من أصواتكم - عمر الحيالي
من أصواتكم - عمر الحيالي

بقلم عمر الحيالي:

أول ما أفعله عند استيقاظي من النوم صباحا، أصعد إلى سطح المنزل لمتابعة الأحوال في الساحل الأيمن أو الجانب الغربي لمدينة الموصل. بالإضافة إلى ما أسمع من أصوات الانفجارات والقصف والاشتباكات، فإن ما تشاهده عيني ليس سوى أعمدة الدخان التي تتصاعد من هناك. وبعد ساعات من ارتفاع الشمس في السماء تكون غيمة دخانية تحجب الشمس عن تلك المناطق.

أبو مصطفى، صديقي في الساحل الأيمن للمدينة، قال لي باتصال هاتفي "إنهم يحرقون كل شيء، لا يسلم أي شيء من نيرانهم".

ربما لم تحرق مدينة على مر التاريخ كما تشهده مدينة الموصل هذه الأيام والأيام الفائتة خلال عملية تحرير الساحل الأيسر لها، مشهد ألسنة اللهب وأعمدة الدخان التي تتصاعد في المناطق التي تشهد تراجع تنظيم داعش في المدينة يتكرر بشكل يومي منذ بدء العمليات العسكرية، حيث يقوم عناصر التنظيم داعش بحرق البنايات والشجر والمركبات.

يقوم عناصر التنظيم بإجبار الأهالي على ترك منازل والانسحاب إلى مناطق داخل المدينة، ليقوموا بعدها بإضرام النار في كل شيء يحترق: منازل، مركبات، أي شيء.

تحدث أبو مصطفى همسا خوفاً من أن يسمعه أحد وأضاف "قاموا وتحت تهديد السلاح بإخراج سكان مناطق وادي حجر وحي الرسالة والعكيدات وقبلها الطيران والجوسق. وقبل إخراج الناس يطلبون منهم إخراج عجلاتهم إلى الشوارع، ثم يقومون بإحراقها".

 

أهالي الساحل الأيسر عندما ينظرون إلى أعمدة الدخان تتصاعد من الأيمن يتذكرون حالهم قبل شهر وأكثر. أما زيد ليث وهو من سكنة حي الزهور "عندما بدأ الجيش بالتوغل في منطقتنا جاء مسلحو داعش وقاموا بطرق أبواب منازلنا كالمجانين وطلبوا منا مغادرتها، ومن اعترض تم سكب البنزين على أثاث منزله وإضرام النار فيها".

 

سرد زيد لي كيف مرّ عليهم ذلك اليوم. كانت الساعة الثانية عشر ظهرا، لكن الظلام كان قد حل بسبب حجب الدخان الأسود المتصاعد من عشرات المنازل والعجلات المدنية والدكاكين ضوء الشمس تماماً، وشعر الجميع بضيق التنفس، فيما يحمل عناصر داعش عبوات بلاستيكية فيها بنزين ويستمرون بالحرق.

 

ولم يكتفي التنظيم بحرق المنازل وممتلكات الأهالي فقط بل حرق الدوائر والمؤسسات الحكومية حتى الكنوز العلمية والثقافية، داعش أحرق جميع مباني جامعة الموصل قبل أن ينسحب منها.

 

في اتصال هاتفي، قال رئيس جامعة الموصل الأـستاذ الدكتور أبو سعيد الديوه جي "خسارة الجامعة كبيرة جدا من الناحية العلمية والمباني والمختبرات، لكن أكبر خسارة تعرضت لها جامعة الموصل هي حرق المكتبة المركزية. تضم المكتبة أكثر من 70 ألف كتاب، فضلا عن الألف النسخ الإلكترونية، وآلاف المخطوطات الأثرية النادرة، ودوريات ومجلات وبحوث علمية".

 

أحرق داعش المستشفيات فتحولت إلى فضاءات سوداء تحدها جدران وسقف، بل إنه أفرغ البرك والنافورات في الحدائق والساحات العامة من الماء ووضع بدلا عنها النفط الأسود وأوقد النار فيها.

 

لكن لماذا عمد داعش إلى الحرق؟

 

الجواب: الانسحاب والانتقام.

 

الانسحاب، في محاولة منه لعمل غطاء وستارة دخانية تحول دون رصد انسحاب عناصره من قبل الطائرات والرصد الجوي.

 

الانتقام بحق أهالي الموصل لأنهم تعاونوا ورحبوا بالقوات الأمنية ولم يساندوا التنظيم، والانتقام من الحضارة والجمال والثقافة فهو عدوهما.

 

في حديثي مع الأهالي تجدهم يطالبون الدولة العراقية والمجتمع الدولي بمد يد المساعد لإزالة اللون الأسود من مدينتهم ليحل محله ألوان طال انتظارها فضلا عن تعويض مكتبة جامعتهم.

 

قبل حلول مساء اليوم كانت لي متابعة أخيرة للجانب الأيمن وهل من متغير، فكان المشهد نفسه الذي تابعته في الصباح، حريق الموصل وكأن روح (نيرو) الإمبراطور الروماني المجنون الذي أحرق روما وقتل الناس بُعثت بالبغدادي ليحرق الموصل.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.