آثار الحرب واضحة على حي القادسية بالموصل/وكالة الصحافة الفرنسية
آثار الحرب واضحة على حي القادسية بالموصل/وكالة الصحافة الفرنسية

بقلم إلسي مِلكونيان:

"لو كنتُ عازباً، لكنت هجرت الموصل التي أصبحت الحياة فيها لا تطاق. لا أفهم كيف يمكنك أن تعيش ومرتبك لم تتقاضاه منذ عام ونصف؟ ولكن وجود بناتي في حياتي يقنعني كل مرة أنني يجب أن أمكث للحفاظ على سلامتهن"، هذه قصة يرويها الموصلي وعد الطائي لموقع (إرفع صوتك) شارحاً من خلالها سبب بقائه في المدينة برغم المعارك.

ويضيف وعد وهو موظف جامعي ووالد لثلاث فتيات (أعمارهن عامان وست وثمان سنوات) أن الكثيرين من معارفه اتخذوا القرار ذاته، فبقوا مع أطفالهم في المدينة برغم ظروفها السيئة "كنوع من المقاومة السلمية لداعش" حسب تعبير الطائي موضحاً أن قضية التشبث بالمدينة هو من ثقافة أهل الموصل.

بالمقابل، تشير تقارير اليونيسف إلى نزوح أكثر من 100 ألف طفل منذ بداية المعارك في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2016. وحيث أن مصير الأطفال يرتبط بذويهم، عاد بعضهم إلى شرق المدينة بعد تحرير مناطقها برغم صعوبة الظروف المعيشية والأمنية. فلماذا عادوا؟

معاناة الأطفال

وقد يبدو الجانب الشرقي المحرر من المدينة بحالة أفضل. ولكن الأطفال الذين يشكلون ثلث عدد السكان، لا يتلقون غذاء كافياً فكثير من العوائل تضطر لأكل وجبات قليلة ولا يحصلون على المياه النظيفة، حيث أصبح الناس يعتمدون على مياه الآبار. كما يعاني هذا الجزء من المدينة أيضاَ من عدم كفاية الخدمات الصحية التي تشرف عليها المنظمات الدولية المعنية بشؤون الإغاثة، حسب معلومات أفادت بها صفحة مبادرة "عين الموصل" لموقع (إرفع صوتك).

أما في القسم الغربي للمدينة، والذي يعيش فيه حوالي 350 ألف طفل (أي نصف عدد السكان)، يعاني الأطفال بشكل خاص من أزمة حادة ونقص الغذاء والدواء. وتفيد معلومات "عين الموصل"  أن "نقص الحليب عرّض الكثير من الأطفال الصغار إلى الجفاف، وتم تسجيل ثمان حالات وفاة بسبب نقص الغذاء".

خوفا من القتل أثناء النزوح

من جهته، يوضح وعد الطائي أن سبب بقاء بعض العائلات في الموصل هو يقينهم بأن الحياة في المخيمات ستكون أصعب.

ويقول وعد "مسألة النزوح ليست بالأمر السهل، خاصة بوجود أطفال. الكثيرون بقوا في المدينة لأن الطريق التي تصل الموصل بأي منطقة أخرى محفوفة بالمخاطر والألغام، إذ قتل العشرات بسبب داعش أو أخطاء القوات العراقية. أما هنا، يوجد علاقات اجتماعية بحيث نساعد بعضنا بعضاً على الأقل في حالة الخطر مادياً، أو معنوياً".

ويضيف المواطن الموصلي إلى أن إحكام قبضة داعش على الجانب الغربي للمدينة جعل الهرب مستحيلاً، في حين كانت الطرق المؤدية إلى مناطق شرق الموصل مفتوحة نوعاً ما.

ويشير وعد أيضاً إلى حدوث نزوح داخلي ضمن الجانب الشرقي للمدينة، إذ نزح الناس الذين يقطنون مقابل النهر داخلياً بسبب "تعرضهم إلى قذائف وقنابل تسقطها عليهم طائرات داعش المسيرة إلى مناطق أخرى".

أين ذهب النازحون ولماذا عادوا؟

وعندما بدأت المعارك لتحرير الجانب الأيسر، فرّ الأهالي مع أطفالهم بعدة اتجاهات. وكان مقصدهم الأول جهة الشرق (مخيم حسن شام والخازر) والذي وصل إليه 60 ألف شخصاً، نصفهم من الأطفال. بينما قصد آخرون سهل نينوى شمال الموصل أو نزحوا باتجاه الجنوب. ووصل عددهم الإجمالي إلى حوالي 220 ألف نازح، حسب توضيح باستيان فينيو، مستشار الطوارئ الإقليمي لمنظمة اليونيسف.

وقال فينيو لموقع (إرفع صوتك)"كنت أشاهد علامات السعادة والارتياح على وجوه النازحين حين يصلون إلى المناطق الآمنة أي المخيمات. وكان بعض الأطفال يصلون مع ذويهم وبعضهم الآخر بصحبة الوالدة فقط".

ويتابع "ولكنني أعلل سبب عودة 67 ألف إلى شرق الموصل بعد تحريره هو شعور الناس أن منازلهم أفضل من المخيمات وخاصة بعد عودة بعض الخدمات الرئيسية إليها من غذاء وصحة وافتتاح ما يقارب 70 مدرسة تستقبل حالياً 55 ألف طالب".

كما يوضح فينيو أن سبب بقاء أكثر من 350 ألف طفل غرب الموصل يعود إلى عدم قدرة ذويهم على الفرار ولكن في حال فتح الطريق يتوقع "نزوح 250 ألف شخص، نصفهم من الأطفال باتجاه حمام العليل جنوب الموصل". ويتابع أن اليونيسف وشركاءها يقومون ببناء مخيمات جديدة أو توسيع المخيمات الحالية، كتلك الموجودة في القيارة.

إلى ذلك، يستمر التنسيق بين اليونيسف ومنظمات الإغاثة الأخرى لتقديم العون للمحتاجين أياً كانوا: نازحين في المخيمات أو محتاجين للمساعدة في شرق الموصل أو غربها بعد التحرير وسيتم التعاون مع المؤسسات المحلية لتدريب كوادرها للنهوض بشؤون المدينة على المدى البعيد.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.