عراقيون في مقهى/وكالة الصحافة الفرنسية
عراقيون في مقهى في مدينة بلد بمحافظة صلاح الدين/وكالة الصحافة الفرنسية

بغداد – بقلم دعاء يوسف:

تشترك عائلة حيدر عبد المحسن المتكونة من زوجته وطفله بالسكن في منزل والده المتوفي مع والدته وعائلات إخوته الثلاثة، حيث تبلغ مساحة المنزل 150 متراً مربعاً تم تقسيمه إلى أربعة اجزاء عشوائية البناء لتسكن كل عائلة في جزء.

يقول حيدر، 27 عاماً، ويعمل في محل لبيع وصيانة الأجهزة الكهربائية في بغداد، إنّهم يعانون من مشاكل حياتية كثيرة بسبب الأوضاع غير المستقرة التي تمر بها البلاد.

خيبة أمل

حيدر الذي اضطر لبيع المصوغات الذهبية التي قدمها لزوجته في المهر لمشاركة أشقائه في تقسيم المنزل وبناء غرفة نوم ومطبخ صغير وملحقاته يقول لموقع (إرفع صوتك) إنّ عمله لا يوفر له دخلاً كافياً للحصول على سكن مناسب.

كان صعباً جداً على حيدر أن يأخذ من زوجته مصوغاتها، رغم أنّها لم تمانع ذلك. لكنّه يشير إلى أنّ ذلك ترك له الغصّة. "أنا أعمل ساعات طويلة خلال النهار، والإنسان الذي يعمل وينتج يجب أن يشعر بالاكتفاء. لكن ذلك لا يحدث في بلادي".

ويلوم حيدر الذي نشط في المشاركة بالمظاهرات في بغداد حين علت الأصوات المطالبة بالإصلاح، إنّه يؤمن بضرورة التغيير في البلاد، لكنه فقد الثقة في العملية السياسية القائمة في العراق.

"نعلّق الآمال على انتخاب السياسيين ونتطلع إلى وعودهم لكي تغير واقع الشباب ومعاناته من الفقر والبطالة. بيد أنّهم يجلبون لنا الحروب والعنف والبطالة والفقر، وبالتدريج تحولت آمالنا وأحلامنا إلى خيبة أمل".

مدعاة للسخرية

تخرّج قاسم مدلول، 31 عاماً، من كلية الآداب عام 2008، لكنّه يعمل الآن سائق سيارة أجرة في بغداد.

لم يتمكّن الشاب من إيجاد عمل أفضل ولم يرغب أن يبقى عاطلاً عن العمل، فاتجه إلى قيادة سيارة الأجرة. لكنّه لا يرى أنّ هذه المهنة تلبي ما طمح له وهو شاب. وحين يقود بالركاب، يشعر أنّه رغم استمتاعه بالحديث معهم إلّا أنّه يجب أن يكون في مهنة أخرى تمكّنه من تطوير نفسه.

التغيير بالنسبة إليه أيضاً لن يحدث إلا بأبعاد السياسيين الحاليين عن الحكم واستبدالهم بآخرين همّهم هو فعلاً مصلحة الوطن.

لكنّه يلوم كذلك في حديثه لموقع (إرفع صوتك) الشباب الذين ينساقون وراء المحسوبية. "المشكلة أنّك ترى الشباب يشغلون مناصب للترويج والإعلان عن السياسيين والأحزاب... الأسماء التي جاءت منذ العام 2003 هي نفسها باقية".

أوضاعنا المعيشية نحو الاسوأ

"أشعر بالإحباط. كانت لدينا العديد من المطالب لتغيير الواقع، وخاصة في الجانب السياسي. لكن لم يتغير شيء"، يقول ناصر التميمي إنّه وغيره من الشباب يعانون من تحديات معيشية كثيرة.

ويشكو ناصر وهو في العقد الثاني من عمره وأب لطفلين من صعوبة توفير قوت عائلته اليومي من عمله في البناء. "على الرغم من أنّ الحملات والمبادرات التي يقودها الشباب قد لعبت دورا أساسياً في توجيه الانظار نحو التغيير، لكن بعد كل هذه الأعوام تجد أن فعل التغيير لم يتحقق بعد".

ويشير الشاب الذي تخرج من كلية القانون في العام 2010 إلى أنّ الكثير من عمال البناء يحملون شهادات جامعية مثله، وينتظرون فرصة ما للحصول على وظيفة حكومية تناسب مؤهلاتهم العلمية ولكن بلا جدوى.

خيار الهجرة

ويشير الخبير الاقتصادي باسم جميل أنطون في حديث سابق لموقع (إرفع صوتك) إلى أنّ أكثر من 450 ألف مواطن عراقي يدخلون سوق العمل سنوياً منهم 150 ألف خريج من جامعات ومعاهد "ولا توجد فرص لهم للحصول على وظائف حكومية".

وينوه الخبير العراقي الى أن يكف الشباب بحثهم عن وظائف ضمن دوائر الدولة لأنها "باتت متخمة بأكثر من أربعة ملايين ونصف موظف إلى جانب الفساد والمحسوبية".

وينصحهم بالتوجه لإنشاء مشاريعهم الخاصة بالاستفادة من التدريب التي باتت توفره الجامعات حالياً وبالاعتماد على قروض صغيرة توفرها وزارة العمل وبنوك تنموية أخرى.

لكنّ الكثر من الشباب يبحثون عن الهجرة كخيار أفضل للعيش، من ضمنهم قصي محمد، 22 عاماً ويعمل في مخبز، الذي يقول إنّ الإرهاب أثّر حتّى على أحلام الشباب بالهجرة، فقد أصبح أصعب عليهم دخول البلدان الأخرى.

ويشير قصي الذي ترك دراسته الجامعية وفضل العمل لتوفير قوت عائلته المتكونة من والدته وشقيقاته الاربعة إلى أنّ هذه الحملات والمبادرات التي يقوم بها الشباب  تحفّز على التغيير، لكن هذا لا يعني بالضرورة تحقيق كل ما يطمحون إليه.

"المواطن لا يمكنه أن يحلّ محلّ الدولة. ما نحتاجه هو دولة فاعلة".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.