عائلة موصلية نازحة في مخيم الخازر شرق المدينة/إرفع صوتك
عائلة موصلية نازحة في مخيم الخازر شرق المدينة/إرفع صوتك

الموصل - بقلم متين أمين:

"مسلحو داعش ذبحوا أمام أعيننا صديقنا محمد ورموا بجثته أمام باب بيتهم وطلبوا من أهله أن يحملوا جثة ابنهم إلى داخل البيت وألا يفتحوا الباب، فابنهم كافر"، بهذه الكلمات بدأ حسن عمار (8 أعوام) يحكي لموقع (إرفع صوتك) ما شهده من موقف مرعب أثناء سيطرة التنظيم على مدينة الموصل.

يقول حسن الذي يسكن مع عائلته في حي النور الذي يقع في الساحل الأيسر من مدينة الموصل، والخوف يظهر على وجهه الصغير وهو يعصر دموعه حزنا على صديقه وخوفا من التنظيم الذي لم يسلم حتى الأطفال من جرائمه إنّ مسلحي داعش كانوا دائما يمرون في الزقاق الذي يقع فيه بيت صديقه محمد القريب من زقاق منزله. "كانوا يوجهون بنادقهم إلينا ويضربوننا بالعصي والخراطيم الموجودة بأيديهم ويمنعوننا من اللعب في الباب ويطلبون منا الدخول إلى البيت، وإلا سيقتلوننا".

قتلوا صديقه!

ويروي حسن أنّه في أحد الأيام، كان يلعب مع أصدقاء آخرين أمام بيت محمد، ولم يكونوا يعلمون أن مسلحي التنظيم يقفون بالقرب منهم. "وفجأة حدث حوار بيننا على اللعبة، وقال محمد لأحدنا من داعي اللعب (اللعنة على مذهبك)، فسمعه مجموعة من المسلحين الذين كانوا يتجولون في الزقاق، فمسكه أحده وقال لماذا تكفر؟ فأبلغه محمد أنه يلعب ولم يكفر لكن المسلح أخرج سكينا وذبح محمد فورا أمام أعيننا وبدون أي رحمة".

ويضيف حسن أنه وأصدقاءه الآخرون الذين كان عددهم نحو خمسة أطفال لا يتجاوز عمر أكبرهم التسع أعوام، أجهشوا جميعهم بالبكاء وراحوا يصرخون بعد أن أصيبوا بصدمة خوف ما زالوا يعانون منها، فضربوهم مسلحو داعش بالسياط والعصي ضربا مبرحا وهددوهم أنهم سيُذبحون فيما إذا صرخوا أو بكوا.

يردف حسن بالقول "عائلة محمد خرجت فورا حالها حال العوائل الأخرى في الزقاق ليروا ماي حدث بعد أن تعالت الأصوات، فوجودوا إبنهم غارقا في دمائه لكن المسلحين لم يعطوهم المجال للكلام وضربوهم وطلبوا منهم أن يحملوا جثة ابنهم إلى البيت وألا يخرجوا منه".

عائلة محمد لم تستطع أن تنظم مراسم العزاء لأن التنظيم منعهم من ذلك، ومنعهم أيضا من دفن ابنهم في مقبرة المدينة لذا اضطروا إلى دفنه في حديقة البيت. ويضيف حسن الذي عاد مؤخرا إلى المدرسة التي حُرم منها بسبب داعش "ما زات أنظر إلى مقعد محمد داخل الصف وأبكي يوميا عليه".

حاولنا لقاء مع عائلة محمد لكنها رفضت الحديث عن قصة ابنهم واكتفى والد محمد  بالقول "اللعنة على داعش". 

لا يعرف كيف سيكون المستقبل

ولا يعرف حسن أن يجيب عن كيف سيكون مستقبله، فهو لا يزال غارقاً في الأوضاع الراهنة. لكنّه بدأ يرى نافذة أمل بعد تحرير مدينته. وبحسب شهادات التلاميذ الموصليين، التنظيم ألغى درس الرياضة واستبدله بالتدريبات العسكرية وكيفية استخدام الأسلحة وأنواع العبوات الناسفة وكيفية صناعتها وتفجيرها. وكان مسلحوه وعناصر الحسبة (شرطة داعش) متواجدين في المدارس لتدريب الأطفال فكريا وعقائديا وعسكريا بهدف بناء جيل من الشباب المتشدد مستقبلا. ولتحصينه من داعش، منع والدا حسن ابنهما من الذهاب إلى المدرسة أثناء استيلاء داعش على التعليم في الموصل.

الطفلة رُسل محمود (12 عاما)، فحكايتها مختلفة عن حكاية حسن، فقد تركت المدرسة خوفا من مسلحي داعش ولحاهم الطويلة وطريقة تعاملهم مع النساء اللاتي لم يمتثلن لقوانينهم. وتقول رُسل لموقع (إرفع صوتك) "لم نر من التنظيم سوى القسوة والأذى، أتذكر كنت واقفة في باب بيتنا وكنت ألبس الخمار فصرخ علي أحد عناصر الحسبة وطلب مني أن أضع الغطاء الثالث، حينها أُغمي علي فورا من شدة الخوف".

وتذكرُ رُسل اليوم الأول من المدرسة في ظل سيطرة تنظيم داعش على الموصل في عام 2014. وتقول "ذهبنا إلى المدرسة في أول يوم من حكم داعش، فجمعونا في الساحة وحضرت بعد وقت قصير مجموعة من عناصر الحسبة من النساء والرجال، وكان بينهم داعشي كبير بالسن وهو مسؤول المجموعة، بدأ بإلقاء خطاب مطول علينا وبعدها مر بنا واحدة واحدة وسألنا عن عدم ارتدائنا الخمار، وسألني هذا الداعشي نفس السؤول فاحترت بماذا أجيبه، لذلك خفت كثيرا وكان ذلك آخر يوم لي في المدرسة".

وتشير هذه الفتاة إلى أن مسلحي داعش كانوا يقرؤون للأطفال في المدارس كُتيبات وجرائد وبيانات عسكرية وعقائدية وأخرى في فكر التنظيم الإرهابي ويعرضون أفلام لمعارك التنظيم ودعايات لمسلحيه.

وتروي رُسل أنها مع دخول قوات مكافحة الإرهاب إلى منطقتها خلعت الخمار والنقاب. وتختتم حديثها لنا بالقول "لا أعرف ما ينتظرني في الغد، لكن أعرف أني كنت أول من خلع الخمار ولن ألبسه طول عمري".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.