فلاح المشعل
من أصواتكم - فلاح المشعل

بقلم فلاح المشعل:  

* "ثقافة داعش" والثقافة البديلة

لم يكن لداعش أن ينشأ وينمو لولا وجود مناخ ثقافي وبيئة نفسية واجتماعية غارقة بأزمات على رأسها ممارسات القهر وشتى أنواع المظالم والدفع لحافات اليأس.

وإذا كانت منهجيات الحكومات المستبدة تشكل الحافة الأخيرة التي يسقط منها الإنسان السليب أو المغسول عقليا في متاهات داعش، فإن الخطوات التي ترافق ذلك بضغط عالي تتمثل في الحاضن الثقافي والفكري الذي يعطي التأهيل لتقبل فكرة التحول من السلوك الإنساني القويم إلى التصرف ببدائية تعيده لأجواء الكهوف والتعايش مع الوحوش الضارية وشهية القتل وفكرة الإبادة التي تجعله متصالحا مع "الإله" الذي تخترعه تلك الثقافات.

إن الحاضن الثقافي المتمثل بأطروحات وفتاوى وتعاليم أحزاب إسلامية أصولية منصرفة لإدارة فقه التوحش والتكفير، يعد السماد النوعي لأشجار الزقوم الداعشي في بعض مناخات الثقافة العربية والإسلامية التي التزمت الأصولي الصلف، وما يجاورها من نفايات الطائفية.

رواد الثقافة الداعشية وقاعدتها من الأحزاب الأصولية والإخوانية رفعت عقيرتها بالاحتجاج والاعتراض على التحالف الدولي ومشروع الحرب على داعش، في فضيحة أخلاقية وإنسانية ستدونها ذاكرة المجتمع الإنساني في خانة الجرائم المخلة بالشرف الإنساني.

وحين احتشدت دول العالم في عاصمة النور باريس لتوزيع الأدوار في مكافحة سرطان الوجود الحضاري داعش، وجدنا أحزاب التطرف الإسلامي والتكفيري في ضرب من غرائبية تعبير عن الولاء للدم والجريمة، يباركون لداعش جرائمها التي تستنكف منها حتى الوحوش، ويحضون بعض الأنظمة العربية على عدم المشاركة في القضاء على هذا الوباء الشامل!

الإشكالية التي رافقتنا كأمة عربية تعبر في صور متعددة ومتعاقبة عن مضمونها في تاريخ دموي لم يزل يحظى بالتمجيد والتخليد في وجداننا المعاصر. وإذ يتقاطع أحيانا مع قفزات الوعي المكتسب ويشعرنا بالإثم لأننا نغرم بالقتلة ونمجد السفاحين، ثم نلعنهم بعد خراب البصرة والأرواح.

هذه المتضادات لم تنتج خطوات على مسار التقدم والحوار الحضاري المواكب لبقية الأمم والمجتمعات، وإنما تدفع بوعي الأمة نحو مفازات وتقاطع طرق تجعلها تدور في حلقة دائرية تعيدها دوما لنقطة الانطلاق؛ والسبب أنها لم تزل ماكثة في الماضي ولم تجرأ على دخول التاريخ الحديث ورهانات المعرفة في الزمن المعاصر.

هذا السلوك التعاقبي عبر متغيرات الزمن، لم يعط لنا فرصة الاتفاق على كينونتنا التاريخية أو الإسلامية، أو حتى معرفة العدو من الصديق، إنما كرست لمزيد من الانشقاقات والخلافات وأسباب موت الأمة، أو وضعها في طريق يخرجها عن مسار التقدم.

كل الأمم والمجتمعات تتطلع إلى المستقبل، وتحاول أن تعرف أين تضع قدمها في الخطوة اللاحقة، نحن الأمة الوحيدة في هذا الكون التي تنظر إلى الوراء، بل وتتصارع من أجل هذا الوراء (الصراع الشيعي-السني)، وبوحي منه تحاول اختراع أسباب للخلاف على الراهن والمستقبل أيضاً.

الذين رحبوا بتنظيم داعش التكفيري الدموي في العراق تحديدا، رغم معرفتهم بأهدافه وخلفياته الإجرامية المطلقة، وكانوا أداة وعونا له تحت شعارات الخلاص والانتفاضة وعداء الحكومة، تجدهم اليوم يعضون أصابع الندم ويدفعون الثمن باهضاَ، ويدفعون دماء وأرواحاً في معركة تحرير الموصل وطرد داعش من الوطن.

فالوطن ليست ساحة للرهان والمساومة أو بورصة للكسب أو التفاخر الأجوف. الوطن في عرف الأحرار حلم مقدس ومنطقة حرام لا يمكن الاقتراب منها، لكن بعض النخب الدينية التي تكلست قناعاتها وانغلقت على موقف عدمي يستمد هواه من موروثات الماضي وعقده، لا يكترثون لضياع الوطن أو الناس، بل إنهم بدرجة ما مشاركون بالجريمة والتواطؤ مع داعش.

تلك الأخطاء تضعنا عادة على رصيف الخسارة، فالثمن اليوم باهض ولا يتمثل بالأموال والأعراض وقتل الحياة بكل معانيها وحسب، بل في خيانة الذات والوطن والتاريخ والإسلام وكل منتجات الحضارة، إنه توقيع على وثيقة التوحش والانسلاخ عن كل المبادئ والقيم التي تميز الإنسان عن المزبلة.

والسؤال الذي يبرز بينما نقف على مقربة من زمن ما بعد داعش: ما هي الثقافة البديلة التي ينبغي أن تسود على الضد من "ثقافة داعش" وحاضناتها؟

كيف نكافح مخلفات داعش ونحرر الذوات من آثارها وشرورها؟

أسئلة تبحث عن رؤى ثقافية بديلة تتجاور في علاجها مع الأساليب والرؤى الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، وهو ما سنعرضه في الحلقة المقبلة.

نبذة عن الكاتب: فلاح المشعل، كاتب وصحافي عراقي يقيم في بغداد ويكتب في عدد من الصحف والمواقع العربية والعراقية. شغل عدة مواقع خلال تجربته الصحافية البالغة نحو 30 سنة، ولعل أبرزها رئيس تحرير صحيفة الصباح العراقية، وكان أحد مؤسسيها . عضو نقابة الصحفيين العراقيين ، ومؤسس لمركز الصباح للدراسات والنشر.

لمتابعة فلاح المشعل على فيسبوك، إضغط هنا.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.