وليس فقط ردّات فعل لم تؤد سوى إلى الإفلاس على مستوى بناء الدولة".

ويلفت إلى أن "الجانب المهم في الكتاب، هو تناول التجارب الحزبية في العراق وتخصيص فصول لها، مثل حزب البعث وحزب الدعوة والحزب الشيوعي العراقي".

ويحاول الكتاب، بحسب سعادة، "تبيان أسباب الفشل الكياني في العراق. يبدو بكوان عاطفياً في بعض صفحات الكتاب تجاه فترة حكم عبد الكريم قاسم؛ بوصفها الفترة الوحيدة التي حاول فيها أحد حكّام العراق إنتاج تعاقد بين مختلف الأنسجة في المجتمع على الرغم من منحاه السلطوي".

هذه الرؤية تنقل للقارئ "شعوراً عاطفياً تجاه عبد الكريم قاسم يقابله، شعور سلبي تجاه القوميين العرب والبعثيين"، يقول سعادة.

صورة لغلاف النسخة العربية من كتاب المؤرخ وعالم الاجتماع العراقي الفرنسي عادل بكوان

ماذا يقول الكاتب؟

"ارفع صوتك" حاور المؤرخ وعالم الاجتماع عادل بكوان، ويناقش معه رؤيته لمستقبل العراق، عطفاً على حالة "الإفلاس" التي وصف بها تاريخ البلد خلال قرن.

 

لماذا اخترت الفرنسية لغة الكتاب الأولى؟ وما رأيك بالترجمة إلى العربية؟

ألفتُ الكتاب في نسخته الأولى بالفرنسية لأن العقد كان مع دار نشر فرنسية، ولأن اللغة التي أكتب فيها هي الفرنسية وتقريباً كل مفاهيمي ونظرياتي واطروحاتي كُتبت في البداية بالفرنسية، ثم تُرجمت إلى اللغات الأخرى.

بمعنى آخر، فإن الفرنسية تعطيني الأمن اللغوي لأستطيع أنّ أعبرّ بطريقة أفضل عن أفكاري، ولكن في ذات الوقت كنت حريصاً على ترجمة الكتاب إلى العربية ليكون متاحاً للقارئ العربي عموماً والعراقي خصوصاً، حتى يكونوا قريبين ومتابعين للنتاجات المعرفية الجديدة التي تحلل تاريخهم وواقعهم السياسي والاجتماعي، وهو كتاب موجه للجميع، وكتبته لكل المهتمين بمعرفة العراق.

 

يبدو العنوان لافتاً من خلال وسم ١٠٠ عام من تاريخ العراق بـ"الإفلاس"، فما المعنى الذي قصدته؟

يجب ألا نأخذ كلمة "الإفلاس" بالمعنى الحرفي، لأنها استُعملت في هذا الكتاب من بدايته إلى نهايته للتعبير عن الفشل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والسيكولوجي للنخب العراقية منذ تأسيس الدولة عام 1921 حتى الآن، في تأصيل عقد اجتماعي.

صحيح أنهم نجحوا في بناء أنظمة مختلفة ومؤسسات، لكنهم لم ينجحوا في تأسيس عقد اجتماعي ينتمون إليه، فمع كل الاختلافات الدينية والعرقية والمذهبية والفكرية والاجتماعية، من دون العقد الاجتماعي سيكون "الإفلاس" هو الفرضية الأقوى التي ستفرض نفسها على الواقع.

مثلاً في بلجيكا هناك أكثر من لغة ودين وطبقات اجتماعية ومناطق جغرافية لا يربطها أي رابط، لكن هناك عقداً اجتماعياً ينتمون إليه، لم يُفرض من قبل جهة على أخرى أو مكون على آخر، إنما تَشكل نتيجةٍ لمفاوضاتٍ طويلةٍ وعميقة وتاريخية للقوى المختلفة، لكي تؤسس إطاراً يجمعها رغم الاختلافات بينها.

وكذلك في سويسرا، هناك أربع لغات وجماعات مختلفة لا يقل تنوعها عن الموجود في العراق،  لكن لماذا أصبحت سويسرا واحدة من أكثر البلدان أمناً واستقراراً؟ لأنهم استطاعوا تأسيس عقد اجتماعي يجمعهم.

العراق وللأسف، أفلس وفشل في بناء عقد اجتماعي منذ الملك الأول حتى محمد شياع السوداني، وهذا ما أقصد بـ "الإفلاس" في عنوان الكتاب ومضمونه.

قسّمت الكتاب وتاريخ العراق تالياً، إلى ثلاثة أجزاء أو مراحل: الأولى حكم الملكية (الأقلية المتغطرسة)، والثانية عن العراق بين قوميتين، والثالثة حول الحلم المستحيل المتمثل بالعراق الديمقراطي.

 

هل كانت الطائفية تتحكم بمصائر العراق والعراقيين منذ تأسيسه؟ 

في البداية كان لدى الملك فيصل الأول مشروعٌ لبناء أمة عراقية لكنه فشل؛ لأن البنية الاجتماعية للدولة العراقية وللمجتمع العراقي كما تَصوّره البريطانيون، كانت قائمة على فكرة الطائفية.

في البداية كانوا يريدون بناء الدولة العراقية مع الأكثرية الشيعية، وحينما وصلوا كان برسي كوكس يعتقد أن الشيعة المبعدين من السلطة والنظام من قبل العثمانيين هم من سيساعد البريطانيين في تأسيس الدولة الحديثة، لكن الشيعة نظموا أنفسهم في حركة جهادية ضد المشروع البريطاني الجديد في العراق، أما السنّة ببراغماتيتهم وثقافتهم في إدارة الدولة منذ زمن العثمانيين، فهموا أن العالم تغيّر وانتهى عهد العثمانيين وجاء الدور البريطاني في الشرق الأوسط ويجب أن يتحالفوا معهم.

لذلك عندما انتهى التحالف الشيعي لبناء الدولة، أبرم البريطانيون مباشرةً، عقداً مع "الأقلية المتكبرة" كما أسماها الملك فيصل، لبناء الدولة العراقية.

وحينما جاء الملك فيصل من خارج العراق لم يكن عراقياً، لكنه كان مثقفاً يتحدث الإنجليزية والفرنسية والعربية، وكان على معرفة كاملة بمعنى بناء الأمة وبناء الدولة، وأراد بناء الدولة العراقية الحديثة على غرار الدول الأوروبية، إلا أنه فشل، ذلك أن البنيتين الاجتماعية والسياسية والنخب الاجتماعية والسياسية، تقف على النقيض من هذا المشروع.

بعد ذلك، جاء عبد الكريم قاسم بمشروع "العرقنة"، أي بناء أمة عراقية، وكان شعاره "العراق أولاً"، ما يعني أنه كان على نقيض مع فكرة بناء الأمة العربية، لذلك حصلت خلافات بينه والرئيس المصري جمال عبد الناصر، الذي كان في وقتها الأب للقومية العربية.

قاسم أيضاً، فشل في مشروعه؛ لأن الشروط الموضوعية في العراق لم تسمح لا للملك ولا لقاسم بالنجاح في مثل هكذا مشروع.

أما بعد التغيير في 2003، أي بعد سقوط الدكتاتورية والاحتلال الأميركي للعراق، كان لدى مجموعة من الممثلين السياسيين مشروعاً لبناء الأمة والدولة العراقية، لكنهم ما كانوا يستطيعون السيطرة على البنية الاجتماعية والسياسية والثقافية والتاريخية التي بنيت على الطائفية.

باختصار، الطائفية في العراق ليست مجرد مفهوم، بل لها أرض وحدود وطبقات اجتماعية وسياسية وعلاقات دولية تغذيها. لذلك أعتقد بأسف أنه لطالما هذه البنية وهذا التاريخ لم يتغيرا، فإن حلم بناء الأمة والدولة الوطنية في العراق سيبقى حلماً ليس إلا.

 

لماذا وصل العراق من حكم الأقلية السنية في زمن الملكية، إلى أزمة حقيقية في إنتاج قيادة سنيّة بعد مئة عام؟

في 2003 لا أبالغ إذا قلت، إن المكون السني في العراق واجه جينوسايد (إبادة جماعية). مثلاً في مدينة مثل بغداد كان  هناك قبل الاحتلال تقريباً نصف من السنة ونصف من الشيعة، أما الآن فقد تحول وجودهم إلى أقلية في الأحياء المختلطة بين السنة والشيعة، هذا أولاً، وثانياً يجب أن نعترف بوجود الهيمنة المطلقة للشيعة في العاصمة.

وفي محافظة ديالى، كان هناك 70% من الأهالي من السنة أما الآن سنجد العكس، لذلك نستطيع القول إن السياق الذي انتُهج مع السنة هو سياق التهجير والإقصاء والاجتثاث، وهناك قانون باسم "قانون اجتثاث البعث"، استُعمل للأسف من قبل الشيعة كأنه "لاجتثاث السنة" في العراق.

بعبارة أخرى في العراق الجديد، الأميركيون والإيرانيون ودول الخليج وتركيا وسوريا، الكل حاول استخدام الورقة السنية، لهذا لم يسمحوا ببروز قيادة سنية. هذا على الصعيد الخارجي. أما على الصعيد الداخلي، فإن السنة مدانون ومتهمون دائماً حتى يثبتوا العكس.

وثالثاً، هناك "ظِل صدام حسين" الذي بقي جاثماً في تصوّر الشيعة، فالمكون الشيعي لغاية الآن لم يتخلص منه، وكلما ظهرت قيادات سنية من طارق الهاشمي لغاية محمد الحلبوسي، يعتقد الشيعة أنها ستكون الجامع أو المرجع للمكون السني، لذلك يضربونه بكل الأشكال، بهدف ألا تظهر شخصية جامعة ورمزية بين السنة.

المكون الشيعي لم يفهم بأن هذا لن يحدث، وبتحليل بسيط  إذا عدنا إلى طبيعة المجتمع السني فهو مجتمع قبلي، بالتالي ليس سهلاً ظهور شخصية سنية تمثل رمزاً سنياً وقيادة سنية واحدة، فظهور صدام حسين كان استثناءً بالنسبة لطبيعة  تركيبة المجتمع السني وقَبله كانت دائماً هناك طبقة أو نخبة سنية تدير الدولة، وليس شخصية واحدة؛ لأن طبيعة المجتمع السني لا تساعد على ظهور "القائد الرمز".

من أرشيف وكالة رويترز- عام 1998
"كيف تطعم الديكتاتور؟".. طباخ صدام حسين يتحدث
لحظات رعب انتهت بـ50 دينار عراقي (ما يعادل 150 دولاراً في حينه)، وصدام حسين الذي يضحك ويبكي ويحاول إثبات ألا شبيه له، وصدام "الأفضل في عائلة التكريتي"، وحساء اللصوص أو "شوربة الحرامية" التكريتية، وقصة سميرة التي تركت زوجها لأجل صدام، والرجل الذي ظل واقفاً حين هرب الجميع، وغير ذلك.

رأيتَ أن التجربة الديمقراطية فشلت، ما الأسباب؟ ومن يتحمل مسؤولية ذلك؟

الديمقراطية ليست انتخابات بل تربية اجتماعية وسياسية وثقافية. الديمقراطية مجموعة من نظم فكرية وتحتاج إلى أجيال وأجيال يتربون عليها، لكن في العراق، كان الأميركيون يعتقدون أن الديمقراطية ليست إلا انتخابات، لذلك كلما حدثت انتخابات في العراق نجدهم والغرب يتحدثون عن "الديمقراطية العراقية الناشئة"، وهذا خطأ كبير.

مثلاً في السودان، بسبب غياب الثقافة الديمقراطية فإن الانتخابات أوصلتهم إلى الحرب الداخلية، وفي كردستان العراق في فترة التسعينيات، بسبب عدم وجود ثقافة ديمقراطية أيضاً، أوصلتهم الانتخابات إلى الاقتتال الداخلي. كذلك في لبنان، وليبيا، واليمن، وسوريا.

لذلك، حينما تكون في بلد ليس فيه تربية ديمقراطية وتاريخ ديمقراطي وثقافة ديمقراطية، فالفرضية الرئيسية تقول إن الانتخابات ستقود لحرب داخلية. وكما شاهدنا في انتخابات 2021 في العراق، وصل التيار الصدري وقوى الإطار التنسيقي إلى الاقتتال الداخلي على بوابة المنطقة الخضراء.

ودائماً عندما تحصل انتخابات في العراق، نضع أيدينا على قلوبنا؛ خوفاً من أن تؤدي بنا إلى جولة أخرى من الحرب الداخلية.

إضافة لما سبق، لا يوجد في العراق قوى اجتماعية سياسية مكوناتية تؤمن بالديمقراطية، وثقافة الديمقراطية للكتل والأحزاب السياسية في العراق ليست إلا إدارة لموازين القوى وليست إيماناً بالمعارضة والحكومة وإدارة الاختلافات. باختصار، نحن جئنا بالديمقراطية إلى العراق من دون أن يكون لدينا ديمقراطيون.

 

كيف تنظر للآراء التي تقول إن العراق لا يُمكن أن يُحكم إلا بالديكتاتورية، وتستعيد حقبة نظام صدام حسين بالتحسّر؟

أرفض رفضاً قاطعاً هذه الأطروحة للعراق ولأي بلد آخر. أعتقد أنه لا يمكن أن يحكم لا العراق ولا أي بلد  بهذه الطريقة؛ فمن أجل أن يكون هناك أمن واستقرار وتنمية اقتصادية على المدى البعيد، لا بد أن يكون هناك اتفاق سلمي بين القوى المختلفة في هذا المجتمع.

ومن دون اتفاقات بين السنة والشيعة والكرد وبين الشيعة في داخل بيتهم والسنة في داخل بيتهم والكرد في داخل بيتهم لبناء عقد اجتماعي حقيقي، لن نستطيع حكم العراق على المدى البعيد. ودون هذا العقد ربما سيستطيعون حكم العراق لسنوات، لكنه سيكون حكماً غير مستقر، وستظهر الثورات والحركات الاحتجاجية العنيفة والانقلابات، وستكون هناك دماء! وهذا ليس تصوراً، بل وقائع حدثت وما زالت تحدث، ونستطيع أن نجدها بوضوح في تاريخ الدولة العراقية حتى الآن.

هل يحمل العراق على عاتقه أعباء تاريخ أبعد من الأعوام المئة الأخيرة؟

لو قمنا باختزال التاريخ السياسي العراقي من زمن وصول البريطانيين لغاية اليوم، سيكون تحليلنا لتاريخ العنف منقوصاً في العراق، فالعراق كأرض له تاريخ طويل جداً و داخل هذا التاريخ على الأقل قبل 2000 عام كان العراق ساحة صراع للقوى التي تدير النظام الدولي.

مثلاً كان العراق أرض بيزوبوتاميا، أرض المنافسة بين الساسانيين والبيزنطيين، ومن بعد هذا الصراع تحولت أرض وادي الرافدين إلى أرض لتحديد علاقات القوة بين الصفويين من جانب والعثمانيين من جانب آخر. حينما كان العثمانيون يدخلون كانوا يقومون بإبادة جماعية للمكون الشيعي وحينما يدخل الصفويون يقومون بإبادة جماعية للمكون السني.

لذلك أردت أن أقول إن العراق منذ ألفي عام يحمل عبئاً تاريخياً طويلاً من الصراعات على أرضه ليس له فيها لا ناقة ولا جمل، ولم يكن للعراق قوى تستطيع أن تفرض قوتها وقرارها على القوى المتصارعة إلا في العصر العباسي الذي لم يستمر سوى 524 عاماً، وهو لا يُقارن مع ألفي عام من الصراع والعنف، حتى العصر العباسي نفسه لم يخلُ من العنف والصراعات.

نعم في وقت من الأوقات كانت بغداد عاصمة النظام السياسي العالمي، هذا صحيح! ولكن إذا وضعنا هذا "الاستثناء العباسي" بين قوسين، سنجد أن بلاد ما بين النهرين تُدار من قبل القوى والعواصم والإمبراطوريات الأخرى.

بعبارة أخرى، كان العراق دائماً أرضاً لتصفية حسابات القوى الكبرى وليس وطناً ذا سيادة وطنية، منذ الساسانيين حتى الاحتلال الأميركي. وهذا التاريخ له كلمة حتى هذه اللحظة في نفسية وتفكير المواطن العراقي، وكذلك في أرض العراق كجيوبولتيك (تأثير الجغرافيا على السياسة)، وله رمزية في الذاكرة الجماعية الإيرانية والتركية.

وليس هباءً أن يعتقد الإيرانيون والترك بأن العراق كان تاريخاً لهم وأن العراقي كعراقي لم يكن إلا تابعاً للإمبراطورية الساسانية أو البيزنطية أو الصفوية أو العثمانية، والآن إما يجب أن يكون تابعاً لطهران أو يجب أن يكون تابعاً لأنقرة!.

أريد أن أقول، مع الأسف، هذا التاريخ ما زال يعطي مبررات للقوى الكبرى الإقليمية والدولية بأن تستخدم الإنسان العراقي ورقة للضغط فقط لتحقيق مصالحها.

 

تبدو متشائماً في الكتاب من إمكانية شفاء العراق من "أمراضه المزمنة" كما تسمّيها. هل الأمل مفقود؟

طالما ليس هناك قوى سياسية واجتماعية تتبنى العرقنة كهوية وكعقد اجتماعي وكإطار للعيش المشترك مع وجود الاختلاف، وطالما ليس هناك عمل جديّ وإرادة حقيقية من قبل هذه القوى لبناء الأمة العراقية بكل رمزياتها، لن يكون هناك أمل لأن يصبح العراق دولة مسقرة ومستقلة وآمنة ومتطورة اقتصادياً.

مواضيع ذات صلة:

خالد سليمان، كاتب وصحافي عراقي متخصص في قضايا البيئة والتغير المناخي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
خالد سليمان، كاتب وصحافي عراقي متخصص في قضايا البيئة والتغير المناخي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

منذ أكثر من 15 عاماً، يحمل الصحافي والخبير البيئي العراقي خالد سليمان،  همّ البيئة في بلده الأم وفي كوكب الأرض قاطبة.

كَتَبَ مئات المقالات في الصحافة العربية والدولية عن آثار تغير المناخ على العراق ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وظلّ يذكّر في المؤتمرات وعبر المنصات التي أتيحت له، بخطر تغير المناخ والتلوث على مستقبل الأنواع على كوكب الأرض.

في كتابه "حراس المياه"، حذّر سليمان من خطر الجفاف وآثار تغير المناخ في العراق، حين صدور الكتاب في عام 2020. دق ناقوس الخطر بسبب ما تتعرض له مصادر المياه في العراق من انتهاكات ومن ابتزاز سياسي.

في كتابه الآخر "ولادة المرض" (صدر في العام 2021 في خضمّ أزمة فيروس كورونا)، غاص في الآثار التي يخلفها احترار الكوكب على الصحة البشرية وظهور الأمراض والأوبئة. وفي العام ذاته صدر له "بريد المناخ"، وهو دليل صحافي لتغطية القضايا المتعلقة بالمناخ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

اليوم، وبمناسبة صدور كتابه الجديد "الانقراض السادس بدأ من قريتي"، يحلّ خالد سليمان ضيفاً على "ارفع صوتك" لسؤاله عن هموم العراق المناخية والبيئية، وعن الانقراض السادس الذي بدأ من قريته في كردستان، على حدّ تعبيره.

الانقراض السادس بدأ من قريتك في كردستان. هل العراق حقاً في قلب التغير المناخي ومن أكثر الدول تأثراً به؟

نعم العراق من الدول الأكثر تأثراً بتغير المناخ حيث كثرت العواصف الغبارية، ارتفاع كبير في درجات الحرارة وتقلبات ملحوظة في أنماط الهطول المطري. ولكن هذا لا يعني بأن العراق حالة خاصة في المنطقة التي تأثرت بمجملها لآثار تغير المناخ. ف

ويعود السبب إلى أن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والعراق جزء منها، تتميز بمناخ جاف جراء طبيعتها شبه القاحلة، فغالبية أراضي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تفتقد الى الغطاء النباتي والمصادر الطبيعية المتجددة، أي أن غالبية الأراضي قاحلة أو شبه قاحلة، ما يجعلها أكثر عرضة لآثار تغير المناخ.

بالعودة إلى الحالة العراقية، يتعلق الأمر بإدارة غير مستدامة للمصادر الطبيعية، وبشكل الموارد المائية التي تأتيها من خارج الحدود الوطنية للبلاد، ناهيك عن الصناعة النفطية والانبعاثات الناجمة عنها، علماً أن إنتاج كل برميل للنفط يكلف برميلين من الماء. يضاف إلى ذلك سياسات الدول الجوار  المائية واللاعدالة المائية إن جاز الاستخدام، وذلك بسبب إنشاء سدود عملاقة على منابع نهري دجلة والفرات من قبل تركيا وإيران مما يحرم العراق من حقوقه المائية.

اختصاراً يمكن القول إن عوامل مناخية وبشرية وسياسية مجتمعة تجعل العراق ضعيفاً أمام آثار تغير المناخ.

نائب عراقي: سنخسر ثلثي أراضينا الزراعية جراء تشغيل سد تركي
قال رئيس كتلة بدر النيابية العراقية محمد ناجي الأحد إن العراق سيخسر نحو ثلثي أراضيه الزراعية إذا تم تفعيل سد أليسو الذي تبنيه تركيا على نهر دجلة.

وأضاف ناجي في مؤتمر صحافي إن تركيا "لا تعترف بحقوق العراق التاريخية والطبيعية بنهر دجلة، كما أنها لا تعترف بقواعد القانون الدولي".

ما المقصود بالانقراض السادس؟

حدثت خمسة انقراضات كبرى في تاريخ الأرض وكان الخامس قبل 66 مليون سنة جراء اصطدام كويكب عملاق بالأرض في موقع المكسيك الحالي، وانقرضت على أثرها الديناصورات على الأرض.

كانت جميع الانقراضات الشاملة بسبب عوامل طبيعية أو انفجارات كونية قريبة من سطح الأرض والبحار. ولم يبق من الأنواع جراء تلك الأحداث الكبرى سوى 5% من الأنواع (الحيوان والنبات)، بما في ذلك الحيوانات الفقارية العملاقة.

بحسب علماء الطبيعة والتنوع البيولوجي نحن نعيش ملامح الانقراض السادس اليوم وقد شهدت الأرض منذ 500 السنة الأخيرة انقراض أكثر من مليوني نوع وهذا رقم كبير جداً.

ويبدأ الانقراض السادس في عصر الهولوسين الذي يغطي الألف سنة الأخيرة في تاريخ الأرض، وهو عصر ظهور ملامح سيطرة الإنسان على الأرض وتدجين الأنواع البريّة.

 

تجادل في الكتاب في مسألة إذا كان الانقراض فعلا طبيعياً مرتبطاً بنظرية النشوء والتطور الدارونية أو هو من فعل الإنسان. هل نحن المسؤولون كبشر اليوم عن الانقراض السادس؟

أصحاب الرأي القائل بأن الانقراض مسار جديد للتطور، يستندون غالباً إلى نظرية النشوء والتطور، إذ أكد فيها عالم الأحياء البريطاني تشارلز داروين أن تشكل الأنواع (النبات والحيوان) مثل التشكل الجيولوجي للجبال والوديان والبحار، شأن طبيعي وترتبط أسباب بقائها أو انقراضها بما تنتقيه الطبيعة. أي أن الأنواع الجديدة، على اليابسة أو في المياه، ظهرت بتسلسل وببطء شديد، وتستمر بفضل امتلاكها أفضلية ما على الأنواع الأخرى التي تتنافس معها. أي أن الانقراض بموجب هذا التصور، شبه محتوم للأنواع الأقل تفضيلاً وشأناً.

في الأعوام التي كان يطوّر فيها داروين كتاباته عن سير الانقراض والانتقاء الطبيعي جنباً إلى جنب، كان قد قتل آخر زوج من طائر الأوك العظيم (البطريق الكبير) على يد صيادين آيسلنديين عام 1844 في إحدى جزر آيسلندا. وعلى رغم توثيق علماء الطيور البريطانيين ذلك الحدث المأساوي بعناية، إلا أنه لم يلفت اهتمام داروين الذي كان منهمكاً بوضع اللمسات الأخيرة على نظرية النشوء والتطور. وكانت أعداد هذا الطير الذي خانه الطيران، تُقدّر بالملايين على سواحل طرفي شمال المحيط الأطلسي، قبل أن يتعرض لإبادة جماعية على يد الصيادين الأوروبيين، تحديداً بعد استكشاف القارة الأميركية.

في الحقيقة، لم ينقرض هذا النوع من الطيور من تلقائه، بل تم القضاء عليه من قبل الصيادين والمستكشفين الأوروبيين بسبب مذاق لحمه الجيد. وقد اختفى طير "الدودو" في جزر المحيط الهندي للأسباب ذاتها، أي وصول المستعمرين إلى الأماكن النائية  والقضاء على الحيوانات من أجل الحصول على الغذاء ومصادر الوقود والطاقة. وبناءً على هذه القرائن يؤكد العلماء بأن الانقراض السادس يحصل ويجري بسبب الإنسان، وليس بسبب التطور الطبيعي.

سجل العراق أكثر المواسم جفافاً منذ 40 عاماً.
دراسة عراقية: التغير المناخي يعمّق من مأساة النساء
لا تتوقف المنظمات الدولية التحذّير من أثر تغير المناخ على العراق، وفيما تصيب تداعيات التغير المناخي المجتمعات الفقيرة تعاني النساء على نحو مضاعف نتيجة النزوح وما يصاحبه من الاضطرار للعمل والانقطاع عن الدراسة، فضلاً عن التحرش الجنسي وزواج القاصرات.

ما التحديات الرئيسة التي يواجهها العراق نتيجة للتغير المناخي وكيف يسهم العراق في "جريمة" الانقراض السادس؟

أي انقراض أو فقدان يحدث في أية زاوية على الأرض يؤثر على التوازن الإيكولوجي على الأرض بالكامل. بطبيعة الحال يمكن الحديث عن فقدان الأنواع في العراق وذلك بسبب التوسع العمراني على حساب النظم البيئية، بالإضافة إلى ندرة المياه والصيد الجائر والتلوث، والأنواع الغازية وارتفاع درجات الحرارة.

يمكن الاستشهاد بأمثلة كثيرة في هذا السياق، ففي محيط القرية التي ولدت وكبرت فيها، لاحظت من خلال بحثي وعملي الميداني فقدان الكثير من الأنواع التي شكلت جزءاً من ذاكرتي مع الأرض والبيئة، ولذلك عنوان كتابي "الانقراض السادس بدأ من قريتي".

كما تتعرض أنواع مائية للفقدان في شط العرب بسبب التلوث أو الصيد المفرط أو صعود المياه المالحة من الخليج إلى المياه العذبة، ناهيك عن تدمير النظام البيئي في الأهوار العراقية جراء تجفيف منابع المياه وغياب السياسات البيئية.

ولو أخذنا إقليم كُردستان كمثال، نرى أن هناك تدهوراً كبيراً في التنوع البيولوجي بسبب عدم وجود محميات طبيعية وتأسيس مدن مرتجلة على حساب البيئات الطبيعية، ما يؤدي إلى القضاء على التنوع البيولوجي.

 

ما الإجراءات التي يجب اتخاذها لتخفيف تأثيرات التغير المناخي على المجتمع والبيئة في العراق؟ وهل يمكن تفادي وقوع الانقراض السادس؟

إنشاء محميات طبيعية وتفعيل أو تجديد القوانين البيئية المتعلقة بالتنوع البيولوجي، ووضع الميزانية للإصلاح البيئي، وتجديد مناهج التعليم وكذلك العمل الإعلامي، إذ يلعب كل ذلك دوراً كبيراً في حماية الأنواع، خاصة أنها تسهم إسهاماً كبيراً في توفير الغذاء والحفاظ على الغطاء النباتي وكذلك حماية التربة.

 

هل تعتقد أن هناك جهوداً كافية تبذل في العراق، على صعيد الحكومة والناس، لمواجهة التحديات المتعلقة بالتغير المناخي؟

لا أعتقد بأن هناك سياسة عراقية واضحة المعالم بهذا الشأن، يمكن القول إن هناك تجهيل ما، وإلا لماذا لا تتحرك الحكومة ومؤسساتها تجاه الأزمات الناتجة عن تغير المناخ.

المشكلة أن الحكومة العراقية لا تحسب لآثار تغير المناخ حسابات صحية واقتصادية واجتماعية، فلو أخذنا الفاتورة الصحية التي يتحمل قطاع الصحة، تتجاوز تكلفتها في الأموال الأرواح تكلفة الإصلاح البيئي. ناهيك عن آثار أخرى مثل تدهور التربة وخروج أراض صالحة للزراعة والانتاج عن الخدمة، ما يزيد ثقل الآثار المناخية.

 

يشكل مناخ العراق تحدياً لأبنائه خصوصاً مع شح المياه والتلوث. هل الكوارث البيئية في العراق أسبابها سياسية؟

كما أشرت في البداية تجتمع عوامل كثيرة فيما خص التدهور الحاصل في العراق، فمن بين هذه الأسباب مناخية وتتعلق بالمناخ الإقليمي والعالمي ولا يستطيع العراق وحده مواجهته، إنما هناك أسباب محلية مثل الاستغلال غير المستدام للمصادر الطبيعية والصناعة النفطية والتكاثر السكاني والبنى التحتية القديمة والمهترئة للمدن العراقية، كل هذه تزيد من حجم الآثار المناخية. على سبيل المثال تفريغ المياه الآسنة والنفايات والمخلفات في الأنهار العذبة، أيضاً له تأثير كبير. نعم يتم كل هذا جراء سياسات خاطئة أو غياب السياسات.

 

هل هناك أنشطة أو مبادرات يقوم بها المواطنون العراقيون للمساهمة في مكافحة التغير المناخي ومنع انقراض الأنواع؟

باستثناء جهود في إقليم كُردستان تبذل من أجل التنوع الأحيائي، لا نرى شيئاً من هذا القبيل في مناطق العراق الأخرى، حيث الصيد الجائر وتدمير موائل الحيوانات والدعاية المجانية للحوم الحيوانات والطيور البرّية، جار في العراق كأن شيئاً لم يكن.

 

هل يمكن أن تشارك بعض الأمثلة على مشاريع ناجحة في العراق تهدف إلى التكيف مع التغير المناخي؟

هناك محاولات متواضعة مثل توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية أو التشجير أو حماية الأنواع، إنما الأمر محدود للغاية. التجاهل يطغي على كل شيء، لو دخلت إلى المطاعم العراقية ورأيت حجم التبذير في الغذاء أو قمت بتوثيق كميات الغذاء الهائلة التي تُلقى في النفايات، تدرك ما يعانيه البلد من ثقافة التجاهل البيئية.

 

ما أبرز التوصيات التي يمكنك تقديمها للسلطات في العراق لتعزيز الجهود المبذولة في مجال التكيف مع التغير المناخي؟

أهم خطوة تقوم بها السلطات العراقية حماية الأنهار ومصادر المياه العذبة من التلوث. ويقتضي ذلك تجديد البنى التحية للمدن، لأن التلوث يأتي من المدن والمؤسسات الصناعية والصحية والنشاطات التجارية.

أيضاً، إيقاف المشاريع السكنية العشوائية على حساب النظم البيئية وهي في الغالب مشاريع مملوكة لأصحاب للطبقة السياسية أو أصحاب النفوذ، والاستثمار في الطاقة المتجددة والتفكير التدريجي للتخلي عن النفط كمصدر وحيد لإدارة البلاد.

تتبخر نسبة كبيرة من المياه المخزونة جراء ارتفاع درجات الحرارة، يجب التفكير بآليات جديدة في تخزين المياه، وانشاء محميات طبيعية لحماية المزيد من فقدان الأنواع، وكذلك تجديد القوانين البيئية وإدخال موضوع تغير المناخ في مناهج التعليم من أجل إنشاء أجيال جديدة واعية بالمخاطر المناخية وسبل مواجهتها.

 

كيف يمكن للمجتمع الدولي دعم العراق في مواجهة تحديات التغير المناخي؟

العراق بدأ يعيش لحظة تعاف وهمية ويطالب بإنهاء بعثة الأمم المتحدة (يونامي)، فيما لا يزال هناك الكثير للعمل عليه من ناحية آثار تغير المناخ، ناهيك عن المجالات الأخرى. قد يقوض هذا الطلب كل الجهود التي من الممكن بذلها لمساعدة العراق ووضع إستراتيجية بيئية له، خاصة في ظل وجود مؤسسات غير قادرة على تقييم الآثار ووضع الحلول المستقبلية.

 

هل يمكن توضيح الأثر المتوقع للتغير المناخي على الاقتصاد العراقي في المقبل من السنين؟ 

العواصف الغبارية وحدها تكلف العراق خسائر تقدر بمليارات الدولارات. في العادة يتم تقييم الخسائر عبر توقف حركة النقل والطيران والموانئ، ولكن ماذا بخصوص الأضرار الصحية وكذلك العواقب الخطيرة التي تتركها في التربة؟

ومن ناحية المياه، بدأ العراق يخسر الكثير من منتوجاته الزراعية. الأرز (نوع العنبر) على سبيل المثال وكذلك السمسم ومنتوجات أخرى. وقد تتسع القائمة وتشمل أنواعاً أخرى من دون سياسة بيئية من شأنها تقليل الخسائر.

 

ما الرسالة الرئيسية التي ترغب بإيصالها من خلال الكتاب؟

رسالة الكتاب ليس للعراق فحسب، بل إلى مجمل العالم العربي، وهي أننا نعيش على أرض لا تشاركنا الأنواع الحياة فقط، بل تسهم في توفير غذائنا وبقائنا، أي أن الأرض ليست لنا وحدنا؛ لذلك يجب حمايتها وحماية الأنواع عليها.

علينا نحن الصحافيون والناشطون إيصال مثل هذه الحقيقة الى المجتمعات واستعادة الشراكة بين المجتمع البشري وبين مجتمعات الأرض الأخرى. الحياة هي مثل سلاسل الغذاء، لو فقدنا حلقة واحدة منها، يختل توازن الحياة على الأرض.

 

هل لا يزال هناك في العالم العربي قراء مهتمون بالمواضيع البيئية في رأيك؟ أم أن الكتاب موجه للمتخصصين؟

مع الأسف القراءة في حالة يرثى لها في العالم العربي، وقد أسهمت منصات التواصل الاجتماعي بشكل كبير في ذلك، حيث هيمنت مقاطع الفيديو القصيرة والأخبار الخاطئة والمضللة على عقول الناس. لقد أصبحت الإثارة أسلوباً رائجاً لترويج المحتوى الصحافي، والمسألة الإيكولوجية لا تحتمل الإثارة".