من أصواتكم - سرمد الطائي
من أصواتكم - سرمد الطائي

بقلم سرمد الطائي:

في العراق لدينا حاجة نفسية لاختبار إمكانية النجاح، لأننا صرنا نشك بإمكانية ظهور شيء مفيد بسبب الفشل المتواصل، ويجري في البصرة اليوم بشكل أبرز من غيرها، اختبار للأمل لم تشهده المدينة منذ عقود، ونحتاج أن ندقق كثيرا في دلالات ذلك.

وبغض النظر عن انقطاع المخصصات المالية بسبب انهيار سوق النفط وسوء الإدارة، فإن المشروع الحكومي الأبرز حاليا هو جسر معلق هو الأول من نوعه ويربط غرب البصرة بشرقها، ومحاولات القطاع الخاص قائمة لإنجاز أشياء مؤثرة يتفاعل معها المجتمع بنحو متسارع.

في شمال البصرة تتصارع القبائل بنحو بدائي بينما يتفرغ الأجانب لرفع صادرات النفط حيث تغطي المدينة غمامة سوداء من مخلفات البترول والغاز يمكن للمرء رؤيتها وهو قادم في الصباح من الفاو جنوبا أو الناصرية شمالا، ولكن في الوقت ذاته تجد أن المبادرات الشبابية تؤسس شارع الفراهيدي الذي لا يبيع الكتب وحسب، بل ويستقبل معارض للفن التشكيلي وعزفا منفردا لفتية هواة واعدين، ويمثل لقاءً نادراً بين المجتمع والمعاني السامية للمعرفة والفن صبيحة كل جمعة.

ووسط المدينة افتتح المستثمرون مولا تجاريا عملاقا سيتضمن في مرحلته المقبلة برجين يشبهان برج بيزا الإيطالي، لكن السوق أصبح بمثابة نادٍ اجتماعي فسيح يربط البصرة بالعالم الحديث، لا ببيع الأزياء والمقتنيات وحسب، بل بعروض المسرح الجاد والكوميديا وبصناعة بيئة آمنة للعوائل ولا سيما شريحة الفتيات والنساء، حيث يقدم طريقة الحياة الحديثة بشتى مفاصلها، ويتيح فسحة وتسلية ونوعا من الكبرياء الوطني حين يشعر الناس بوجود ترف محدود وأمل يجري اختباره يشجع أيضا على افتتاح قاعة للتزلج ومكتبة لـ"المعقدين" بادر لها اثنان من "أحلى البصاروة"، مع إذاعة تنقل أخبار المدينة، وتتحاشى بؤس الصراع العشائري وغير العشائري في أطرافها.

إن الموضوع هذا ثقافي بحت، إذ بقيت الطبقة الوسطى في البصرة تعيش تحت الأرض بسرية تكاد تكون تامة، لا بسبب التشدد الديني والإهمال الحكومي فحسب، بل لأن البصرة لم تشعر بالأمان منذ ظهور القمع البعثي وما تلاه وامتداداته المتنوعة حتى هذه اللحظة، لكن شارعا لبيع الكتب وسوقا حديثة تستقبل الفرق المسرحية والموسيقية، جعلا الطبقة الوسطى تظهر من جديد وتعبر عن دعمها لعودة الحياة كي تختبر إمكانية الأمل والنجاح في العراق.

وقد تحاشيت الحديث عن بغداد لأنها مدينة الجميع وفيها خلاصة خبرات العراق وجماله، فذهبت نحو البصرة، كي أقول: إن ما يحدث فيها بحاجة إلى أن نتفحص دلالاته. ويحدث مثل هذا بدرجات أقل بقليل في النجف والحلة والناصرية وغيرها، لكن ما رأيكم بما يحصل في الساحل الأيسر من الموصل؟ هناك فرق شباب متطوعين "مصالوة" يرتدون ملابس أنيقة، ويتحدثون بلغة عصرية وتهذيب عال، ألتقيهم أحيانا في أربيل. عادوا مسرعين إلى الموصل وبدأوا بتنظيف الشوارع ومحو شعارات داعش من الجدران واستبدالها بألوان جميلة، في رمزية عالية لما تعنيه الموصل من رغبة في اختبار الأمل.

وفي الأنبار وصلاح الدين مبادرات مشابهة تستحق الدعم والتشجيع أيضا وهي بحاجة إلى أن نأخذ مغزاها على محمل الجد.

كل نزاع لفظي بين العشائر والطوائف على شاشات التلفزيون، وكل فضيحة فساد أو فشل، لن يمكنها أن تفسد هذا الفخر الوطني وتخربه، أو تمحو الأثر المحدود ولكن المعبّر للمبادرات التي تشهدها مدننا وما يقوم به الرواد الشباب من الجنسين لرسم صورة جديدة لحياتهم وإصرارهم على أن يستأنفوا طريقة عيش جديدة مثل باقي "خلق الله".

ويمكن لهذا أن يعني تغييرا في نهج المعاش وطرائق التفكير، وإصلاحا لسياسة الهزائم التاريخية، ودليلا جديدا على إمكانية ظهور "موجة إصلاح" لا يكتبها خيال السياسي، بل يختبرها الواقع وتجاربه واندفاعاته الايجابية.

دائما كان "مركب هوانا" يبحر من البصرة ويمر بمدن الشاطئ نحو كل مدن العراق.

 

نبذة عن الكاتب: سرمد الطائي، كاتب عراقي من مواليد البصرة، خريج المركز الدولي للدراسات الاسلامية في ايران – قم. كاتب وصحفي منذ عام 1997، عمل في قناة الحرة عراق في بغداد من 2004 إلى عام 2007. معلق سياسي وكاتب عمود “عالم آخر” في جريدة المدى.

لمتابعة سرمد على فيسبوك إضغط هنا.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.