نازح عراقي يقصّ لحيته بمجرد وصوله إلى وحدات القوات العراقية في حي الانتصار المحرر بالموصل/وكالة الصحافة الفرنسية
نازح عراقي يقصّ لحيته بمجرد وصوله إلى وحدات القوات العراقية في حي الانتصار المحرر بالموصل/وكالة الصحافة الفرنسية

بقلم خالد الغالي:

"تحسّ نفسك شخصا آخر. صرت أصغر تقريبا بـ10 سنوات. إنه شعور الحرية"، هذا ليس كلام شخص خرج من السجن بعد عقوبة طويلة، إنه فقط شعور شخص حلق لحيته بعد أن منع من ذلك لأكثر من سنة ونصف: صالح، أحد ساكني الجانب الأيسر من الموصل (شمال)، وقد أصر على حلق لحيته في اليوم الأول من تحرير منطقته من سيطرة تنظيم داعش.

في الأول من حزيران/يونيو 2015، أعلن تنظيم داعش أن حلق اللحية صار ممنوعا بالكامل في مدينة الموصل (شمال). تزامن الإعلان مع مرور سنة كاملة على احتلال ثاني أكبر مدينة عراقية بعد العاصمة بغداد.

قبلها بأسابيع، أطلق التنظيم حملة جس نبض. "ابتداء من شهر نيسان (أبريل) 2015، بدأ صدور التعليمات والأوامر من قبل ديوان الحسبة التابع للتنظيم بعدم حلق الرجال للحاهم. حينها كانت مرت 10 أشهر على سيطرة التنظيم على المدينة"، قال عمر الذي يقطن في القسم المحرر من الموصل في تصريح لموقع (إرفع صوتك).

ويضيف "تمت التعليمات على شكل إبلاغ شفهي بالخطب في الجوامع، ثم عبر منشورات ورقية، ومطبوعات ملونة. كانت التعليمات توزع عبر مفارز على السيارات المارة في الشوارع العامة والتقاطعات الرئيسية، وكذلك عبر مفارز راجلة في الأسواق العامة".

أما صفاء، الذي يقطن حاليا في بغداد وكان لفترة في الموصل تحت حكم داعش، فيقول "في بداية سيطرة داعش كان الوضع طبيعيا. تدريجيا، بدأ بنشر هذه التعليمات وغيرها بعد أن تأسس ما يسمى ديوان الحسبة".

المنع النهائي

لم يستغرق الوضع أكثر من شهر وبضعة أسابيع للانتقال إلى المرحلة التالية: المنع النهائي. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية أن التنظيم وزع حينها كتابا يؤكد فيه أن "حلق اللحية ليس معصية فحسب، إنما مجاهرة بالمعصية". ويعلن "جزى الله الإخوة في ديوان الحسبة في الدولة الإسلامية على إصدارهم أمرا بمنع الحلاقين من حلق اللحى ومحاسبة المقصرين".

لاحقا، ستتوسع قائمة قوانين داعش: تقصير السراويل، أداء الصلوات الخمس في المسجد، حظر الموسيقى، منع التدخين، منع استخدام الهواتف النقالة والإنترنت وحتى الصحون اللاقطة (الساتلايت).

خلال المرحلة التي سبقت المنع النهائي، اختلف تعامل الموصليين. "الكثير قالوا قد ﻻ يكون أمرا جديا، وربما يتعلق فقط بعدم الحلاقة بالشفرة وأنه من الممكن تخفيفها وتحديدها، لكن البعض أخذ الأمر على محمل الجد وقال مثلما فرضوا الخمار على النساء ونجحوا سيعلمون على فرض قوانينهم فيما يتعلق باللحى"، قال عمر. ويضيف "بعد مدة، صار الأخذ من اللحى ممنوعا بأية طريقة كانت". حتى الذين أظهروا بعض التمرد استجابوا في النهاية بعد اعتقالهم من قبل رجال الحسبة.

الجلد والسجن والغرامة

يواجه المخالف عقوبات تتوزع بين الجلد والسجن والغرامة، مع إرغامه أحيانا على خوض "دورة شرعية". حسب عمر، تتراوح عقوبة الجلد بين 10 جلدات إلى 30، وفق رأي القاضي أو مسؤول الحسبة. أما الغرامة ففي حدود 50 ألف دينار عراقي (42 دولارا). في المقابل، عقوبة السجن لا تطبق كثيرا، وهي في الغالب المدة التي يقضيها المخالف في انتظار صدور حكم القاضي، وقد تمتد من ساعات إلى أسبوع. أما "إذا جادل أو ناقش أعضاء الحسبة أو القاضي، يزيد عليه عقوبة قد تصل إلى 10 أيام. هذا إن لم يكشف عن مخالفات أخرى قد ارتكبها مثل عدم تقصير البنطال أو ما شابه ذلك"، يوضح عمر.

سعيد كوران، الصحافي العراقي المقيم في ناحية كلك (30 كلم شرق الموصل) حكى لـ(ارفع صوتك) قصة أرسلها له أحد أصدقائه في الموصل، واسمه ريان. يقول الشاب الموصلي، 22 عاما، "لمدة ستة أشهر لم ألمس لحيتي. بعد الشهر السادس، بدأ صديق لي يعمل حلاقا في تعديل لحيتي في البيت. لو تبين أنني قمت بتخفيف اللحية كانوا سجنوني".

ويضيف ريان "صديقي أحمد قام بتخفيف لحيته. في المرة الأولى قاموا باعتقاله وضربه 50 جلده وغرامة 25 ألف دينار. وفي المرة الثانية قاموا باعتقاله وضربه 50 جلدة أيضا، لكن مع غرامة 50 ألفا. كان أحمد يخفف لحيته لأن لديه حساسية جلدية بسبب شعر الذقن، لكنهم لم يتفهموا ذلك وقاموا بضربه".

الحلاقون في ورطة

من أجل ضمان التزام المخالفين بالتعليمات الجديدة، يعمد داعش إلى مصادرة بطائق هوياتهم. قال عمر "المخالف الذي يحلق لحيته، تتم مصادرة هويته الشخصية أو أي مستمسك لديه أول ما يتم الإمساك به. وبعد معاقبته لا تعاد له هويته بل يمنح وصلا ليراجع الدائرة ويستلمها لاحقا، لضمان أنه لن يحلق لحيته مرة أخرى، ويكون موعد المراجعة من 30 يوما إلى 60 حسب رأي القاضي".

لم يكتف داعش بمنع السكان من حلق لحاهم، بل حذر الحلاقين من مغبة القيام بذلك. "أبلغوا الحلاقين أن الخيط ممنوع (لإزالة الشعر الزائد) وحلق اللحية ممنوع وما يسمى ’القزع‘ ممنوع أيضا، وأعطوهم تعليمات ومنشورات بذلك" أكد صفاء.

عانى الحلاقون كثيرا وتراجع عدد زبائنهم، خصوصا من الشباب والطلبة. فأغلق الكثير منهم محلاتهم، فيما كان بعضهم يغامر بالتوجه إلى منازل أصدقائه وزبائنه الثقات.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.