مجموعة من الشابات في الموصل يحاولن احياء المدينة ويحتفلن في عيد الحب/وكالة الصحافة الفرنسية
مجموعة من الشابات في الموصل يحاولن احياء المدينة ويحتفلن في عيد الحب/وكالة الصحافة الفرنسية

بقلم علي قيس:

تساقطت من عيونها دموع الفرح وبدأ جسمها يرتعش حين لمحت هاتفها يرن، وعلى شاشته يظهر اسم خطيبها الذي لم تكن تعرف عنه أيّ شيء منذ نحو أربعة أشهر.

تلك لحظة فارقة عاشتها ليلى (19 عاما)، من أهالي الساحل الأيسر للموصل، وقبلها لم تكن تمر دقيقة عليها دون قلق، فسماعها لأخبار الجانب الأيمن وحالات القتل والإعدامات التي تنفذها عناصر داعش هناك، جعلها عرضة لمشاعر الخوف الدائم.

ليلى كانت تأمل أن تكون خطوبتها في نيسان/أبريل 2016 من محمد الذي يسكن الجانب الأيمن من المدينة، بداية حياة جديدة، دون أن تدري كم هي صعبة تلك الآمال وتلك الحياة الجديدة مع وجود تنظيم إرهابي هو نقيض الأمل والحياة.

ومع بدء العمليات العسكرية لتحرير الموصل في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2016، انقطع التواصل بين ليلى وخطيبها بسبب توقف الاتصالات وقطع الطرق بين الجانبين.

برامج الأزياء

ليلى التي أزاحت عن وجهها الظل الثقيل للنقاب والذي أجبرت على وضعه تنفيذا لوصايا التنظيم المتطرف، تتابع اليوم برامج الأزياء في التلفزيون، علّها تلمح في فقرة ثياب الزفاف ما تحلم أن ترتديه في يوم زواجها، كما تبوح الفتاة الموصلية لموقع (إرفع صوتك).

وتروي ليلى "خطيبي قال لي إنّه بخير وإنّه سيأتي لنكمل مشروع الزواج، وأخبرني أن كل ما علّي فعله هو الصبر حتى انتهاء معارك التحرير"، مضيفة "تتسابق أمامي مشاعر الخوف على محمد من العمليات العسكرية ومشاعر الفرح بعودته مجددا، لكن فرحتي أقوى من خوفي، فكما نجونا نحن في الأيسر من بطش داعش، سينجو محمد وأهالي الأيمن أيضا".

نجاة من الموت

هذا الشعور بالثقة عند ليلى ترسّخ بعد نجاة خطيبها محمد من الموت قبل أيام أثناء سقوط صاروخ قرب مكان عمله. ورغم خسارته عمله بسبب تحطم محل المواد الغذائية الذي كان يعمل فيه بائعا، ورغم أنّ وضع خطيبها المادي يبدو عائقا أمام إتمام إجراءات الزواج، لكن هذا لن يمنعهما من المضي قدما.

أبو ليلى

والد ليلى متمسك بشروطه التي وضعها أمام خطيب ابنته، وفي مقدمتها أن لا يتم الزواج إلا بعد تحرير مدينة الموصل بالكامل وطي صفحة داعش، لأنه يخشى على ابنته من ظروف صعبة قد تواجهها في حال بقاء التنظيم.

"منذ منتصف 2014 والأزمات تعصف بأهالي الموصل، سواء على الصعيد الأمني أو على صعيد الغذاء والماء والخدمات الصحية، لا يوجد استقرار في المدينة"، يقول أبو ليلى لموقع (إرفع صوتك) دون أن ينسى إضفاء شيء من الطرافة على شروط الزواج بقوله "يجب أن يشجع محمد ريال مدريد، لن أسمح أن يكون نسيبي من غير مشجعي النادي الملكي".

ويعود والد ليلى لحديثه الجاد بعد ضحكة سريعة أثناء حديثه معنا عبر الهاتف، "ما تشهده الموصل لا يعني توقف الحياة فيها، كنا ذات يوم محتجزين في جانبنا الأيسر من قبل داعش، وها هي حياتنا اليوم تعود إلى طبيعتها. سيرتدي العريسان ملابس الزفاف قريبا إن شاء الله".

حكاية ليلى ليست الوحيدة. هي حكاية من آلاف حول مصائر موصلية توزعت بين نازحين ومفقودين ومحتجزين بسبب ما اقترفه داعش في المناطق التي احتلّها. لكنّ هذه المصائر، رغم كلّ شيء، ظلّت تفتح للحياة الباب تلو الباب.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.