السلطات الإيرانية مستمرة في قمع التظاهرات. أرشيفية
السلطات الإيرانية مستمرة في قمع التظاهرات- أرشيفية

بعد 4 أشهر من الانتفاضة الشعبية في إيران، لا يزال المتظاهرون بمحافظة سيستان بلوشستان الجنوبية الشرقية يخرجون للشوارع في كل جمعة، وفق صحيفة "واشنطن بوست".

في المقابل، ترد السلطات بالعنف والترهيب والقمع متعدد الأشكال في هذه المحافظة التي تهيمن عليها عرقية البلوش.

وقال المدير التنفيذي لمركز حقوق الإنسان في إيران، هادي قائمي، "إنها أحد أكبر مراكز الاحتجاجات بإيران في الوقت الحالي".

وحللت صحيفة "واشنطن بوست" أكثر من 100 مقطع فيديو وصورة للاحتجاجات الشعبية المستمرة منذ سبتمبر الماضي، كما أجرت مقابلات مع شهود عيان ومدافعي حقوق الإنسان لفهم شدة وتعقيد الحملة الحكومية واستمرار المتظاهرين بشكل أفضل.

وأظهر التحليل بوضوح كيفية قمع القوات الأمنية من الحرس الثوري وشركة مكافحة الشغب وعملاء يرتدون ملابس مدينة، حيث تنفذ الاعتقالات التعسفية والضرب العشوائي وفتح النار على المدنيين في بعض الأحيان.

وقال قائمي إن "عامة الناس غاضبون للغاية ويعيشون إلى حد كبير تحت الاحتلال العسكري".

وغالبية السكان في المحافظة هم من عرقية البلوش وهي أقلية ذات أغلبية سنية واجهت الإهمال والتمييز على مدى عقود من قبل حكومة طهران الشيعية الثيوقراطية. 

وقال أحد المتظاهرين الذي تحدث دون الكشف عن هويته لصحيفة "واشنطن بوست" كما هو الحال مع الآخرين التي تمت مقابلتهم في هذه القصة للحفاظ على سلامتهم: "ليس لدينا مستقبل ولا أمل". 

وتابع: "أصبحت الحياة صعبة للغاية ونفكر في أنفسنا، حتى لو قُتلنا هنا، فربما يكون هناك مستقبل أفضل لأطفالنا غدا".

ولم يرد متحدث باسم بعثة الأمم المتحدة الإيرانية في نيويورك على طلب صحيفة "واشنطن بوست" للتعليق.

منذ منتصف سبتمبر، تهز إيران احتجاجات اندلعت إثر وفاة الشابة، مهسا أميني (22 عاما)، الكردية الأصل بعد توقيفها من شرطة الأخلاق التي اتهمتها بخرق قواعد اللباس الصارمة المفروضة على النساء في الجمهورية الإسلامية.

وكان المرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، وصف المتظاهرين بـ "الخونة" واتهمهم بـ "الشغب"، وألقى باللوم على الولايات المتحدة وإسرائيل في إثارة الاضطرابات التي تشهدها بلاده.

في 30 سبتمبر أو "الجمعة الدامية" كما يطلق عليها المتظاهرون، قتل ما لا يقل عن 66 شخصا على أيدي قوات الأمن في زاهدان، العاصمة الإقليمية لمحافظة سيستان بلوشستان وفقا لمنظمة العفو الدولية. 

وبحسب الصحيفة الأميركية، فإن تلك الأحداث كان لها تأثير معاكس إذا كان هدف السلطات الإيرانية سحق الانتفاضة.

قال أحد المتظاهرين وهو صاحب متجر في زاهدان: "في كل جمعة يعبر الناس عن أنفسهم في الشوارع". وأضاف: "كل يوم جمعة، يقل خوفهم".

ومع استمرار مظاهرات الجمعة، انتشر أفراد من رجال الأمن في جميع أنحاء سيستان وبلوشستان إلى جانب المركبات المدرعة، لا سيما في أيام الجمعة التي يذهب فيها الناس إلى الصلاة في أكبر مسجد للطائفة السنية بمدينة زاهدان.

ويخطب في مسجد زهدان، مولوي عبدالحميد، رجل الدين السني الأبرز في البلاد، الذي استخدم خطبه الأسبوعية للتنديد بقمع قوات الأمن وإساءة معاملة المعتقلين.

ولا تزال الاعتقالات الجماعية سمة أساسية في حملة الحكومة القمعية - حيث قدرت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (HRANA) اعتقال نحو 20 ألف شخص في جميع أنحاء البلاد منذ بدء الاضطرابات.

"من أجل أطفالنا غدا"

وكان المتظاهرون الذين يتعرضون لإصابات بسبب حملة قمع القوات الأمنية الإيرانية لا يفضلون الذهاب للمستشفيات.

وقال فرزين قدخدائي، ناشط حقوقي من سيستان بلوشستان ويعيش الآن في أوروبا، إن معظم المتظاهرين يحاولون تجنب المستشفيات لأنهم يخضعون لرقابة الحكومة.

وقال: "حتى لو أصيب شخص ما برصاصة فإنهم لا يبلغون عن ذلك؛ لأن هناك فرصة كبيرة أن تجدهم قوات الأمن وتعتقلهم". 

وأضاف: "عادة ما يتعامل الناس مع إصاباتهم في المنزل"، مضيفا أن الأطباء والممرضات المتعاطفين يتحدثون سريا مع المتظاهرين للعلاج في المنازل.

وأوضح عامل في مجال الرعاية الصحية يبلغ من العمر 40 عاما في زاهدان كان يحتج منذ سبتمبر كيف تغيرت استراتيجية قوات الأمن عندما بدأ المتظاهرون في التجمع في مجموعات أصغر.

قال: "عندما رأت القوات الأمنية أن تفريق الاحتجاجات بإطلاق النار عمدا لا يمكن له أن يسيطر عليهم، بدأوا في اعتقال مجموعات كبيرة من الناس ومعاقبتهم واتهامهم بشن حرب على الله والحكم عليهم بالإعدام".

وسبق للسلطة القضائية أن نفذت أحكام إعدام بحق أربعة أشخاص دينوا باعتداءات على رجال الأمن على هامش الاحتجاجات، في خطوة وصفتها الأمم المتحدة بانها تصل إلى مستوى عمليات "قتل بتفويض من الدولة".

بينما تمثل الشرطة الإيرانية وقوات الحرس الثوري الإيراني رأس الحربة في سيستان بلوشستان، هناك بُعد آخر "أكثر خبثا" للقمع، كما تصفه الصحيفة الأميركية.

وتُظهر مقاطع الفيديو المنشورة على تلغرام بواسطة منظمة "هالفش" المحلية لحقوق الإنسان أن رجال يرتدون الزي البلوشي المحلي يشاركون في أنشطة الشرطة. 

ويعتقد الخبير الأمني الإيراني، مارك بيروز، أن هذه القوات في ثياب مدنية تنتمي على الأرجح إلى وزارة الاستخبارات - الجناح الاستخباري للحرس الثوري الإيراني - أو قوات الباسيج، الجناح شبه العسكري المتطوع للحرس.

وقال رجل يبلغ من العمر 53 عاما كان يحتج كل يوم جمعة، "على بعد حوالي 500 متر من المسجد، يختبئون وينتظرون وينشئون نقطة تفتيش ويغلقون الطرق".

وأضاف: "لا يمكن للناس حتى العودة إلى منازلهم. نعتقد أنهم من مجتمعاتنا ونحن نتجه نحوهم. ثم يأخذوننا ويقبضون علينا".

وقال أحد المتظاهرين للصحيفة: "حتى الآن، لم نتلق حتى أصغر شكل من أشكال حقوق الإنسان في هذا البلد"، مردفا: "نحن مستعدون للتضحية بأنفسنا اليوم من أجل أطفالنا غدا".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

رئيس الإمارات خلال اجتماعه بوزير داخلة طالبان بالوكالة (أرشيف)
رئيس الإمارات خلال اجتماعه بوزير داخلة طالبان بالوكالة (أرشيف)

في تقرير نشرته صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، اعتبر محللون أن قبول دولة الإمارات أوراق اعتماد سفير حركة طالبان الأفغانية، يعد "دليلا واضحا على الانقسام الدولي" بشأن كيفية التعامل مع نظام الحكم الجديد في أفغانستان.

ووفقا للصحيفة، فإن أبوظبي انضمت إلى "عدد صغير لكنه متزايد" من القوى الإقليمية التي أقامت علاقات مع طالبان، على الرغم من الجهود الغربية لعزل الجماعة الأصولية عقب سيطرتها على حكم أفغانستان في 15 أغسطس 2021.

وكانت كازاخستان قد قبلت، الشهر الماضي، قائمًا بالأعمال معيّن من قبل حركة طالبان، في حين زار رئيس الوزراء الأوزبكي، عبد الله أريبوف، أفغانستان، في أعلى زيارة لمسؤول أجنبي منذ عودة الحركة الأصولية إلى السلطة.

وفي هذا الصدد، أوضح الباحث البارز في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في البحرين، حسن الحسن، أن "طالبان متعطشة للاعتراف الدولي بها"، معتبرا أن قرار الإمارات قبول سفيرها "يحمل الكثير من الثقل".

طالبان شددت حملتها على النساء عقب عودتها للسلطة في 2021 - أرشيفية
ورغم أن أي دولة لم تعترف رسميا بحكومة طالبان، فإن تلك الجماعة المتشددة تقول إن "لديها دبلوماسيين في نحو 12 دولة، بما في ذلك الصين وروسيا والسعودية وقطر".

كما أقامت دول أخرى، بما في ذلك الهند، علاقات محدودة مع النظام في كابل.

وهنا، يرى الباحث  في "مؤسسة أوبزرفر للأبحاث" بنيودلهي، كابير تانيجا، أن جيران أفغانستان "يحشدون الجهود للتأكد من ضمان الاستقرار في جميع أنحاء المنطقة".

وتابع: "لحسن الحظ أو لسوء الحظ، فإن الكيان الوحيد الذي يساعد على تحقيق ذلك هو طالبان"، لافتا إلى أن تلك الحركة "قد لا تملك دبلوماسيين أذكياء جدا، لكنها تمكنت من الاستفادة من الأوضاع العالمية".

عناصر من تنظيم القاعدة بأفغانستان في عام 2011- صورة أرشيفية.
من جانبه، قال مسؤول إماراتي للصحيفة اللندنية، إن قرار قبول سفير لطالبان "من شأنه أن يساعد في بناء جسور لمساعدة شعب أفغانستان".

وأضاف ذلك المسؤول أن هذا يشمل "تقديم المساعدات، ودعم الجهود التي تعمل نحو خفض التصعيد وتحقيق الاستقرار الإقليمي".

ووفقا لمراقبين، فإن القبول الإقليمي المتزايد "يوفر لطالبان فرص التجارة والاستثمار"، في وقت تواجه فيه البلاد التي يبلغ عدد سكانها 40 مليون نسمة أزمة اقتصادية وإنسانية.

ونجحت شركات من دول مجاورة، في تأمين صفقات لبناء البنية الأساسية في أفغانستان، التي تملك موقعا استراتيجيا بين طرق التجارة في وسط وجنوب آسيا.

وصادقت طالبان على عشرات العقود للاستفادة من ثروة البلاد المعدنية غير المستغلة، التي تقدر بنحو تريليون دولار، و تشمل احتياطيات من النحاس والليثيوم.

وذهب بعض تلك العقود إلى مستثمرين من إيران وتركيا والصين، علما بأن الأخيرة تعهدت أيضًا بإدراج أفغانستان في مبادرة "الحزام والطريق".

وفازت شركة من أبوظبي بعقود لإدارة المطارات الأفغانية في 2022، متغلبة على اتحاد قطري تركي. وهناك الآن رحلات منتظمة بين كابل والإمارات.

تحذير من "الثقة"

وسعت حركة طالبان إلى تبديد الشكوك الدولية بشأن حكمها، قائلة إنها "منفتحة على المشاركة والاستثمار".

وأوضح رئيس المكتب السياسي لطالبان في قطر، سهيل شاهين، لفاينانشال تايمز: "إن سياستنا هي إقامة علاقات جيدة مع الجميع".

وبالنسبة للإمارات، فإن الأمن "يدفعها إلى النظر إلى التعامل مع طالبان باعتباره ضروريا"، كما قال جورجيو كافييرو، الرئيس التنفيذي لشركة الاستشارات "غلف ستيت أناليتيكس"، ومقرها واشنطن.

وأضاف كافييرو: "هذا ببساطة يتعلق بكون أبوظبي براغماتية، وتسعى الاستفادة القصوى من الوضع في أفغانستان".

ومع ذلك، حذر بعض المحللين من أن "الثقة في حركة طالبان قد تكون خطأ مكلفا، فباكستان كانت من أوائل المؤيدين للشراكة العالمية مع كابل التي تديرها طالبان، لكنها عانت من زيادة كبيرة في العنف المسلح من قبل مجموعات أصولية، ومن بينها فرع طالبان الباكستاني".

وأدى عدم رغبة طالبان - أو عدم قدرتها - على وقف "طالبان باكستان"، إلى تدهور حاد في العلاقات، حتى أن إسلام آباد شنت غارات جوية على أهداف لحركة طالبان الباكستانية في أفغانستان.

وقال دبلوماسي غربي للصحيفة البريطانية، إن "الوجود الأجنبي الدبلوماسي والاقتصادي المحدود داخل أفغانستان، يعني أن العديد من البلدان لا تزال تكافح من أجل تحديد مدى التهديد الذي يشكله حكم طالبان".

وشدد على أن المخاطر "لا تزال مرتفعة"، مضيفا: "من الواضح أن الدرس المستفاد من التاريخ هو أحداث 11 سبتمبر".