الجيش الإيراني في طهران في 18 أبريل 2022
الجيش الإيراني في طهران في 18 أبريل 2022

أثارت الهجمات المتزامنة على أهداف ومنشآت إيرانية داخل إيران وخارجها، أسئلة بشأن الجهة المنفذة، وسط تصاعد للتوتر مع الغرب بسبب الملف النووي وتزويد طهران لروسيا بالأسلحة في حربها مع أوكرانيا، إضافة إلى قمع مظاهرات مناهضة للحكومة مستمرة منذ أشهر.

وليل السبت الأحد، استهدفت طائرات مسيرة مصنعا عسكريا بالقرب من مدينة أصفهان وسط إيران، وأعلنت طهران أن دفاعاتها تصدّت لهجوم الطائرات المسيرة، من دون وقوع إصابات.

ولم تحمل طهران أي جهة مسؤولية الهجوم، لكن التلفزيون الإيراني بث تصريحات للنائب، حسين ميرزاعي، قال فيها إن هناك "تكهنات قوية بأن إسرائيل وراء ذلك"، وفقا لـ"رويترز".

وقال مسؤول أميركي لـ"رويترز"، الأحد، إن "إسرائيل تقف على ما يبدو وراء هجوم بطائرات مسيرة على مصنع عسكري في إيران".

وأشار تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" إلى أن الغارة "إسرائيلية وتمت بطائرة مسيرة استهدفت منشأة أسلحة إيرانية".

ونفذ جهاز المخابرات الإسرائيلي "الموساد"، العملية في ساعة مبكرة من صباح الأحد واستهدفت الضربة موقعا لوزارة الدفاع الإيرانية، حيث أصابت مبنى في أربع مناطق مختلفة بضربات دقيقة، بحسب ما ذكرته مصادر لـ"وول ستريت جورنال".

ضربة إسرائيلية؟

لأكثر من مرة اتهمت طهران إسرائيل بالتخطيط لشن هجمات باستخدام عملاء "داخل إيران".

ويشير الخبير السياسي الإيراني، سعيد شاوردي، إلى أن "التحقيقات الرسمية الإيرانية لاتزال مستمرة لمعرفة الجهة الضالعة في الهجوم على المنشأة العسكرية بأصفهان".

وفي حديثه لموقع "الحرة"، يقول إن "إسرائيل هي المتهم الرئيسي"، مستشهدا باتهامات إيرانية سابقة لإسرائيل بالضلوع في هجمات بالداخل الإيراني.

وفي يوليو الماضي، قالت إيران إنها "اعتقلت مجموعة مخربة مؤلفة من نشطاء أكراد يعملون لصالح إسرائيل كانت تخطط لتفجير مركز صناعي دفاعي حساس" في أصفهان، وفقا لـ"رويترز".

ويقع عدد من المواقع النووية الإيرانية في إقليم أصفهان، من بينها نطنز الذي يقع في قلب برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني، وفي 2021، اتهمت إيران إسرائيل بتنفيذ عملية تخريبية في هذا الموقع.

ووقع عدد من الانفجارات والحرائق حول منشآت عسكرية ونووية وصناعية إيرانية في السنوات القليلة الماضية، وفقا لـ"رويترز".

على جانب آخر، أحجم متحدث باسم الجيش الإسرائيلي عن التعليق على الضربة.

لكن إسرائيل تهدد منذ وقت طويل بالقيام بعمل عسكري ضد إيران إذا فشلت الدبلوماسية في الحد من برامج إيران النووية أو الصاروخية، وتتبع نهجا بالإحجام عن التعليق على وقائع بعينها.

وفي حديثه لموقع "الحرة"، لا يؤكد ولا ينفي أستاذ العلوم السياسية بالجامعة العبرية في القدس، مئير مصري، ضلوع إسرائيل في العملية الأخيرة.

ويرجع مصري ذلك لعدم توافر معلومات دقيقة بهذا الشأن، لكنه يرجح "مشاركة إسرائيل جزئيا في تنفيذ العملية".

من جانبه، يرى المحلل العسكري والاستراتيجي المصري، العميد سمير راغب، أن "إسرائيل ضالعة في الهجوم"، مرجعا ذلك لعدة أسباب.

ولكن مصري يقول إن "إسرائيل ليست العدو الأوحد للنظام الإيراني".

"واستعدى النظام الإيراني الكثيرين، من الولايات المتحدة وحلفاءها، مرورا بالمعارضة الإيرانية في الداخل والتي أصبح لديها قاعدة حقيقية، وانتهاءً بأذربيجان التي تعرضت سفارتها لهجوم مسلح قبل أيام، إضافة إلى التدخلات الإيرانية في إقليم كردستان العراق وأوكرانيا"، وفقا لحديث مصري.

ويتابع: "لا أستبعد أن تكون هناك صلات بين عدد من هذه العناصر، بحكم تشابك المصالح وقد تكون إسرائيل شاركت جزئيا في تنفيذ العملية".

واعترفت إيران بإرسال طائرات مسيرة إلى روسيا لكنها تقول إنها وصلتها قبل أن تبدأ موسكو غزو أوكرانيا في ٢٤ فبراير العام الماضي.

وتنفي موسكو استخدام قواتها طائرات مسيرة إيرانية في أوكرانيا، رغم إسقاط عدد منها وانتشال بقاياها هناك.

والاثنين، انتقدت طهران إشارة ميخايلو بودولياك، مستشار الرئيس فولوديمير زيلينسكي، في تغريدة، إلى الهجوم على منشآت عسكرية في أصفهان. 

وكتب المستشار الأوكراني في تغريدة "ليلة متفجرة في إيران - إنتاج مسيرات وصواريخ ومصاف للنفط"، مضيفاً أن "أوكرانيا حذرتكم".

وتشهد المحادثات بين طهران والقوى العالمية لإحياء الاتفاق النووي الموقع في 2015 جمودا منذ سبتمبر.

وكانت إيران قد وافقت بموجب ذلك الاتفاق على أن تحد من عملها النووي مقابل تخفيف العقوبات، وانسحبت واشنطن من الاتفاق في عام 2018 في عهد الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب.

وتواجه إيران اضطرابات داخلية منذ شهور، وتتواصل الاحتجاجات في أرجاء البلاد منذ وفاة الشابة، مهسا أميني، في 16 سبتمبر بعدما أوقفتها شرطة الأخلاق في العاصمة طهران للاشتباه بانتهاكها قواعد اللباس الصارمة.

وأعلنت أذربيجان، الاثنين، أن سفارتها في إيران ستوقف "مؤقتاً" نشاطاتها، بعد ثلاثة أيام على استهدافها بهجوم أدى إلى مقتل شخص وإصابة اثنين، وفقا لـ"فرانس برس".

وقُتل موظف في السفارة على يد مسلّح اعتقلته الشرطة الإيرانية تذرّع بدوافع "شخصية"، لكنّ باكو ندّدت بالهجوم "الإرهابي" على بعثتها الدبلوماسية.

على جانب آخر، يرى شاوردي، أن "إسرائيل نفذت الهجوم ردا على استهداف إيران لمصالح إسرائيلية، وقيامها بعمليات في الداخل الإسرائيلي".

ويقول إن "إيران تقوم بعمليات بالداخل الإسرائيلي، لكنها لا تتبناها ولا تعلن رسميا عن تنفيذها"، مستشهدا بـ"اتهامات إسرائيلية سابقة في ذلك الشأن".

وفي مايو 2022، اتهم جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي "شاباك"، إيران باستخدام حساب وهمي على فيسبوك سعيا لحمل إسرائيليين على جمع معلومات لصالحها وإلحاق الضرر ببلادهم، وفقا لـ"فرانس برس".

وفي الشهر ذاته، قالت إسرائيل إن إيران أعدت خطة لاغتيال أحد الدبلوماسيين الإسرائيليين في تركيا.

وأكدت إسرائيل أنها "أحبطت" محاولات إيرانية لـ"اغتيال جنرال أميركي في ألمانيا وصحفي في فرنسا ودبلوماسي إسرائيلي في تركيا".

وجاء في بيان لرئاسة الحكومة الإسرائيلية أن المخططات "أمرت بها وأعطت الموافقة على تنفيذها ومولتها القيادة العليا للنظام الإيراني وكان من المقرر أن ينفّذها الحرس الثوري الإيراني".

وفي نوفمبر 2022، اتّهمت إسرائيل إيران بالوقوف وراء ما قالتا إنها ضربة بمسيّرة على ناقلة محملة بالوقود يملكها رجل أعمال إسرائيلي قبالة سواحل عُمان، حسب "فرانس برس".

عقيدة الأخطبوط؟

في يوليو 2022، كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، نفتالي بينيت، عن تطبيق إسرائيل استراتيجية جديدة لاستهداف إيران بشكل مباشر، باستخدام "عقيدة الأخطبوط"، وفقا لصحيفة "إيكومينست".

وتتمثل تلك العقيدة في مهاجمة إيران من الداخل لاستهداف "العقل المدبر" أو "رأس الهجمات" بدلا من التعامل مع الأذرع الإيرانية أو "المخالب".

وتهدف "عقيدة الأخطبوط" إلى نقل معركة إسرائيل ضد إيران إلى الأراضي الإيرانية بعد سنوات من استهداف عملاء إيرانيين ووكلاء طهران خارج البلاد في أماكن مثل سوريا، وفقا لتقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" في يوليو 2022.

وفي 2021، صعدت إسرائيل حملتها ضد إيران، بضربات بطائرات مسيرة صغيرة لضرب منشآت نووية إيرانية، وهجوم على قاعدة إيرانية للطائرات بدون طيار، بحسب "وول ستريت جورنال".

وفي 2022، ألقت إيران باللوم على إسرائيل في مقتل ضابط عسكري إيراني كبير في طهران اشتبه الإسرائيليون في أنه يدير فرق قتالية في الخارج تستهدف الإسرائيليين.

وفي سبتمبر 2022، أشار مدير الموساد، ديفيد بارنيا، إلى أن "إسرائيل سترد على إيران مباشرة إذا هاجمت الجماعات المدعومة من إيران إسرائيل أو الإسرائيليين"، وفقا لصحيفة "جوروزاليم بوست".

وقال "يجب على القيادة الإيرانية أن تفهم أن الهجمات ضد إسرائيل أو الإسرائيليين، بشكل مباشر أو غير مباشر من قبل الوكلاء، ستقابل برد مؤلم ضد المسؤولين، على الأراضي الإيرانية".

وهناك اتجاهان داخل إسرائيل بشأن التعامل مع إيران، الأول يتعلق بتنفيذ "عقيدة الأخطبوط" لاستهداف مخططي الهجمات الإيرانية، وكذلك مواجهة قرار طهران بتجاهل التزاماتها بموجب الاتفاق النووي لعام 2015، حسب الصحيفة الإسرائيلية.

ويرى راغب أن "الضربة الإسرائيلية ضد المصنع الإيراني جاءت في إطار عقيدة الأخطبوط".

ويقول إن "وتيرة تنفيذ تلك العقيدة قد تصاعد خلال الفترة الأخيرة، رغم اختلاف الآليات وسبل وأدوات التنفيذ بين حكومة إسرائيلية وأخرى".

ومن جانبه، يؤكد مصري أن "إسرائيل ماضية على طريق احتواء الخطر الإيراني بشتى الوسائل". ويقول "إنه لم يحدث أي جديد على صعيد الملف النووي، فليس لدي أدنى شك في أن الوضع قابل للتصعيد".

لكن على جانب آخر، يرى شاوردي أن "عقيدة الأخطبوط مجرد كلام على ورق، ولم تتمكن إسرائيل من تنفيذها". ويقول إن إسرائيل لن تتمكن من استهداف "إيران لما تمتلكه من قوة عسكرية هائلة".

لكنه يشير إلى "تصاعد وتيرة المحاولات الإسرائيلية لاستهداف وإضعاف إيران رغم تعاقب الحكومات داخل إسرائيل"، معتبرا أن تلك المحاولات "كللت بالفشل".

استراتيجية إسرائيلية ثنائية؟

من بين العديد من الصراعات في الشرق الأوسط، فإن الصراع بين إيران وإسرائيل هو الأكثر احتمالًا للانفجار، ولسنوات، انخرط الجانبان في "حرب ظل"، حيث هاجم كل منهما الآخر بهدوء في البر والجو والبحر، وفي بعض الحالات بالوكالة، وفقا لتحليل لصحيفة "واشنطن بوست".

وسعا الجانبان إلى "تجنب الاشتباكات المفتوحة التي قد تخاطر بالتصعيد إلى حرب شاملة"، لكن في الآونة الأخيرة، أصبحت الاشتباكات "أكثر وضوحا".

ولذلك يؤكد راغب أن إسرائيل تتبع "استراتيجية ثنائية في مواجهة إيران"، تتعلق الأولى بضرب واختراق العمق الإيراني والثانية باستهداف وكلاء طهران في سوريا والعراق وغيرهما من الدول.

ويستشهد راغب في حديثه بهجمات وقعت، الاثنين الماضي، واستهدفت عناصر إيرانية في شرق سوريا، ويقول إن "إسرائيل تقف خلفها".

والاثنين، قُتل 11 مقاتلا من المجموعات الموالية لإيران جراء ثلاث استهدافات جوية منفصلة طالت في أقل من 24 ساعة شاحنات في شرق سوريا بعد عبورها تباعاً من الجانب العراقي، وفق ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان الذي قال إنها كانت تقل أسلحة.

وتعد المنطقة الحدودية بين شرق سوريا والعراق من أبرز مناطق نفوذ إيران والمجموعات الموالية لها في سوريا، وبينها فصائل عراقية. 

وعلى مر سنوات تعرضت شاحنات كانت تقلّ أسلحة وذخائر ومستودعات ومواقع عسكرية تابعة لتلك المجموعات إلى ضربات جوية، بينها ما أعلنت عنه واشنطن وأخرى نُسبت إلى إسرائيل، وفقا لـ"فرانس برس".

ومنذ بدء النزاع في سوريا عام 2011، شنّت إسرائيل مئات الضربات الجوية، مستهدفة مواقع لقوات النظام وأهدافاً إيرانية وأخرى لحزب الله، ونادراً ما تؤكّد تنفيذ الضربات، لكنها تكرر تصدّيها لما تصفه بمحاولات إيران ترسيخ وجودها العسكري في سوريا.

ويقول شاوردي إن "إسرائيل هي من استهدفت العناصر الموالية لإيران في شرق سوريا بسبب قلقها من تواجد طهران هناك".

ووفقا لحديثه فإن "إسرائيل دأبت على استهداف عناصر وفصائل موالية لطهران في سوريا لكنها لم تستطيع منع إيران من البقاء هناك".

لكن على جانب آخر، لا يؤكد ولا ينفي مئير مصري "ضلوع إسرائيل في الهجوم".

مرحلة جديدة من الصراع؟

لو كانت إسرائيل مسؤولة عن الهجمات، فستكون هذه هي "الضربة الإسرائيلية الأولى" على إيران ووكلائها في عهد الحكومة الجديدة برئاسة، بنيامين نتانياهو، منذ عودته إلى المنصب الشهر الماضي على رأس الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل.

ولذلك يتحدث راغب عن دخول المواجهات بين إسرائيل وإيران إلى "مرحلة جديدة"، لكن يشير إلى أنها ستكون وفقا لقواعد "الاشتباك القديمة" بين البلدين.

من جانبه، يقول مصري إن "إسرائيل مستمرة في سياستها بخصوص التهديدات الإيرانية المختلفة". ويتحدث عن وجود "إجماع داخلي إسرائيلي بشأن النهج المُتبع ضد إيران منذ عام 2012 على الأقل".

ولذلك فإن "عودة نتانياهو إلى الحكم لا ولن تؤثر على المنحى الاستراتيجي لإسرائيل بخصوص إيران"، وفقا لحديث مصري.

أما شاوردي، فقال إن إيران سترد على الهجمات الإسرائيلية، مهما كانت "النتائج والتباعات".

ويشير إلى أن "الهجمات الإسرائيلية لا تؤثر على خطط إيران في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة والبرنامج النووي".

ويرى أن حكومة نتانياهو " لا تستطيع الدفع نحو حرب ولن تقدم على التصعيد تجاه إيران"، ويقول إن "العالم لا يريد شن حرب شاملة ضد طهران".

ويتحدث عن "مغبة شن حرب إسرائيلية موسعة ضد إيران، ما قد يتسبب في إشعال منطقة الشرق الأوسط بأكملها، ويؤدي لكوارث كبيرة"، على وصفه.

يشير سعيد شاوردي إلى أن "إيران ترد دائما على الهجمات الإسرائيلية المباشرة أو غير المباشرة".

وحسب حديثه، فإن طهران ترد على الهجمات "بشكل غير محسوس"، مؤكدا أن "إيران ردت وسترد في المستقبل على أي عمل عدائي تقوم به إسرائيل".

ويؤكد أن إسرائيل لم تقوم حتى الآن بعمل كبير داخل إيران، ولم تعلن عن مسؤوليتها عن الهجمات أو تتبناها، لكنها "تضرب وتهرب"، ولذلك تستخدم إيران نفس الطريقة، على حد تعبيره.

ويقول إن في حال وقوع تصعيد متبادل "سترد إيران ليس فقط من داخل الأراضي الإيرانية لكن من عدة جهات، ما سيؤدي لحرب شاملة وكبيرة بالمنطقة".

من جانبه، يستعبد مصري أن ترد إيران على الهجمات الإسرائيلية، ويقول إن "طهران تسعى لكسب الوقت، حتى تتمكن من الوصول إلى هدفها، وهو حيازة السلاح النووي".

ويستبعد راغب "سيناريوهات التصعيد المتبادل"، ويقول إن "إسرائيل وإيران لن يدخلا في مواجهة مباشرة أو حرب موسعة".

ويرى أن إسرائيل وإيران "لا يرغبان" في الدخول بصراع عسكري مباشر شامل، مرجحا استمرار "حروب الظل دون تصعيد".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

شعبية الحزب في ارتفاع متواصل بألمانيا
شعبية الحزب في ارتفاع متواصل بألمانيا

حقق اليمين المتطرف في ألمانيا أكبر نجاح انتخابي له منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك بتحقيقه "نتائج قوية" في الانتخابات الإقليمية لمقاطعتي تورينغن وساكسونيا، شرق البلاد، متفوقا على أحزاب الائتلاف الحاكم الذي يقوده المستشار، أولاف شولتس.

ويعدّ انتصار حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، في منطقة كانت تحت السيطرة الشيوعية خلال الحرب الباردة، ضربة قوية للأحزاب الثلاثة المكونة للائتلاف الحاكم والتي تكبدت خسائر كبيرة في هذه الانتخابات، وفقا لموقع "بوليتيكو".

وأصبح حزب البديل من أجل ألمانيا القوة السياسية الأولى في تورينغن بعد أن تقدم على خصومه بنسبة كبيرة من الأصوات، بينما حل ثانيا خلف المحافظين في ساكسونيا.

وتحدثت صحيفة "دير شبيغل" اليومية عن "زلزال سياسي في الشرق"، بينما وصفت صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" النتيجة  بـ"المقلقة للديمقراطيين".

حزب فتي

وتأسس حزب البديل من أجل ألمانيا في 2013 كمجموعة مناهضة لليورو قبل أن يتحول إلى حزب معاد للهجرة، بعد تزايد أعداد المهاجرين خلال العقد الماضي، وبرز بعد جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية التي أضعفت الاقتصاد الأول في أوروبا ورفعت الأسعار.

ويضم الحزب نحو 40 ألف عضو، بينهم 77 عضوا في البرلمان الاتحادي من إجمالي 733 عضوا، بحسب معطيات لموقع "دويتشلاند" الحكومي.

ويتم تصنيف الحزب من قبل المكتب الاتحادي لحماية الدستور على أنه "مشتبه فيه بالتطرف اليميني". وتخضع جهات من الحزب للمراقبة الأمنية بسبب تبنيها أفكارا متطرفة ومعارضة للقوانين المحلية.

ويتواجد الحزب في برلمانات جميع الولايات وكذلك في البوندستاغ، ويتمتع بشعبية كبيرة بشكل خاص في الولايات الشرقية.

وحقق الحزب نتائج قياسية في الانتخابات الأوروبية في يونيو، بحصوله على 15.9 في المئة من الأصوات. وهي أفضل نتيجة له على الإطلاق في الانتخابات التي يشارك فيها منذ تأسيسه قبل 11 عاما.

وبحسب استطلاعات سابقة، ارتفعت شعبية حزب البديل من أجل ألمانيا، حيث يحظى بدعم 22 في المئة على المستوى الوطني، وتصل هذه النسبة إلى 30 في المئة في بعض الولايات.

وتزداد شعبية الحزب تحديدا في مناطق جمهورية ألمانيا الشرقية السابقة بسبب استمرار حالة من عدم المساواة منذ إعادة توحيد البلاد عام 1990، وأزمة ديمغرافية عميقة مرتبطة برحيل الشباب إلى مناطق أخرى على الرغم من الانتعاش الاقتصادي في شرق ألمانيا، وفقا لفرانس برس.

مواقف الحزب

وركز الحزب في بداياته على القضايا الاقتصادية بشكل رئيسي، ومع ذلك، شهد تحولا ملحوظا في أولوياته، منذ تزايد أعداد اللاجئين عام 2015، حين استقبلت ألمانيا أكثر من مليون لاجئ.

وتحولت قضية الهجرة إلى محور أساسي في خطاب الحزب وبرامجه، إذ يربط المشاكل الاقتصادية في البلاد مثل ارتفاع معدلات التضخم وتكاليف الطاقة بازدياد أعداد المهاجرين.

ويتبنى الحزب أيضا خطابا قوميا شعبويا، يقوم على كراهية الأجانب ويرفع شعارات الحفاظ على الهوية والقومية الألمانية، وفقا لمنصة "فوكس".

وفي إطار سياساته التي تدعو للحد من الهجرة، يقترح الحزب زيادة عمليات ترحيل المهاجرين والحد من استقبال وافدين جدد.

كما يطالب بإنشاء معسكرات احتجاز خارج ألمانيا بهدف منع دخول المهاجرين إلى البلاد.

وبالإضافة إلى قضية الهجرة، يركز حزب البديل من أجل ألمانيا على موضوعي تغير المناخ وتقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا.

ويعتبر "البديل من أجل ألمانيا"، الحزب الوحيد في البلاد الذي ينكر تأثيرات التغيرات المناخية. ويستغل استياء جزء مهم من الألمان من السياسات البيئية الحالية للدعوة للتراجع عن التزامات البلاد في مجال الانتقال نحو الطاقة النظيفة والمتجددة والحياد الكربوني.

أما فيما يخص موقفه من الحرب في أوكرانيا، فقد تبنى الحزب مواقف مؤيدة لروسيا، ويطالب الحكومة بالامتناع عن إرسال المزيد من المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا.

ويستغل الحزب في هذا السياق التزام ألمانيا التاريخي بالنهج السلمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى التعاطف المستمر لدى بعض سكان أقاليم ألمانيا الشرقية تجاه الكرملين، نتيجة للفترة التي خضعت فيها المنطقة لسيطرة الاتحاد السوفييتي.

وفي قرار قضائي، بشهر مايو الماضي، رفضت المحكمة الإدارية العليا في ألمانيا طلب الحزب لإلغاء تصنيفه كـ"حالة متطرفة مشتبه بها".

ويتيح هذا القرار  لجهاز الاستخبارات الداخلية مواصلة مراقبة الحزب الذي أدى الكشف عن اجتماع سري ناقش فيه قادته ترحيل المهاجرين قسرا، إلى احتجاجات واسعة في البلاد.

ويصف خبراء البديل من أجل ألمانيا بأنه "الحزب الأكثر تطرفا"، متجاوزا باقي الأحزاب اليمينية المتطرفة الأخرى في أوروبا، وفقا لتحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز"، أشار إلى تبنيه (الحزب) أفكارا "تعارض حقوق التبني للأزواج المثليين، ودمج الأطفال ذوي الإعاقة في المدارس، وقانونية الإجهاض".

وبينما يؤكد التحليل أن "حزب البديل" من أجل ألمانيا وأمثاله من الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا الغربية، لا تزال بعيدة عن الوصول إلى السلطة الكاملة، مقارنة بأحزاب مثل فيدس في المجر أو حزب القانون والعدالة في بولندا، يشدد على أن "نموذجه مبني على السعي لتقويض النظام الديمقراطي تدريجيا".

نتائج الحزب في الانتخابات

وتجرى انتخابات المقاطعات في ألمانيا في كل واحدة من الولايات الألمانية الـ16، حيث يقوم الناخبون فيها باختيار ممثليهم في البرلمان المحلي للولاية، والذي يعرف باسم "لاندتاغ".

وتعقد هذه الانتخابات كل أربع إلى خمس سنوات، وتختلف مواعيدها من ولاية لأخرى، وتهدف إلى تشكيل الحكومة المحلية وتحديد السياسات الخاصة بالولاية في مجالات مثل التعليم والأمن والثقافة.

كما أن لنتائج هذه الانتخابات تأثير غير مباشر على السياسة الوطنية، حيث تساهم في تشكيل مجلس الولايات الفيدرالي (البوندسرات).

ونظمت، الأحد، الانتخابات في المقاطعتين الشرقيتين، تورينغن وساكسونيا، في سياق أجواء متوترة، بعد نحو أسبوع من مقتل ثلاثة أشخاص في عملية طعن في مدينة زولينغن في غرب البلاد، وأقر مشتبه به سوري بتنفيذها وتبناها تنظيم داعش، مجددة الجدل بشأن الهجرة في ألمانيا.

وتصدر حزب البديل من أجل ألمانيا النتائج في تورينغن إحدى أصغر المقاطعات في البلاد حاصدا 33.1 في المئة من الأصوات، متقدما على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ الذي نال 24.3 في المئة من الأصوات، وفق النتائج الأولية.

وفي ساكسونيا، تقدم حزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" وهو حزب المستشارة السابقة، أنغيلا ميركل، بفارق بسيط إذ نال 31.7 في المئة من الأصوات، وحل حزب "البديل من أجل ألمانيا" ثانيا، (31.4 في المئة) بنتيجة متقاربة.

ويشكل نجاح حزب "البديل من أجل ألمانيا" في تورينغن سابقة في البلاد منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، حتى لو كان من غير المرجح أن يتولى السلطة الإقليمية مع رفض كل الأحزاب الأخرى عقد أي تحالف معه.

غير أن مراقبين، يخشون أن يؤدي نجاحه، الأحد، إلى تقوية حظوظ الحزب أيضا في براندنبورغ، شرق البلاد أيضا، حيث يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع للانتخابات المحلية في 22 سبتمبر، وفقا لصحيفة "واشنطن بوست".

ويحتل الحزب اليميني المتطرف هناك حاليا المركز الأول في استطلاعات الرأي بنسبة 24 في المئة.

التداعيات على التحالف الحاكم

وبحسب بلومبرغ، تمثل النتائج ضربة مريرة جديدة لشولتس وحكومته، وتسلط الضوء على الخطر الذي تواجهه قبل الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في غضون عام واحد.

ومع تباطؤ الاقتصاد الألماني وتزايد القلق بشأن الهجرة، سجلت شعبية الأحزاب الحاكمة الثلاثة تراجعا حادا على المستوى الوطني.

وبدا هذا واضحا في نتائج أحزاب الائتلاف الحاكم، وهي الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر والحزب الديمقراطي الحر، إذ حصل الأول على نحو 6.5 في المئة والثاني على نحو 3.8 في المئة، والثالث على 1.2 في المئة فقط.

وتأتي هذه الهزيمة، بعد أن منيت الأحزاب الثلاثة بخسارة كبيرة في الانتخابات الأوروبية التي جرت في التاسع من يونيو، بعد فوز المحافظين وتنامي اليمين المتطرف.

ووفقا لبلومبرغ، فإن تراجع التحالف الحاكم، يأتي بعد أن تبددت الآمال في انتعاش الاقتصاد الألماني خلال عام 2024 بعد عامين من الركود، حيث لم يتحقق الارتفاع المتوقع في إنفاق المستهلكين، واستمرت معاناة القطاع الصناعي.

كما أن سنوات من نقص الاستثمار في البنية التحتية الأساسية تركت إرثا سلبيا لا يمكن تجاهله.

وأدى الخلاف داخل الائتلاف الحاكم أيضا بشأن كيفية معالجة تحديات ثالث أكبر اقتصاد في العالم، مع عدم القدرة على تقديم حلول فعالة، إلى فقدان ثقة الكثيرين في الأحزاب الحاكمة الثلاثة.

ورغم أن النتائج في ولايتي ساكسونيا وتورينغن لم تكن مفاجئة، إلا أنها قد تؤدي إلى مطالبات متجددة بإجراء انتخابات عامة مبكرة. كما قد تثير تساؤلات بشأن ما إذا كان شولتس هو الشخص المناسب لقيادة الحزب الديمقراطي الاشتراكي في الانتخابات المقبلة.