صورة أرشيفية من مظاهرة حاشدة في العاصمة الألمانية برلين، احتجاجاً على عقوبات الإعدام بحق المتظاهرين الإيرانيين
صورة أرشيفية من مظاهرة حاشدة في العاصمة الألمانية برلين، احتجاجاً على عقوبات الإعدام بحق المتظاهرين الإيرانيين

قالت منظمة العفو الدولية، الخميس، إن هناك حاجة ملحة إلى اتخاذ إجراءات دولية قوية لوقف "التصاعد المروّع" في عمليات الإعدام التي حولت السجون الإيرانية إلى "ساحات للقتل الجماعي" في عام 2023. 

وذكر التقرير الذي جاء بعنوان: "لا تتركوهم يقتلوننا": أزمة الإعدام التي لا هوادة فيها في إيران منذ انتفاضة 2022"، أن السلطات الإيرانية "كثفت من وتيرة استخدامها لعقوبة الإعدام لبث الخوف في صفوف الشعب وتشديد قبضتها على السلطة في أعقاب الاحتجاجات التي اندلعت في أعقاب مقتل مهسا أميني في 2022. 

ويدق التقرير الموجز ناقوس الخطر بشأن التأثير غير المتناسب لسياسات مكافحة المخدرات المميتة التي تنتهجها السلطات على المجتمعات الفقيرة والمهمشة. 

"موجة قتل"

وذكرت أمنستي، أن عدد عمليات الإعدام التي نفذت في 2023 بإيران يبلغ  853، وهو الأعلى المسجل منذ 2015 ويمثل زيادة بنسبة 48 بالمئة عن 2022، وبنسبة 172 بالمئة عن 2021. 

وتستمر "موجة القتل" في إيران في عام 2024، مع تسجيل ما لا يقل عن 95 عملية إعدام بحلول 20 مارس من العام الجاري، وفقا لمنظمة العدل الدولية التي أشارت إلى أن الأرقام التي سجلتها تمثل الحد الأدنى، وتعتقد أنَّ العدد الحقيقي هو أعلى من ذلك.

وقالت ديانا الطحاوي، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية: "إنَّ عقوبة الإعدام تُعد أمرًا بغيضًا في كافة الظروف، ولكن تطبيقها على نطاق واسع على خلفية جرائم تتعلق بالمخدرات بعد محاكمات فادحة الجور أمام المحاكم الثورية هو إساءة استخدام بشعة للسلطة". 

وأوضحت أن "سياسات الجمهورية الإسلامية المميتة لمكافحة المخدرات تُسهم في حلقة من الفقر والظلم الممنهج، وتزيد من ترسيخ التمييز ضد المجتمعات المهمشة، ولا سيما الأقلية البلوشية المضطهدة في إيران".

وبحسب المصدر ذاته، شهد العام الماضي أيضا موجة من عمليات الإعدام التي استهدفت متظاهرين ومستخدمين لوسائل التواصل الاجتماعي وغيرهم من المعارضين الفعليين أو المتصورين بسبب أعمال محمية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان وتنطوي على تهم مثل "إهانة النبي" و"الردة"، فضلًا عن تهم غامضة بـ"محاربة الله" و/أو "الإفساد في الأرض".

وأضافت ديانا الطحاوي: "ومن بين الذين أعدموا محتجون ومعارضون وأفراد من الأقليات العرقية المقموعة، فقد استخدمت السلطات عقوبة الإعدام كسلاح في محاولة منظمة لزرع الخوف بين الجمهور وقمع المعارضة. بدون استجابة عالمية قوية، ستشعر السلطات الإيرانية بالجرأة على إعدام آلاف الأشخاص الإضافيين في السنوات المقبلة مع الإفلات التام من العقاب".

"تحول فتاك ومقلق"

ويُعزى الارتفاع الحاد في عدد عمليات الإعدام في 2023 إلى حد كبير إلى تحول "فتّاك ومقلق" في سياسة إيران لمكافحة المخدرات بعد صعود إبراهيم رئيسي إلى الرئاسة وتعيين غلام حسين إجئي رئيسًا للسلطة القضائية.

وحللت منظمة العفو الدولية بيانات رسمية صادرة عن سلطات تنفيذية وقضائية عليا تنتقد علنا إصلاحات عام 2017 لقانون مكافحة المخدرات، والتي أدت إلى انخفاض كبير في عدد عمليات الإعدام المتصلة بالمخدرات بين عامي 2018 و2020، وتدعو إلى زيادة استخدام عقوبة الإعدام لمكافحة الاتجار بالمخدرات. 

وتُرجمت هذه المواقف الرسمية إلى "مسار تصاعدي مرعب" منذ 2021، مع تنفيذ 481 عملية إعدام متصلة بالمخدرات في 2023، تُشكل 56 بالمئة من إجمالي عدد عمليات الإعدام. ويمثل هذا زيادة بنسبة 89 بالمئة عن 2022 عندما تم إعدام 255 شخصًا لجرائم متصلة بالمخدرات وزيادة بنسبة 264 بالمئة عن 2021 عندما تم إعدام 132 شخصًا لنفس الجرائم.

وشكلت أفراد الأقلية البلوشية في إيران 29 بالمئة (138) ممن نفذت بحقهم عمليات الإعدام المتصلة بالمخدرات في 2023 في الوقت الذي يشكلون حوالي 5% فقط من سكان إيران، مما يكشف، بحسب التقرير، عن "التأثير التمييزي لاستراتيجية السلطات لمكافحة المخدرات على المجتمعات الأكثر تهميشا وفقرا".

وأوضح المصدر ذاته، أنه كثيرا ما تم إعدام الأفراد الذين أُعدموا بسبب جرائم متصلة بالمخدرات سرا بقسوة دون إخطار مسبق لأسرهم ومحاميهم.

وبدون اتخاذ إجراءات عاجلة من جانب المجتمع الدولي، سيستمر عدد عمليات الإعدام المتصلة بالمخدرات في الارتفاع، وسط الجهود المستمرة التي تبذلها السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية لسن قانون جديد فتاك لمكافحة المخدرات، من شأنه، في حال تم اعتماده، أن يوسع نطاق تُهم المخدرات التي تؤدي إلى عقوبة الإعدام. 

"أداة للقمع السياسي"

وطوال عام 2023، في أعقاب انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" في الفترة بين سبتمبر وديسمبر 2022، كثّفت السلطات الإيرانية أيضا من وتيرة استخدامها لعقوبة الإعدام كأداة لقمع المعارضة.

ففي نفس السنة، أعدمت السلطات ستة رجال فيما يتعلق بانتفاضة 2022 ورجل واحد فيما يتعلق باحتجاجات نوفمبر 2019 التي اندلعت في جميع أنحاء البلاد. وحُكم على ما لا يقل عن سبعة أشخاص آخرين بالإعدام، وهم معرضون لخطر الإعدام الوشيك، فيما يتصل بالاحتجاجين.

وقد أدى ارتفاع عدد عمليات الإعدام إلى إضراب بعض السجناء المحكوم عليهم بالإعدام عن الطعام وقيامهم بالمناشدة العلنية للتدخل لوقف إعدامهم، وفقا للمصدر ذاته.

وشهد العام الماضي أيضا "تصعيدا صادما" في استخدام عقوبة الإعدام ضد الأحداث الجانحين، حيث تم إعدام صبي يبلغ من العمر 17 عاما وأربعة شبان أدينوا بجرائم وقعت عندما كانوا دون سن 18 عامًا، بحسب أمنستي.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Aftermath of an Israeli strikes, in Rafah
الحالات الأكثر شيوعا هي القلق والاكتئاب والمشاكل النفسية الجسدية، بحسب منظمة الصحة- الصورة بعد قصف إسرائيلي في رفح

سلطت شبكة "إيه بي سي نيوز" الأميركية، الضوء على أزمة الصحة النفسية "الكارثية" التي تؤثر على المدنيين والعاملين في المجال الإنساني بقطاع غزة، وسط الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر.

واندلعت الحرب في قطاع غزة، إثر هجوم حماس (المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى) غير المسبوق على إسرائيل في السابع من أكتوبر، مما أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون، وبينهم نساء وأطفال، وفق السلطات الإسرائيلية.

وردا على الهجوم، تعهدت إسرائيل بـ"القضاء على حماس"، وتنفذ منذ ذلك الحين حملة قصف أُتبعت بعمليات برية منذ 27 أكتوبر، أسفرت عن مقتل أكثر من 35 ألف فلسطيني، معظمهم نساء وأطفال، وفق ما أعلنته السلطات الصحية بالقطاع.

 

"خسائر عقلية وعاطفية"

وإلى جانب الخسائر المادية للحرب ومعاناة سكان غزة من سوء تغذية بسبب نقص الغذاء والمياه النظيفة، تسببت الحرب وفق ما نقلت الشبكة عن عمال الإغاثة، في "خسائر عقلية وعاطفية أيضا، حيث سيطر الخوف والقلق على البالغين والأطفال على حد سواء، وخلف صدمات من المرجح أن تستمر لعقود من الزمن".

وقال مسؤولو الإغاثة، حسب "إيه بي سي نيوز"، إنه إذا شنت إسرائيل هجوما بريا شاملا على رفح جنوبي القطاع، "فمن المرجح أن تنهار الجهود الإنسانية، بما في ذلك الاستجابة للصحة العقلية".

ونقلت الشبكة عن الطبيبة النفسية في منظمة أطباء بلا حدود، أودري مكماهون، قولها إن أزمة الصحة العقلية هناك "كارثية بالفعل. وتزداد سوءا".

وأضافت الطبيبة التي كانت مديرة أنشطة الصحة العقلية في القدس حتى مارس: "لقد أصبحت غزة مكانا غير صالح للعيش. إنه أمر لا يمكن فهمه، خصوصا أن أساس الصحة العقلية هو الأمن والأمان، وهو شيء يمكن لأي شخص التنبؤ به؛ لكنهم (سكان القطاع) لا يمكنهم فعل ذلك".

ولا توجد بيانات توثق أزمة الصحة العقلية بين سكان غزة خلال الحرب، لكن الدراسات التي أجريت بعد الصراعات الماضية أظهرت آثار العيش في المناطق التي مزقتها الحرب.

وأوردت الشبكة نقلا عن منظمة الصحة العالمية، أن ما لا يقل عن 10 بالمئة من أولئك الذين تعرضوا لأحداث مؤلمة في النزاعات المسلحة سيعانون من مشاكل خطيرة في الصحة العقلية، و10 بالمئة آخرين "سيتطور لديهم سلوك من شأنه أن يعيق قدرتهم على العمل بفعالية".

وقالت منظمة الصحة العالمية، وفق الشبكة، إن الحالات الأكثر شيوعا هي "القلق والاكتئاب والمشاكل النفسية الجسدية، بما في ذلك الأرق وآلام الظهر والمعدة".

كما وجدت دراسة حديثة نشرت في مجلة "The Lancet" الطبية، أنه في الشهر الأول من الغزو الروسي لأوكرانيا في مارس 2022، أظهر المسح الأول للصحة العقلية للأوكرانيين، أن 53 بالمئة من البالغين كانوا يعانون من ضائقة نفسية شديدة، و54 بالمئة كانوا يعانون من القلق، و47 بالمئة كانوا يعانون من الاكتئاب.

 

معاناة الأطفال

وحسب "إيه بي سي نيوز"، يقول الخبراء إنه نظرا لأن الأطفال يشكلون نسبة كبيرة من سكان غزة، فقد تأثروا بشكل غير متناسب بالحرب، وبالتالي بأزمة الصحة العقلية.

وأبلغ الطبيب النفسي ومدير أنشطة الصحة العقلية في منظمة أطباء بلا حدود، المتواجد حاليا في رفح، دافيد موساردو، الشبكة أنه خلال أحد أيامه الأولى في مستشفى رفح الإندونيسي الميداني، التقى بفتاة تبلغ من العمر 10 أعوام أصيبت بحروق بسبب القتال العنيف، تصرخ بأنها لا تستطيع التنفس.

وأضاف: "من الواضح أنها كانت تعاني من نوبة ذعر. بدأنا ندرك أنه في كل مرة يتعين علينا تقديم الرعاية الطبية، كانت تعاني من الألم الذي عاشته".

وأوضح موساردو أنه رأى العديد من الأطفال في غزة يعانون من ردود فعل إجهاد حادة، ونوبات هلع أو صراخ حتى لو تم تخديرهم، مشيرا إلى "أطفالا آخرين أصيبوا بصدمة شديدة بسبب ما مروا به، مثل فقدان أحد الوالدين، لدرجة أنهم ينغلقون ولا يعبرون عن أي نوع من المشاعر".

فيما قالت المتحدثة باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، تيس إنغرام، إنه خلال رحلتها الأخيرة إلى غزة في أبريل، "أخبرها الآباء أن أطفالهم أصبحوا منعزلين، حيث يتحدثون أقل، ويلعبون أقل، وينامون أقل".

 

عمال الإغاثة

يعاني أيضا العاملون في مجال الرعاية الصحية في غزة فيما يتعلق بصحتهم العقلية، وفق الشبكة، إذ يخاطر العديد منهم بحياتهم من أجل توفير الرعاية الطبية، وسط محدودية المساعدات.

وقالت مكماهون إن العديد من الطواقم الطبية التابعة لمنظمة أطباء بلا حدود في غزة، "يعملون تحت ضغط نفسي شديد، كما حوصر البعض في المستشفيات خلال الغارات الإسرائيلية، وعليهم أن يقرروا ما إذا كانوا سيتركون المرضى وراءهم أو ينقذوا حياتهم، مما يؤدي إلى الشعور بالضيق والذنب".

وذكر موساردو أن الطواقم الطبية تتأثر أثناء علاج المرضى في وقت الحرب، مضيفا: "الموظفون غالبا ما يأتون لرؤيتي خلال المناوبات الليلية في المستشفى، عندما يكون الجو أكثر هدوءا".

فيما قالت مكماهون للشبكة الأميركية: "إن الندوب ستدوم طويلا وتستمر مدى الحياة".

وتابعت: "إن ما كان وما زال يحدث هو أمر مروع تماما وغير طبيعي على الإطلاق. من المحتمل أن تكون الحرب مؤلمة للجميع، لكن هذا النوع من الهجمات على المدنيين، وعلى الأطفال، يؤثر حقا على رؤيتك للعالم، وإحساسك بالإنسانية، وهذا صعب تغييره أو الشفاء منه بعد ذلك".

يشار إلى أن إسرائيل أكدت في أكثر من مناسبة على أنها "لا تستهدف المدنيين الفلسطينيين"، وإن اهتمامها يتمحور حول "القضاء على حماس وتحقيق الأمن".