صورة مركبة للكاتب اللبناني حازم صاغية- ارفع صوتك
صورة مركبة للكاتب اللبناني حازم صاغية- ارفع صوتك

في طفولته، تسلّل العراق إلى الكاتب والمثقف اللبناني حازم صاغية من باب "العروبة ووحدة العرب" وبسبب علاقة البيت الذي تربّى فيه بحزب البعث.

صاغية المولود عام 1951 في لبنان، حمل العراق في انشغالاته الثقافية والسياسية ما يقارب السبعين عاماً، وأسَالَ في الكتابة عن العراق وأحواله حبراً كثيراً، ترجمه في مقالات وتحليلات نقدية وكتب خصصها للعراق وتاريخه ومآلات مستقبله.

في  2003 بعد سقوط نظام صدّام حسين، أصدر صاغية كتابه "بعث العراق: سلطة صدّام قياماً وحطاماً"، الذي عرض حكاية حزب البعث في العراق منذ بداياته الأولى عام 1949 حتى سقوط النظام.

كما عرض تحليلاً لسياسات البعث ودوره في إحكام قبضته على الحكم في العراق وتأثيره "الكارثي" بحسب وصف صاغية، على حياة ملايين العراقيين.

"العراق أبعد من العراق في أسئلته وتحدياته، كما انطوت عليها قصة البعث- قصتنا جميعاً بمعنى من المعاني"، يكتب صاغية في مقدمة كتابه. حول هذا العراق، الأبعد من نفسه، يحلّ صاغية ضيفاً على "ارفع صوتك" في حوار موسّع، يتخلله قراءة نقدية لماضي العراق وحاضره، ومحاولة استشراف للتحديات المستقبلية التي تنتظره.

 

من أين حضر "الهمّ العراقي" إلى حازم صاغية، ولماذا يشغل حيزاً ليس بقليل من كتاباته؟

جاءني العراق من أمكنة كثيرة. أمّا المكان الأوّل فتلك القصص التي كانت تُروى في بيتنا عن قريب لنا، هو الكاتب الناصريّ اللاحق والراحل نديم البيطار. فهو سافر إلى العراق، ولم أكن قد وُلدت، طلباً للدراسة والعيش في ظلال الملك غازي بن فيصل الأوّل الذي شبّهتْه الخفّة والحماسة العربيّتان بغاريبالدي، وقيل إنّه سيوحّد "أمّتنا" على النحو الذي وُحّدت فيه إيطاليا.

فإبّان عهد غازي القصير وُصف العراق بأنّه "بيادمونت العرب"، من قبيل القياس على تلك الإمارة الشماليّة التي حكمها "بيت سافوي"، ومنها انطلقت حركة التحرير من النمسويّين تمهيداً للوحدة القوميّة الإيطاليّة. ويبدو أنّ نديم، الشابّ والقوميّ العربيّ المتحمّس، أصرّ بعد عودته على اعتمار "الفيصليّة" التي درج على لبسها حينذاك شبّان قوميّون عرب، وذلك وسط اندهاش أهل القرية ممّن لم يكونوا قد سمعوا بفيصل وغازي ولا لبسوا قبّعات من أيّ نوع.

كان لتلك المرويّات عن نديم ورحلته ممّا تداوله كثيراً أهل بيتنا، أن وسّعت مخيّلتي لبلد اسمه العراق يضجّ بصُورٍ ومعانٍ غائمة الدلالة إلاّ أنّها واضحة الوجهة، وما الوجهةُ تلك إلاّ العروبة ووحدة العرب التي يُحجّ إليهما هناك.

وبسبب علاقة بيتنا بالبعث، باتت أسماء نوري السعيد وعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف أسماء بيتيّة: الأوّل شتمناه، والثاني والثالث أحببناهما قبل أن نكرههما. والمشاعر حيال العراقيّين مشاعر عراقيّةٌ، بمعنى أنّها قويّة وحادّة ومتقلّبة، تماماً كما المشاعر الرومنطيقيّة.

وبشيء من التعميم أسمح لنفسي بالقول إنّ العراقيّ أشدّ العرب رومنطيقيّةً، وهو ما نلمسه في قسوته ورقّته، وفي أغانيه وأشعاره، وفي تديّنه إذا تديّن وإلحاده متى ألحد. وهكذا، حين حصل انقلاب 14 تمّوز الجمهوريّ في 1958، شعرت بفرح في بيتنا مردّه إلى أنّ أصدقاء جمال عبد الناصر أطاحوا نوري السعيد، صديق كميل شمعون. وحين حصل انقلاب 14 رمضان 1963، وكان لي من العمر ما يتيح لفرحي أن يستقلّ عن فرح أهلي، أحسست أنّ العراق مصدرُ ثأرنا من الانفصال السوريّ وممّا اعتبرناه خيانة الشيوعيّين وقاسم للقوميّة والوحدة العربيّتين.

وجاء اهتمامي بالعراق من تعرّفي إلى عراقيّين كثيرين في بريطانيا، كان أوّلهم الصديق الراحل فالح عبد الرحمن، ولم يكن آخرهم الصديق كنعان مكيّة. ومن خلالهم  تحوّلت المعرفة بالعراق إلى أشباح وكوابيس تُروى عن حكم البعث وعن أفعال صدّام حسين – "السيّد النائب" ثمّ "السيّد الرئيس" ثمّ "السيّد الله".

ومن خلال تجارب سياسيّين وحزبيّين أتيح لي أن أعرفهم عن كثب، كالصديقين الراحلين هاني الفكيكي، وهو بعثيّ سابق، وعامر عبد الله، وهو شيوعيّ سابق، بتُّ أملك ما يشبه توثيق الفظاعات التي يرويها عراقيّون آخرون أقلّ ضلوعاً منهما في السياسة. فهنا يعثر السامع والناظر على تجارب شاملة تتعدّى السياسة والعقائد إلى آلام البشر الشخصيّة ومآسيهم.

والشمول المذكور مرآةٌ تعكس حقيقة نظام صدّام بوصفه أقرب نماذجنا العربيّة إلى التوتاليتاريّة. ففي ذاك اللامعقول بدا مشروعاً أن يسأل المرء نفسه (هل يوجد فعلاً هذا الكائن المدعو صدّام حسين أم أنّ الإرث الميثولوجيّ لما بين النهرين هو ما يحضّ العراقيّين على اختراعه كيما يؤسطروا حياتهم؟).

وجاءني العراق أيضاً من شعر كثير، تقاسمَ أبياته شعراء انجذبت إلى قصائدهم في هذه المرحلة من حياتي أو تلك، لكنّ المؤكّد أنّ أشدّهم أثراً كان بدر شاكر السيّاب الذي لا يزال الحبّ لعراقه ولجيكوره يلازمني حتّى اللحظة.

من أرشيف وكالة رويترز- عام 1998
"كيف تطعم الديكتاتور؟".. طباخ صدام حسين يتحدث
لحظات رعب انتهت بـ50 دينار عراقي (ما يعادل 150 دولاراً في حينه)، وصدام حسين الذي يضحك ويبكي ويحاول إثبات ألا شبيه له، وصدام "الأفضل في عائلة التكريتي"، وحساء اللصوص أو "شوربة الحرامية" التكريتية، وقصة سميرة التي تركت زوجها لأجل صدام، والرجل الذي ظل واقفاً حين هرب الجميع، وغير ذلك.

"بعث العراق" ربما يكون الكتاب الأكثر تخصصاً في تأريخ ظاهرة البعث العراقي، وقد خصصت كتاباً آخر للبعث السوري. ما الذي يمكن أن يتعلمه قارئ من جيل الألفية الجديدة حول هذا التاريخ؟

 ما يمكنني التحدّث عنه هو ما تعلّمته أنا، وهو أنّ البعث كان أقوى جسورنا في المشرق العربيّ الآسيويّ إلى الكارثة التي لا نزال نرزح تحتها، كما كان، عربيّاً، ثاني أقوى جسورنا إليها بعد الناصريّة.

لقد جمع البعث بين حداثة الحزب والعقيدة وقدامة القبيلة والخرافة، ما جعله يُطبق علينا من جهات كثيرة. لكن ما يرعبني أنّ الدور الفظيع للبعث، بوصفه الطرف الذي صادر تاريخ العراق وسوريا، وأفسد البلدين وألغى احتمالاتهما، لا يستوقف الكثيرين بوصفه هذا، بل في أحيان كثيرة لا يستوقف بعض معارضي البعث وضحاياه ممّن لا زالوا يرونه حركة تحرّر أخطأت الوسيلة لكنّها لم تخطىء الهدف، أو يرونه قاطرة لهيمنة طائفيّة يُردّ عليها بهيمنة طائفيّة معاكسة.

 

هل خرج العراق من تداعيات حزب البعث، أم لا يزال يعاني؟

هذه أنظمة تدمّر الماضي والحاضر والمستقبل بيد واحدة: الماضي بكتابتها للتاريخ، والحاضر بقمعها وقهرها السكّان المواطنين، والمستقبل بتفتيتها المجتمع وسدّها باب الاحتمالات.

بهذا المعنى، لا أظنّ أنّ العراق يخرج "من تداعيات البعث" إلاّ بمباشرة واحدٍ من اثنين: إمّا مراجعة وطنيّة راديكاليّة صارمة تطال القواسم المشتركة بين البعث وخصومه، لا سيّما الأطراف الراديكاليّة الشيعيّة الموالية لإيران، أو تطوير الفيدراليّة العراقيّة وإكسابها مزيداً من الصدقيّة والجديّة، بحيث تبدأ كلّ واحدة من الجماعات حياتها السياسيّة في مواجهة أبناء جلدتها من قامعيها ومُضطهِديها بعيداً من التذرّع بالآخر الطائفيّ والإثنيّ. والخياران، للأسف، ضعيفان جدّاً.

 

هل كان يمكن لنظام البعث أن يسقط من دون غزو عسكري أميركي؟ هل كانت هناك طرق أخرى لإسقاطه؟

لا أظنّ ذلك، بدليل أنّ ذاك النظام عاش ما بين 1968 و2003، وخاض خلال تلك المرحلة عديد الحروب ولم يسقط. لكنّ هذا الواقع، على ما فيه من مأسويّة، لا يكفي لتبرير مبدأ التدخّل لإسقاط النظام، ولا يكفي خصوصاً لتبرير الأخطاء والحماقات الهائلة التي رافقت ذاك التدخّل.

 

 هل كان خاطئاً قرار "اجتثاث حزب البعث" الذي أصدره الحاكم الأميركي بول بريمر بعد سقوط النظام؟ وكيف يجب على العراقيين التعامل مع التركة الثقيلة للحزب؟

يصعب على من يسمّي نفسه ديمقراطيّاً أن يوافق على سلوكٍ أو إجراء اسمه "اجتثاث"، وبالنظر إلى تاريخ الأحقاد الطائفيّة التي رسّخها نظام صدّام، لم يكن من الصعب توقّع انقلاب ذاك الاجتثاث اجتثاثاً للسنّيّة السياسيّة في العراق.

فليكن بعثيّاً من يؤمن بـ"الوحدة والحريّة والاشتراكيّة"، ولا تكون يداه ملوّثتين بالدم والفساد. أمّا الحياة السياسيّة نفسها فتستطيع أن تتولّى تنظيف نفسها بنفسها. غير أنّ مبدأ كهذا يبدو اليوم بعيداً جداً بسبب التعفّن الذي يضرب الحياة السياسيّة والوطنيّة والإدارة الإيرانيّة النشطة لهذا التعفّن.

المؤرخ العراقي عادل بكوان: الميليشيات والفساد يهددان العراق
صدرت حديثاً عن دار "هاشيت أنطوان/ نوفل" النسخة المترجمة إلى العربية من كتاب المؤرخ وعالم الاجتماع العراقي-الفرنسي عادل بكوان. الكتاب صادر أساساً باللغة الفرنسية، وحمل بالعربية عنوان "العراق: قرن من الإفلاس من عام 1921 إلى اليوم"، وهو يوثق لمئة عام من تاريخ العراق الحديث. هنا حوار مع الكاتب.

 بعد أكثر من عشرين عاماً على سقوط البعث العراقي، لا يزال حضوره في الشارع العربي لافتاً، خصوصاً في الأردن ولبنان، حيث يمكن رؤية صور صدام حسين في كثير من الأماكن، كما أن "الترحم" على زمن صدام شائع على مواقع التواصل الاجتماعي. ما تفسيرك لهذه الظاهرة؟

لا أظنّ أنّ حضور البعث، كحزب وكأيديولوجيا هو الظاهرة اللافتة. اللافت أمران كثيراً ما يتقاطعان، أوّلهما شعور بالمظلوميّة السنيّة المحتقنة، وهو ما تتقاسمه الصداميّة مع الحركات الأصوليّة والراديكاليّة السنيّة على أنواعها. ومن هذه المظلوميّة تأتي فكرة التحدي ورد التحدي بوصفها "ديانة" أنتجها موت صدام وظروف إعدامه. وتزدهر نظرة كهذه على ضوء قراءة البعض مآسي سوريا ومآسي غزة بوصفها مآسي سنية لا يوجد طرف سني قويّ يرفعها عن كاهل السنّة.

أمّا الأمر الثاني فتلخّصه النتائج البائسة لتجربة العراق بعد تحريره من صدّام وحكمه، ما يرى البعض فيه سبباً وجيهاً للترحّم عليهما، إذ هل يُعقل احتمال كلّ تلك المآسي وبذل كلّ تلك الأكلاف للوصول إلى بلد على هذا النحو؟

 

يُعتبر العراق اليوم في أكثر فتراته السياسية ما بعد ٢٠٠٣ "استقراراً"، بعد سنوات من العنف والفوضى. ما التوازنات التي أرست هذا "الاستقرار" النسبي برأيك، وهل يمكن البناء عليه؟

لا أظنّ ذلك لأنّ هذا "الاستقرار" تعبير عن تجميد للحياة السياسيّة، وهو مقرون بجعل طهران مصدر التحكيم الأخير في الشأن الشيعيّ. أمّا عنصر الإزعاج الذي مثّلته انتفاضة أواخر 2019 فعُطّل بالقوّة، فيما المكوّنان الآخران، الكرديّ والعربيّ السنّي، يلزمان الحدود التي أملاها تقسيم العمل القائم.

 

تحضر في العراق أزمة إنتاج النخب السياسية السنية، في وقت يبدو أن التطرف والإرهاب يملآن، في أحيان كثيرة، الفراغ الذي يتركه غياب هذه النخب. ما سبب عدم قدرة العراق على إنتاج زعامة سنية منذ سقوط صدام، وهل الخيارات محدودة إلى هذه الدرجة؟

يشبه وضع السنية السياسيّة العراقيّة وضع المسيحية السياسية اللبنانية قبل خروج الأمن والجيش السوريين من لبنان سنة 2005، أي التهميش الذي يبتر العلاقة بالسياسة كما يبتر الحراك السياسيّ في داخل الجماعة المهمّشة.

وأظنّ، مع توسّع حالة المَيْلَشَة في العراق كما في عموم المشرق العربي، أن السياسة تغدو أقرب إلى الاستحالة، ولا يتسع المجال، إذا اتسع، إلاّ للمداخلات المتطرفة الإرهابية وشبه الإرهابية.

لقطة من الوثائقي
"مسرحة الرعب" لدى صدام حسين.. صناعة الديكتاتورية بأعواد المشانق
أثر هذه الاعدامات ترك صداه على أجيال عراقية لسنوات قادمة، اذا تكتب هاديا سعيد في كتابها "سنوات مع الخوف العراقي" أنها كانت تسمع كلمة الإعدام "تتكرر مع رشفة استكان الشاي ومجة السيجارة وأمام صواني الطعام وبين سطور ما نقرأ أو نكتب". وتتابع أن الخوف "التحم بالنبضة والنظرة"،

 تحل في العراق هذه الأيام الذكرى العاشرة على اجتياح داعش، والذكرى السابعة على تحرير مدينة الموصل. هنا تحضر إشكالية الأقليات ومصائرها، هل يمكن للعراق أن يتعافى ويستعيد تنوعه الإثني والطائفي. أم أن المسألة أبعد من داعش؟

كانت "داعش" تعبيراً مكثفاً وحاداً وشديد البدائية عن انسداد أبواب السياسة، وعن اتخاذ المنازعات شكلاً يجمع بين العنفية وتعدي الإطار الوطني. وواقع كهذا يُستأنف بأشكال ألطف، والجميع يدفعون أكلاف ذلك، لا سيما الأقليات الأضعف والأصغر، خصوصاً في ظل تماسك جماعة الأكثرية (الشيعيّة) وتسلحها وتواصلها المباشر مع إيران، فضلاً عن الوعي الطائفي النضالي لفصائلها.

 

في المسألة الكردية، كيف تقيم تجربة الحكم الذاتي وعلاقة أربيل بالحكومة الاتحادية في بغداد. وهل يشكل العنصر الاقتصادي مأزقاً لفكرة الاستقلال الكردي؟

هناك سياسة من التحايُل على الحقوق الفيدراليّة للكرد، والمالُ بعض أشكال هذا التحايُل الذي يستكمله الابتزاز الآيل إلى استضعاف الكرد عبر تعييرهم بعلاقاتهم مع الولايات المتّحدة واتّهامهم الذي لا يكلّ بعلاقات مع إسرائيل.

في الوقت ذاته، وهو مصدر لارتفاع أسهم التشاؤم، لم ينجح الكرد في بناء تجربة أرقى من تجارب العرب، تجربة تكون أقلّ قرابية واعتماداً على الرابط الدموي مع ما يتأدى عن ذلك من إضعاف للشفافيّة، أو أقدر على توحيدهم من السليمانيّة إلى أربيل في نموذج بديل واعد.

هذه حال مدعاة للأسى، لكن ليس لليأس، لظنّي أنها قابلة للإصلاح والاستدراك في زمن لا يطول كثيراً، أو أن هذا ما آمله وأرجوه.

 

كيف تقرأ الدور الإيراني في العراق؟ وهل ترى أن العراق يشكل جبهة جدية من جبهات محور الممانعة؟

لا نبالغ إذا قلنا إنّ الدور الإيرانيّ في العراق يعادل منع العراق من التشكّل. أما جرّه لأن يصير جبهة من جبهات الممانعة فجديته الأكبر تكمن في هذا الهدف بالضبط، أي في إبقائه بلداً متعثّراً ومتنازعاً داخلياً ومرتَهَناً لطهران، أمّا إذا كان المقصود بالجدية فعاليته العسكرية كجبهة ممانعة فهذا ما تحيط به شكوك كثيرة.

وفي هذا لا تُلام إيران بل يُلام العراقيّون الذين تسلّموا في 2003 بلداً كبيراً يملك شروط القوّة والغنى، فأهدوه إلى جيرانهم. وهي واقعة تنبّه مرة أخرى إلى مدى تغلّب الرابط المذهبيّ العابر للحدود في منطقة المشرق على الرابط الوطنيّ.

 

هل من دور تلعبه دول الخليج العربي في العراق لموازنة الحضور الإيراني؟

لا أعرف. أظن أنها، من خلال متابعة إعلامها وفي حدود ما هو متاح لها دبلوماسياً، تحاول ذلك.

FILE - In this July 4, 2017, file photo, fleeing Iraqi civilians walk past the heavily damaged al-Nuri mosque as Iraqi forces…
العراق و5 قضايا عالقة منذ تحرير الموصل
لا تقتصر تركة التنظيم الإرهابي داخل العراق، على العبوات الناسفة والذخائر، بل تتجاوز ذلك إلى ملفات عالقة كثيرة، بينها ملف إعادة الإعمار وعودة النازحين وإنهاء محاكمة مقاتلي التنظيم، وحلّ معضلة مخيم "الهول" الذي يضم عائلات وأبناء وزوجات "داعش"، من دون أن ننسى خطر الخلايا النائمة للتنظيم التي لا تزال تشكّل تهديداً لأمن العراق والأمن العالمي.

بعد هجوم السابع من أكتوبر في إسرائيل، عاد إلى الواجهة الحديث عن الإخوان المسلمين في العراق، واتصالهم بالقضية الفلسطينية. هنا يحضرني سؤالان: الأول عن علاقة العراق بالقضية الفلسطينية وهل هي في صلب اهتمامات الشارع العراقي أم أنها مادة للاسثمار السياسي؟ والسؤال الثاني: هل ترى أن تجربة "الإخوان" ممكنة في عراق اليوم؟

بطبيعة الحال يتفاعل العراقيّون بقوّة، شأنهم شأن باقي المشارقة، مع القضية الفلسطينية. لكنني أظن، وفي البال تاريخ الحقبة الصدامية وما تلاها من أعمال ثأرية وعنصرية نزلت بفلسطينيي العراق، أنّ المسألة الطائفية هي التي تقرر اليوم هذا التفاعل، وهي التي توظفه بما يلائمها.

أليس من المريب أن البيئة التي هاجمت الفلسطينيّين في 2003 و2004 واتهمتهم بالصدامية كما أخذت على صدام إهداره أموال العراقيين على فلسطين والفلسطينيّين، هي التي تخوض اليوم معركة غزّة!؟ أمّا الإخوان المسلمون العراقيون فلا أملك اليوم ما يكفي من معلومات عن أحوالهم بما يتيح لي الرد على السؤال، لكنّني أظن أن فرصة لعب الإخوان دوراً أكبر متاحة وممكنة مبدئياً في ظل غياب قوى سياسية سنية منظمة وفي المناخات التي تطلقها حرب غزة ودور حركة حماس ذات الأصل الإخواني فيها.

إذا أجريتَ مراجعة نقدية لرؤيتك السياسية حول العراق، هل ترى أنك اخطأت في مكان ما؟ أين؟

بطبيعة الحال أخطأت كثيراً. فإذا كان المقصود أطوار الماضي، حين كنت متعاطفاً مع الناصرية والبعث ثم إبان ماركسيتي، فكلّ ما فعلته وقلته كان خطأ. وأمّا إذا كان القياس على وعيي الراهن، أي ما يعود إلى قرابة 45 عاماً إلى الوراء، فأظن أن الأخطاء لم تكن من نوع "إستراتيجيّ" إذا صحّ التعبير، بل طالت درجات الحماسة والاندفاع وسوء التقدير في بعض الأحيان.

 

برأيك هل يمكن للعراق أن يستقر ويأخذ سيادته الكاملة في ظل تجربة ديمقراطية رائدة، أم أن الأوان قد فات على ذلك؟

ليس هناك ما "يفوت" في ما أظن، لكن الحديث في المستقبل هو ما تعلمنا التجارب أن نتروى ونتردد كثيراً فيه. ما يمكن قوله إن تجارب كبرى فاتت وتعويضها يستلزم جهوداً جبارة لا يبدو لي أن ثمة ما يشير إليها أو يوحي بها راهناً.

مواضيع ذات صلة:

الشيخ حسن فرحان المالكي/ يوتيوب
الشيخ حسن فرحان المالكي/يوتيوب

حاوره خالد الغالي:

حسن فرحان المالكي، أحد أكثر الباحثين إثارة للجدل في المملكة العربية السعودية. اشتهر بنقاشاته الدينية في قضايا حساسة مثل عدالة الصحابة، ما تسبب له في مشاكل كثيرة. اعتقل في تشرين الأول/أكتوبر 2014 قبل أن يفرج عنه، لكنه ما زال لحد الساعة ممنوعا من السفر خارج السعودية.

(إرفع صوتك) حاوره في موضوع القضايا الخلافية في التراث الشيعي والسني وكيف يمكن تجاوزها لتحقيق التعايش.

يعيش العالم الإسلامي الكثير من التوتر بين الشيعة والسنة، بعض أسبابه سياسية لكن الأخرى تاريخية فقهية. كيف يمكن تجاوز هذا التوتر؟

الحل هو إخضاع المذهبين للقرآن الكريم ومشتركاته وقطعياته، مثل الصدق والعدل وحسن المعاملة وأداء الحقوق. المذهبان معا فيهما معتدلون ومتطرفون، لكن فوق هؤلاء جميعا القرآن بخطوطه العريضة وما تنص عليه من حفظ الحقوق. هذه الخطوط العامة أمضى بها النبي مجتمعا فيه من التناقض أكثر مما هو حاليا بين الشيعة والسنة. كان في ذلك المجتمع منافقون ومؤمنون، ومع ذلك سيّره النبي. فعودة المذهبين إلى قطعيات القرآن وأصوله العامة وإبقاء الخلافات في الجوانب الفكرية، هو الحل لنزع التوتر.

لا نريد محاربة الفكر، فمن حق السنة والشيعة أن يعبروا عن آرائهم، لكن ليس من حقهم أن يعطلوا المشتركات القرآنية الجامعة.

هذا عن الحل، ماهي في رأيك القضايا التاريخية والفكرية التي يتضمنها تراث الطرفين، في أمهات الكتب عندهما، والتي تشكل أصل التوتر؟

أنا عندي خبرة بالتراث السني، بحكم أني سني، ولا أعرف كثافة هذه القضايا في التراث الشيعي. السنة مختلفون، التيار الحنبلي مثلا أكثر تطرفا من التيار الشافعي أو المعتزلي أو الصوفي.

ما المشكلة في التيار الحنبلي؟

التكفير واستباحة الدماء، وهذا أسوأ ما في المذاهب، وهو خاصة –فيما أعرفه أنا – في المذهب السلفي الحنبلي. قد يكون في التيارات الأخرى أشياء مثل هذا، لكنها غير موظفة حاليا. فعلى ما نرى ظاهريا مثلا في القنوات والخطب (الشيعية) أن الشيعة يخضعون للمجتهد المعاصر وليس للتراث، بينما للأسف عندنا نحن السنة كلما كان الشخص متقدما في الزمن كلما كان أكثر حجة. ابن تيمية عندنا أكثر حجة من مفتى الأزهر أو السعودية، بينما في المذهب الشيعي لا تؤخذ الفتوى إلا من المجتهد المعاصر، وهذا أسهل فيما يتعلق بالحوار.

هل يجعل هذا المذهب الشيعي أكثر قابلية للتطور؟

هذا صحيح. وهذه شهادة لله، فمع أنّني سني النشأة والتعليم، أرى أن المذاهب الشيعية والزيدية والإباضية تجاوزت التراث إلى حد كبير، بينما المذهب السلفي ما زال غارقا في التراث وما يتضمنه من تطرف.

انتقدت كثيرا المذهب الحنبلي بخصوص الموقف من الشيعة، هل هناك فعلا تكفير صريح لهم فيه؟

هناك ما هو أسوأ من التكفير، وهو استباحة الدماء. قد تجد السلفية يقولون إن فلانا مبتدع وضال يجب أن يقتل. عبارة "يجب أن يقتل" أو "يستتاب وإلا قتل" أسوأ من كلمة "كافر". المسلمون يتعايشون مع أتباع ديانات أخرى يرون أنهم غير مسلمين أو كفارا، لكنهم لا يرون استباحة دمائهم. عندنا في السعودية ودول الخليج عمالة هندوسية وبوذية وزرادشتية، ومع ذلك لا أحد يرى استباحة دمائها، فلماذا لا ينقل هذا إلى المسلم المخالف. هل الأخطاء الفكرية عند الفرق المخالفة، مثل الإباضية أو الشيعة، أكبر من الأخطاء الفكرية عند غير المسلمين؟

سألتك عن التكفير الصريح للشيعة في المذهب الحنبلي.

نعم. عند المتطرفين، هناك تكفير للشيعة والمعتزلة والصوفية والأشاعرة ولكل المسلمين. عند السلفيين المتطرفين هناك تكفير لكل المسلمين إلا المذهب السلفي. أكرر: عند المتطرفين. لكن هناك معتدلون يبدعون فقط ويضللون، لكن النتيجة الحقوقية واحدة وهي أن الجميع يجب أن يقتل عند هذا المذهب. هذه مشكلة. أنا عندي أن تتهمني أنني كافر وتبقيني حيا أفضل من أن تتهمني بالابتداع فقط وتقتلني. إشكالية المذهب السلفي الوهابي هي في القتل قبل التكفير. وبالتالي لا يجب أن يضللونا ويقولوا إن التكفير موجود أيضا عند الإباضية والشيعة والزيدية، نقول لهم ولكنهم لا يرون استباحة الدماء.

عفوا، لكن في المذهب الشيعي هناك أيضا تراث ينص على أن من لا يرى الإمامة كافر، وهناك نصوص ترى استباحة الدماء؟

كما قلت سابقا، هذا التطرف وإن كان موجودا عند إخواننا الشيعة، إلا أن ما نسمعه من المفتين المجتهدين المعاصرين، كالخامنئي والسيستاني ومحمد حسين فضل الله (توفي سنة 2010) هو أنهم تجاوزوا هذا التراث. لكن المشكلة في التراث السلفي هو أن الفتاوى لا تزال مفعلة. التراث بشكل عام مفعل عند السلفية أكثر مما هو الشيعة. هذا مع إدانتي لجميع الفتاوى المنتهكة للحقوق.

لكن هناك تنظيمات شيعية مسلحة في العراق وسورية، ما تزال تتهم بأنها تقتل على المذهب؟

إذا كانت موجودة يجب أن تدان. وأنا من كثرة ما أجد من الكذب على الشيعة في مجتمعي أصبحت لا أصدق كثيرا من مثل هذه القصص، لكن إن وجد مثل هؤلاء الأشخاص يجب أن يواجهوا وأن يحاكموا.

إذا كان الشيعة استطاعوا، كما تقول، تجاوز الكثير مما في تراثهم، لماذا لم يستطع السنة ذلك؟ ما الخلل المنهجي؟

التقليد، تقليد الميتين في زمن غير زمنهم. هذا بعكس الاعتماد على المفتى المعاصر، الذي على الأقل يكتسب خبرات ووعيا بالواقع، بالإضافة إلى أنه في المذهب السني هناك اختيار سياسي للمفتي وليس اختيار علميا وفق درجات فقهية ثقافية. قد يقوم الحاكم باختيار مفتي له موالاة، لكن ليس عنده تقوى أو تحفظ من استباحة دماء المخالف.

هل تعتقد أنه لو كان للعالم السني مؤسسة المرجعية، كما عند الشيعة سيكون الوضع أفضل، ويحول دون تشظي الفتاوى.

بالتأكيد هذا أفضل، على أن يكون ترشيح هذه المرجعيات من أهل العلم أنفسهم، وليس من السلطة. شهدت مرة في لبنان كيف اختار الإخوة المسيحيون بطريرك الكنيسة، وكيف عملوا جلسات مطولة بين أهل العلم ثم خلوا للدعاء حتى يختاروا الأفضل. رأيت هذه المنهجية ولعلها أفضل من المنهجية عند المسلمين عامة، والتيار السلفي خاصة. مشكلة السلفية أنهم لا يرون الحوار مع الآخر ولا يؤمنون به. سابقا في عهد الملك عبد الله، كان الملك يجبرهم على الحوار مع المذاهب والديانات الأخرى. إجبار السلطة للسلفية على الحوار هو الواجب، ما دام الاختيار السلطاني للمفتين هو القائم حاليا.

من داخل التيار السلفي، من هي الشخصيات التي تراها صالحة لتلعب دورا في الحوار؟

الشريف حاتم العوني مثلا. هو شخصية سلفية لا يزايد عليها أحد، وعنده انفتاح واستعداد وشجاعة للحوار مع الآخر.

هل يمكن لشخصيات مما عرف في التسعينيات بتيار الصحوة الإسلامية، مثل سلمان العودة وعايض القرني ومحمد العريفي، أن تقود الحوار مع الشيعة؟

ربما بعضهم، لكن عامتهم سلفية لهم نفس الأيديولوجيا القائمة على أن الطرف الآخر لا يمكن الحوار معه.

من تقصد ببعضهم؟

سلمان العودة مثلا، إذا تخلص من جمهوره ومن مجاملة التيار المحلي يمكن أن يكون محاورا جيدا. أما البقية مثل العريفي أو القرني، فلا. هم وعاظ لهم جمهور نتيجة دغدغتهم لعواطفه بالسياسة والمذهبية، لكن سلمان العودة مؤهل للحوار لو تخلص من جمهوره ومحيطه. حتى يوسف القرضاوي، الذي يخلط بين السلفية والفكر الإخواني، وقد رأينا حواره مع الراحل هاشمي رفسنجاني، ليس مؤهلا للحوار مع الشيعة.

المفترض في المحاور للشيعة أو غيرهم أن يبدأ الهرم من أعلاه، بالمشترك الإنساني ثم الديني ثم المذهبي إن وجد، أما أن يأتي كتلة واحدة غير مستعد للتنازل عن تفاصيل الأمور الصغيرة، فلا.

مثلا عند الحوار مع الشيعة، ليس هناك استعداد سني للتنازل عن معاوية، فكيف تريد من الشيعة أن يتنازلوا ويترضوا عن أبي بكر وعمر وعثمان، إذا كنت أنت لا تريد التنازل عن رجل مثل معاوية، هو مؤسس الملك العضوض، والنصوص السنية نفسها تذمه. موضوع الخلاف بين الصحابة أصلا لماذا لا يتم تجاوزه أو تأجيله. قضية الصحابة وأهل البيت قضية تاريخية يجب أن نتجاوزها. السلفيون لا يستطيعون ذلك. لا يستطيعون تجاوز موضوع خلق القرآن أو موضوع الصفات. ولا يستطيعون أن يتنازلوا عن قضية واحدة من قضايا الفكر السلفي. ليس المطلوب التنازل بمعنى التخلي، بل فقط أن تؤمن بأن الآخر موجود.

هناك أيضا شيعة لا يستطيعون تجاوز مسألة الإمامة أو ذم الصحابة بدعوى أنهم انتزعوها من الإمام علي؟

نعم صحيح. أصل الخلاف السني الشيعي هو هذا، أنصار الغدير في مواجهة أنصار السقيفة. لكل من الطرفين رأي. لكن فوق هذا الرأيين، يجب أن يكون التعايش. لماذا يتعايشون مع البوذيين والنصارى والزرادشتيين، ولا يتعايشون مع بعضهم! من أجل تحقيق هذا هناك خطوتان: الأولى تفعيل المشتركات، والثانية بحث الخلافات في مراكز بحثية وحوارية بعيدا عن الجمهور.

من أجل تجاوز الخلافات، يوجد هاجس نفسي كبير يتمثل في مساءلة بعض ما هو موجود في أمهات الكتب عند الفريقين.

في الحقيقة، لا أرى أن الفريقين متساويان. الشيعة تجاوزوا جزءا من تراثهم إلى حد كبير، وهناك تأصيل لهذا التجاوز قاده شيوخ مثل كمال الحيدري (يقيم في إيران، وهو مرجعية عراقية)، ومحمد حسين فضل الله في لبنان. علي السيستاني قال "السنة هم أنفسنا"، فهل يستطيع مفتي آخر من السنة، خاصة في الخليج، أن يقول مثل هذا؟

هناك خطوات من الشيعة يجب أن لا تنكر. النسبية مطلوبة، ومن العدالة أن نقول ذلك. وبالحديث عن مراجعة التراث وأمهات الكتب، هناك باحثون شيعة في إيران أخضعوا كتاب الكافي (أحد الكتب الأربعة الأهم عند الشيعة الاثني عشرية) للبحث، وأخرجوا ضعيفه وصحيحه، بل ضعفوا أغلبه. هل عندنا باحث سني أخرج ضعيف البخاري؟! حتى ابن تيمية، وهو متأخر، ما زال يقدس عند التيار السلفي، وهو رجل متطرف جدا، لديه فتاوى في القتل حتى على أحكام صغيرة مثل الجهر بالنية في الصلاة. هناك 250 موضعا في كتبه كلها "يستتاب وإلا قتل"، وهي كلها باطلة. لا يوجد شيء في الإسلام ولا في القرآن شيء اسمه الاستتابة. هناك عرض للتوبة فقط لا فرض لها.

أثرت سابقا موضوع الشيخ القرضاوي، لكنه في الواقع قاد حوارا مطولا مع الشيعة، تحت يافطة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وكان نائبه في الاتحاد هو محمد علي تسخيري من إيران وهو شيعي.

لم أتابع هذا الحوار، لكن الذي أراه أن القرضاوي –وأنا من محبيه- ارتد إلى التطرف. في أول حياته العلمية، كان معتدلا في قضايا كثيرة كالتواصل مع الآخر وحقوق المسيحيين في مصر وموضوع الغناء وكشف الوجه. لكنه في الفترة الأخيرة، مع بقائه في قطر، عاد واعتذر لأنه لم يكن مثل هيئة كبار العلماء السعودية.

هو قال إن فترة الحوار لم تأت بما كان مرجوا منها...

للأسف. القرضاوي ضعيف، وجماعتنا عندهم ضعف علمي وخوف من الطرف الآخر لأنهم يكتشفون أن عنده أدلة. وهذا نتيجة استفراد المذهب السني عبر التاريخ، وشعوره بأنه ليس محتاجا للحوار مع الشيعة والمعتزلة، بينما هؤلاء يشعرون بأنهم في حاجة إلى الحوار مع السنة، لذا هم أعلم بالتراث السني. أما نحن فليس لنا نفس العلم بالتراث والحجج الشيعية والاعتزالية. إنما نحن نعتمد على تلوين حججهم حتى نستطيع أن نرد عليها.

مثلا في مسألة الصحابة، نحن لا نقرأ إلا أن الشيعة يكفرون الصحابة ولا نقرأ أن القرآن أخبرنا أن الصحابة فيهم خبيث ومنافق، في مثل قوله عز وجل "ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب". هذه الآية تدل على أن في الصحابة الخبيث والطيب. جماعتنا لا يعترفون بهذا، عندهم الصحابة كلهم عدول. فإذا استخرج لهم الشيعي هذه الآية أو آية "إذا جاءكم فاسق بنبأ" أو "لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون"، يشعرون أن ليس لديهم حجج للرد عليها، فينكفئون على أنفسهم ويعتبرون أن لا حاجة للحوار مع الشيعة. في المقابل، الفرق الأخرى، ولأن التيار السني وهو الحاكم، دربت نفسها على التعامل معه وقراءة كتبه.

الأزهر، باعتباره أعرق المؤسسات الإسلامية السنية، هل يمكن أن يقود الحوار مع الشيعة؟

كان الأزهر يمكن أن يقوم بهذه المهمة أيام الكبار أمثال محمد عبده رفاعة الطهطاوي ومحمد شلتوت. أما الآن بعد أن فسد وصار نصفه سلفيا منغلقا وانكفأ نحو التراث السلفي وترك التراث العقلاني، إضافة إلى الضغوط السياسية، فظني أنه لا يمكن له أن يقوم بهذا.

في المقابل، ما هي الشخصيات الشيعية التي يمكن أن تقود الحوار مع السنة؟

الشيخ حيدر حب الله من إيران مثلا، وله رسالة في جامعة طهران في نقد معنى السنة عند الإمامية. كمال الحيدري، وصائب عبد الحميد. في الجانب السني هناك الشيخ خالد الملا رئيس الوقف السني في العراق، الشيخ ماهر محمود من لبنان، الشريف حاتم العوني في السعودية، إسلام بحيري في مصر، وعدنان إبراهيم.

أنتم الدعاة الجدد، مثل عدنان إبراهيم وحسن المالكي، هل قمتم بخطوات في موضوع الحوار السني-الشيعي؟

نعم، قمت منذ وقت طويل بحوار مع الإخوة الشيعة، ولا يزال موجودا في منتدى هجر الثقافي. لكن شعوري بأن الفريق الشيعي مستضعف عندنا في السعودية يجعلني لا أتحمس للحوار مع مستضعف، إضافة إلى أنني ممنوع من السفر خارج السعودية، فلا أستطيع أن أذهب إلى لبنان مثلا وأقيم حوارا مع الشيعة.

لكن  على الأقل مع العلماء الشيعة المعروفين في السعودية، مثل الشيخ حسن الصفار.

عندي معرفة بالشيخ حسن الصفار، وبيننا تلاق فكري كبير. هو لديه حركة نقدية داخل التراث الشيعي، مثلما عندي حركة نقدية داخل التراث السني. أجد أن الشيخ حسن الصفار، لو كان عندنا تسامح، لكان في هيئة كبار العلماء. المفترض أن هيئة كبار العلماء يجب أن تكون من جميع المذاهب الموجودة في البلد. بيني وبين الشيخ حسن معرفة وتبادل زيارات. ولا أشعر بالخلاف معه، لا نفسيا ولا ثقافيا، مثلما أشعر بالخلاف مع صاحبي السلفي رغم أن مدرستنا واحدة. السلفي منغلق على نفسه ولا يتحاور، بينما الشيخ حسن وأمثاله تجدهم يحفظون الحقوق ويقبلون أن تختلف معهم.

ألا ترى أنك اكثر تحاملا على السنة من الشيعة؟ معظم انتقاداتك تخص بها التيار السني؟

ممكن. أنا لا أبرئ نفسي من ردة الفعل. أنا داخل مجتمع ضاغط وتعرضت منه لمظالم كثيرة. وأدرك أخطاءه أكثر. ولو كنت أعيش في العراق او إيران، ربما كنت شديدا على الفريق القوي المؤثر هناك. التراث السلفي أعلمه ودرست مصادره وكتبه، وأستطيع أن أتحدث عنه بعلمية. الجانب الشيعي قد يكون له عرض جيد على القنوات، وقد يكون أذكى. ولكن ربما، كما أشرت أنت، قد تكون هناك طوائف شيعية في العراق مثلا تقتل على المذهب، فحينها لو كنت عراقيا لكنت شديدا على الشيعة هناك لأنهم الطرف القوي.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659