إبراهيم رئيسي

على مدى 12 عاما لم يزر أي رئيسي إيراني سوريا، رغم أن طهران واحدة من أبرز حلفاء النظام السوري الذين ترجموا دعمهم المطلق لحمايته من السقوط، ومع البيان الحديث للناطق باسم الخارجية الإيرانية، من المقرر أن يكسر إبراهيم رئيسي هذه "القاعدة" التي سادت لسنوات طويلة، دون أن تُبرر بأي تصريح رسمي.

ولا يعرف بالتحديد، حتى الآن، متى سيحط رئيسي في العاصمة السورية دمشق، بينما قال الناطق باسم الخارجية، ناصر كنعاني، الاثنين، إنه "يجري التخطيط لهذه الزيارة التي سيقوم بها الرئيس الإيراني إلى سوريا وتركيا أيضا، بعد تلقيه دعوتين من هذين البلدين".

ويعود تاريخ التدخل الإيراني في سوريا لدعم نظام الأسد بعدما انطلقت الثورة السورية في 2011 إلى النصف الثاني من 2012، حسب تقارير متقاطعة. ومنذ تلك الفترة تعاقب على منصب الرئاسة في إيران ثلاثة شخصيات، الأولى لم تعاصر المشهد كثيرا مثل محمود أحمدي نجاد، ليعقبه حسن روحاني لولايتين، ومن ثم إبراهيم رئيسي، الذي وصل إلى السلطة في يونيو 2021.

وخلال فترة توليه السلطة لم يردد أحمدي نجاد أو أوساطه المقربة أي تصريحات تتعلق بنيته زيارة دمشق للقاء رأس النظام بشار الأسد الذي كان على وشك "السقوط"، لكنه في المقابل لطالما اعتبر أن "انتصار المعارضة في سوريا سيمثل تهديدا للمنطقة برمتها"، وجاء ذلك في وقت كانت فيه الخرائط تتغير لصالح فصائل "الجيش السوري الحر"، آنذاك بصورة متسارعة وكبيرة.

وبعدما تولى حسن روحاني منصب الرئيس في أغسطس 2013، وفي حين بقيت رواية طهران المساندة للأسد على حالها، بل وازدادت حدتها على نحو أكبر، تباينت نية زيارته سوريا بين عدة تصريحات، كان آخرها في مارس 2019، إذ قال السفير الإيراني في دمشق، جواد تركابادي حينها، إن "زيارة روحاني قد تجري في وقت قريب إن شاء الله". وهو الأمر الذي لم يتم.

وعلى اعتبار أن ذات السياق ينطبق بجزء على ما ساد بعد فترة تولي إبراهيم رئيسي، إلا أن الظروف قد تغيّرت بحسب مراقبين، رغم أن الخطوة التي قد يقدم عليها الرئيس الإيراني كانت قد ترددت لمرتين ولم تتم أيضا، أولها في أواخر عام 2021 والثانية قبل أيام من نهاية 2022.

سليماني والأسد في الواجهة

وفي أعقاب ترجمة إيران لدعمها للأسد على الأرض في النصف الثاني من العام 2012، من خلال الزج بميليشيات كثيرة تصدّر اسم "الحرس الثوري" الإيراني كثيرا، وقائده السابق قاسم سليماني، الذي قتل بضربة جوية أميركية في العاصمة العراقية بغداد مطلع 2020.

وأعطى هذا، بالإضافة إلى زيارات سليماني المتكررة إلى دمشق ومناطق أخرى في شرق سوريا وشمالها،مؤشرا على أن الملف السوري عسكريا كان بعهدة "الحرس الثوري"، فيما لم يقطع ذلك المسار الدبلوماسي، الذي خاضه وزراء مختلفون من الخارجية والاقتصاد، بزيارات مكوكية، وعلى مدى السنوات الماضية.

في المقابل، وبينما كان رئيس النظام السوري، في بدايات الثورة وما تبعها من تحوّل الحراك إلى مسلح، قليل التحرك، كسر هذه النمطية بزيارة إلى طهران في فبراير عام 2019، إذ التقى حينها نظيره حسن روحاني والمرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي.

وأعاد الأسد الزيارة للمرة الثانية في شهر مايو من العام 2022، ملتقيا في طهران نظيره الحالي إبراهيم رئيسي، وأيضا علي خامنئي، كخطوة لـ"توثيق العلاقات".

ووفق مراقبين، لا يمكن تقييم الأسباب التي تقف وراء عدم زيارة رؤساء إيران إلى سوريا، إلا من خلال تقسيم السنوات الماضية من الحرب في البلاد إلى فترات. وهذه الفترات اختلفت فيها الظروف الأمنية والسياسية والعسكرية من جهة، وكذلك الأمر للشخصيات، التي انحصرت ضمن نطاق الثلاثة.

علاوة على ذلك، وفي حين لعب "العامل الأمني والمخاوف المرتبطة به" دورا رئيسا برزت هناك أسباب، منها ما تعلق بنظرة "العقل الإيراني إلى النظام السوري وسوريا"، وأخرى بمحددات داخلية وبـ"القاعدة الشعبية"، فضلا عن الدور الذي كان يلعبه بالتحديد "الحرس الثوري" الإيراني.

ويشرح الخبير في الشؤون الإيرانية، حسن هاشميان أن الثورة السورية بدأت في أواخر رئاسة أحمدي نجاد، وأن هذا الشخص "كان في ذروة خلافاته مع خامنئي"، ولذلك "لم يزر سوريا".

بعد أحمدي نجاد جاء حسن روحاني، وكان من المعارضين لتقديم أموال لبشار الأسد، بينما تركّزت سياسته الخارجية على الملف النووي والاقتراب من الغرب، وخاصة الاتحاد الأوروبي.

ويقول هاشميان لموقع "الحرة" إن "وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف من المعارضين لسياسة روسيا وأعلنها مرات عدة، وكان لا يرغب بدعم مباشر وعلني لبشار الأسد، وعندما دعا قاسم سليماني الأخير إلى طهران دون علمه، قدم استقالته".

ويشير حميد رضا عزيزي، وهو باحث إيراني في السياسة الخارجية الإيرانية والأمن في الشرق الأوسط، إلى أنه وعندما كان حسن روحاني رئيسا "كانت هناك خلافات بين إدارته والحرس الثوري الإيراني".

وبالنظر إلى أن سياسة إيران تجاه سوريا يحددها "الحرس الثوري"، وليس وزارة الخارجية، "لم يكن روحاني مهتما حقا بزيارة سوريا".

ويضيف الباحث لموقع "الحرة": "حتى أن زيارة الأسد الأولى لطهران في عام 2019 تم تنسيقها من قبل الجنرال قاسم سليماني، ولم يتم إبلاغ روحاني إلا عندما وصل الأسد بالفعل إلى طهران".

ومع ذلك يعتقد حميد رضا عزيزي أن عدم زيارة الرؤساء الإيرانيين إلى سوريا قد يكون "أمرا طبيعيا"، على اعتبار أن سوريا كانت في معظم السنوات الماضية في حالة حرب، وكانت هناك مخاوف أمنية تمنع الرئيس الإيراني من زيارة البلاد.

ولم يزر أي رئيس دولة آخر سوريا في العقد الماضي، باستثناء الرئيس الروسي بوتين. وحتى في هذه الحالة التقى بوتين بالأسد في منشأة عسكرية روسية، وليس في القصر الرئاسة.

ولذلك، يرى الباحث أن "زيارة إبراهيم رئيسي المرتقبة ستكون أول زيارة رسمية فعلية لرئيس دولة إلى دمشق، منذ اندلاع الانتفاضة السورية".

هاجس أمني وداخلي

بعد توغلها في العراق بعد عام 2003، ومن ثم اتجاهها نحو سوريا، وصولا إلى زيادة نفوذها الإقليمي في اليمن ولبنان وتوجهها نحو المشروع النووي وتصنيع الأسلحة البالستية وصناعة "حلفاء" في كثير من الساحات، باتت إيران تنظر إلى نفسها على أنها قوّة "أكبر من أكبر قوة إقليمية وأصغر من قوة دولية"، وبدأت تتعامل على هذا الأساس.

ودفع ذلك مراقبين للاعتقاد بأن ما سبق هو عامل وراء عدم زيارة رؤساء إيران إلى سوريا، باعتبار أن النظام السوري هو من يريد الدعم من أجل البقاء، وليس عكس ذلك.

بدوره يعتقد الخبير في الشؤون الإيرانية، حسن هاشميان، أن الخلافات مع خامنئي وصلت إلى درجات عالية في زمن حسن روحاني، لأن الأخير كان يمتنع عن تقديم الأموال للأسد، في وقت تعرض فيه لضغوط من "الحرس الثوري".

ويقول هاشميان: "لأكثر من مرة أعلن روحاني في داخل إيران أنه لن يرسل الأموال، وأن الشعب الإيراني يحتاجها".

وبعد عام 2016، وما تلاه، سادت مرحلة انتقاد في الداخل الإيراني، وبينما ارتبطت بشكل أساسي بالتدخل في سوريا، وعواقبه والأموال التي صرفت من أجله، تمت ترجمتها بترديد شعارات كان أبرزها: "لا سوريا ولا غزة ولا لبنان روحي فداء لإيران".

وهذا الشعار اعتبره محمد عطريانفر، عضو المجلس المركزي لحزب کوادر البناء في سبتمبر 2019 "هراء"، بقوله إن "الوجود في مناطق مثل سوريا والعراق يوفران الحماية للجمهورية الإسلامية".

ولا يستبعد الباحث هاشميان، من جانب آخر، موضوع "الهاجس الأمني" الذي كان موجودا بشكل دائم عند النظام الإيراني، خاصة أن مطار العاصمة دمشق استهدف سابقا، ولا يزال حتى الآن يتعرض لضربات من إسرائيل.

ويشير إلى ذلك الباحث الأميركي في شؤون الشرق الأوسط، راين بوهل، بقوله: "سيكون وجود رئيس إيراني في سوريا هدفا رئيسيا للمتمردين والإسلاميين وإسرائيل بعيدا، ولكن لا يزال ممكنا".

ويضيف بوهل: "رغم أنه من غير المرجح أن تقوم إسرائيل باغتيال رئيس دولة وإثارة حرب عامة - ناهيك عن التسبب في رد فعل دبلوماسي دولي عنيف - فمن المحتمل أن تجد إيران حتى هذه الفرصة الضئيلة واقعية".

"بعد مقتل قاسم سليماني كانت هناك مخاطرة كبيرة للغاية بالنسبة لطهران"، وفق الباحث، فيما لم يستبعد فرضية أن عدم زيارة الرؤساء قد ترتبط أيضا بأن "النظام السوري أكثر توسلا لإيران"، وليس بالعكس.

لماذا سيكسر القاعدة؟

وفي حال تأكد بيان الناطق باسم الخارجية الإيرانية، ستكون زيارة إبراهيم رئيسي إلى سوريا الأولى من نوعها منذ بداية الثورة السورية في 2011، واللافت أنها تأتي في وقت يسير فيه النظام السوري وأنقرة وموسكو ضمن آلية مشتركة لفتح مسارات الحوار على نحو أوسع.

ومن اللافت أيضا أن زيارة رئيسي لن تكون إلى سوريا فحسب، بل إلى تركيا للقاء الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، وهو الذي كرر في الأيام الماضية إمكانية عقد لقاء مع بشار الأسد ونظيره الروسي، فلاديمير بوتين.

ويرى الباحث في الشأن الإيراني، حكم أمهز، أن "العلاقات بين سوريا وإيران استراتيجية وترقى للتحالف العضوي بين الطرفين"، وأن "الأوضاع الأمنية التي حصلت في سوريا خلال العقد الماضي ربما منعت الرؤساء الإيرانيين من زيارة دمشق".

واعتبر الباحث في حديثه لموقع "الحرة" أن "العلاقات ما بين الدول لا ترتبط بشكل أساسي بزيارة الرؤساء، بل بالاتفاقيات المعقودة والتحالفات التي تنشأ بينها".

"حصلت بين طهران ودمشق زيارات على مستوى أقل مثل الخارجيات أو الاقتصاد أو اللجان نيابية في البرلمان الإيراني، إذ كانوا يزورون سوريا بشكل مستمر، كلجنة الأمن والسياسة الخارجية".

ويضيف أمهز: "عدم حصول زيارة من رئيس إيراني إلى سوريا لا يعبّر عن أي معنى سلبي اتجاه العلاقات بين الطرفين. أعتقد أنه وبعد أن زالت الأسباب المانعة لزيارة الرؤساء السابقين نجد أن التحضيرات تنظم على قدم وساق في زيارة قريبة جدا سيقوم بها إبراهيم رئيسي".

وكان من المفترض أن تكون الزيارة عشية السنة الجديدة، لكن لاعتبارات تتعلق "بشؤون خاصة لرئيسي تم تأجيلها". ويعتقد الباحث أن الأخير سيصل دمشق "ضمن شهر يناير".

ويوضح الخبير في الشؤون الإيرانية، حسن هاشميان أن "النظام الإيراني مضطر لخروج قسم من قواته من سوريا لاستخدامه في الداخل وقمع الشعب".

ولذلك سيكون ذلك "قصة محورية في علاقة النظام الإيراني بسوريا، وتحتاج إلى التنسيق مع بشار الأسد والمجموعة الأمنية" في دمشق.

ويقول هاشميان: "النظام الإيراني مضطر لخروج قواته، وأيضا يدعم التقارب السوري-التركي، ويعتبره بديلا لذلك. التعاون المذكور سيكون ورقة ضاغطة على أمريكا، وطهران ستستخدمها ضد واشنطن".

وتختلف سياسة إبراهيم رئيسي الخارجية عن سلفه حسن روحاني، من كونها تعتمد على دول الجوار، بينما جاء الأخير باستراتيجية مختلفة تعتمد على الغرب وتلغي الشرق.

ويؤكد رئيسي من خلال الخطاب السياسي الخاص به على "ضرورة الارتباط والتنسيق مع دول الجوار ورفع التبادلات التجارية"، وبموازاة ذلك يغرّد ضمن استراتيجية إيران التي اتضحت بعد عام 2003 بالتموضع إلى جانب كل طرف يناهض "المشروع الأميركي".

ويعتقد الباحث الأميركي، راين بوهل أن "رئيسي سيزور دمشق لإظهار المساعدة في كسب الحرب الأهلية، ومن أجل تحقيق فوز أكبر ضد إسرائيل"، كما تهدف الزيارة إلى "إظهار الأسد الذي برز حليفت قويا لإيران، منتصرا في الحرب الأهلية".

ومع تطبيع دول أخرى مثل تركيا ومصر والإمارات والبحرين العلاقات مع النظام "تريد إيران أن تزيد من ثقل الرواية القائلة بأن سوريا ليست معزولة دوليا كما كانت في السابق، وكلما أسرعت الدول في استعادة العلاقات مع سوريا، كان ذلك أسرع، ويمكن استعادة الاقتصاد وعودة اللاجئين"، وفق بوهل.

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية من أحد أسواق إدلب- تعبيرية
صورة أرشيفية من أحد أسواق إدلب- تعبيرية

بعد أكثر من تسع سنوات على خروج محافظة إدلب من سيطرة النظام السوري، لا تزال المنطقة الواقعة شمال غرب البلاد، تكافح للحصول على نوع من الاستقرار، في ظل هدوء جبهات المعارك الرئيسة منذ شتاء عام 2020.

ولا تحوي إدلب -كما في مناطق الشرق السوري- ثروات طبيعية تؤهّلها لحالة اكتفاء اقتصادي ذاتي، لذا تُعد تركيا المنفذ الاقتصادي الوحيد، مع اعتماد السكان بشكل واسع على المساعدات الإغاثية القادمة من وراء الحدود.

وتطبّق "هيئة تحرير الشام" التي تسيطر كلياً على محافظة إدلب، ما يسمّيها السكان "سياسة احتكار اقتصادية"، بحيث تسيطر على واردات المعابر الداخلية، وتتحكّم بمعبر "باب الهوى" الحدودي مع تركيا.

وبرزت خلال العامين الماضيين مظاهر ترف وبذخ في محافظة يعيش نحو مليون شخص فيها داخل مخيمات النزوح، في ظل فقر مُدقع وأوضاع إنسانية صعبة.

فجوة طبقية

يلاحظ المتجوّل اليوم في مدينة إدلب وريفها انتشار "المولات" التجارية الفخمة، ومتاجر تظهر مقاطع الفيديو أنها تضاهي مثيلاتِها في تركيا المجاورة، حتى أن مجموعة من التجار افتتحوا في مطلع 2024 سوقاً خاصاً ببيع الذهب والمجوهرات.

على الضفة المقابلة في إدلب نفسها تظهر تناقضات الحرب بشكل صارخ، حيث تنتشر المخيمات على طول امتداد الحدود السورية مع تركيا، ورغم محاولات إنشاء مجمعات سكنية خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، إلا أن مئات الآلاف لا يزالون يعيشون في خيام لا تقيهم حرّ الصيف أو برد الشتاء، ويتعمدون في معيشتهم كلياً على جهود المنظمات المحلية والدولية.

لا يتعلّق الأمر بسوء الحال لدى سكان المخيمات فقط، كما يقول الناشط الإعلامي غياث السيد، إذ "يعاني غالبية السكان في مدينة إدلب وريفها من ارتفاع باهظ في تكاليف المعيشة، بينما لا تصل الأجرة الشهرية للعامل في أحسن الأحوال إلى 100 دولار شهرياً".

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن "المولات الفاخرة والمتاجر والمتنزّهات الخاصة، لا تعكس بطبيعة الحال الأوضاع الحقيقية في إدلب، التي يعيش أكثر من 90% من سكانها تحت خط الفقر".

ويعتقد السيد أن مظاهر التفاوت الطبقي "طبيعية وواقعية في ظروف الحرب المتواصلة منذ 13 سنة، غير أنها تَظهر في إدلب بشكل صارخ"، على حدّ تعبيره.

يتابع: "التفاوت المعيشي موجود في مناطق النظام السوري أيضاً، غير أن إدلب باتت تحوي رجال أعمال يتحدثون بملايين الدولارات، وينشئون مشاريع كبيرة جداً، بينما غالبيّة الناس يفكّرون فقط بتأمين الوجبة التالية من الطعام".

ظاهرة "طارئة"

يقول أكرم سرميني  (46 عاماً) من سكان مدينة إدلب، إن ظاهرة التفاوت المعيشي الواسع في إدلب "طارئة"، خصوصاً أن معظم السكّان يعيشون "بمستوى اقتصادي متقارب، حتى منذ ما قبل الحرب".

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن بعض المؤثّرين في وسائل التواصل "يحاولون تصوير إدلب للعالم الخارجي على أنها باتت مُكتفية اقتصادياً، مع إظهار مشاهد الترف والبذخ في بعض المقاهي والمطاعم والمتاجر الفاخرة، لكن الواقع مختلف".

ويوضح سرميني، الذي يعمل مدرّساً، أن هذه المنشآت "تجتذب زبائن لا تنطبق عليهم أوضاع أهالي مدينة إدلب"، مردفاً "بعض هؤلاء الميسورين يعملون في المنظمات ذات الرواتب المرتفعة، أو يرتبطون بسلطات الأمر الواقع صاحبة الكتلة المالية الأكبر، وقليل منهم يعتمدون على الحوالات الخارجية، عدا عن أن جزءاً منهم  أثرياء أصلاً".

من جهته، يقول الصحافي أحمد المحمّد، إن هناك "سوراً كبيراً ومرتفعاً في إدلب بين طبقة مسحوقة بالكاد تؤمّن قوت يومها، وطبقة أخرى تعيش كأنها في بلد مستقرّ وغنيّ".

ولا يتعدى الأمر سوى كونه "أحد انعكاسات الحرب الاقتصادية" في سوريا، وفق وصف المحمد.

يبيّن لـ"ارفع صوتك": "نظرة سريعة في العاصمة دمشق على سبيل المثال، تُظهر تفاوتاً طبقياً كبيراً بين فئة تصل وارداتها الشهرية عشرات الملايين من الليرات السورية، بينما غالبية العوائل تجاوزت خطوط الفقر، وباتت تعيش تحت خط الحياة".

ويعتبر أن الوضع في إدلب "لا يزال رغم كل شيء أفضل من الأحوال الاقتصادية في مناطق النظام السوري، بحكم أنها (إدلب) لا تزال مفتوحة على المساعدات" متهماً النظام السوري بـ"سرقة المساعدات التي تصل إليه".

المشاريع "فرص عمل"

في السياق نفسه، يقول عبد العظيم المغربل، وهو مساعد باحث اقتصادي في مركز "جسور" للدراسات، إن إدلب "لا تزال بعيدة عن الاستقرار الأمني بمعناه العام، إلا أنّ الاستثمارات الضخمة فيها لم تتعرض لمشاكل أمنية أو تأثرت بالقوانين المحلية المعمول بها".

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "هذه الاستثمارات لا تعكس فقط مظاهر الترف، إنما تنعكس بالإفادة على المجتمع المحلي، وتؤمّن فرص عمل مهما كانت محدودة، فهي مهمة بسبب وجود نسبة بطالة مرتفعة، الأمر الذي يساعد على تحريك عجلة التنمية الاقتصادية للمنطقة".

ويرى المغربل أن سبب التفاوت المعيشي والطبقي في إدلب، يعود إلى كون هذه الظاهرة "تنشط أكثر وتتضح في الظروف الخاصة مثل ظرف الحرب".

"ومع وجود الفقر المدقع الذي يعاني منه أغلب السكان بالتزامن مع انخفاض الدعم المقدم للمنطقة تتوضح هذه الظاهرة بشكل أكبر، ويُسلّط عليها الضوء من قبل الفئة الأكثر عدداً والأصعب وضعاً"، يكمل المغربل.