الطالب في كلية الصيدلة، عبد الستار الحمداني، يحمل كتبه أمام أحد مباني جامعة الموصل المدمرة/وكالة الصحافة الفرنسية
الطالب في كلية الصيدلة، عبد الستار الحمداني، يحمل كتبه أمام أحد مباني جامعة الموصل المدمرة/وكالة الصحافة الفرنسية

بقلم خالد الغالي:

"جامعة الموصل تعرضت لدمار كبير. لدينا 15 بناية تعرضت لأضرار بسيطة، لكن هناك كليات تعرضت لدمار كامل. كلية الطب البيطري سويت بالأرض، كلية طب الأسنان أيضا، مكتبة الجامعة أحرقت تماما. مبنى رئاسة الجامعة تعرض للقصف، مطبعة الجامعة دمرت. في بعض المرافق، تجاوز الدمار 90 في المئة"، هكذا يصف رئيس جامعة الموصل أبي سعيد الديوه جي الجامعة التي تحررت من تنظيم داعش في 14 كانون الثاني/ يناير.

ويؤكد الشيء نفسه رئيس اتحاد طلبة الجامعة أحمد الراشدي "بنايات الأقسام الداخلية قصفت بعدما حولها داعش إلى مقرات عسكرية، كما حوّل بنايات أخرى أيضا إلى مخازن للأسلحة. زرت متحف التاريخ الطبيعي، ووجدته مليئا بالقنابل من شتى الأصناف. حتى البنايات غير المحروقة قام داعش بتلغيمها، ومنها مختبرات كلية الهندسة المدنية دخلت إليها ووجدتها ملغمة بالكامل".

داعش يوقف الدراسة

دخل تنظيم داعش مدينة الموصل، في 10 حزيران/ يونيو 2014، بالتزامن مع الامتحانات النهائية في الجامعة. توقفت العملية الدراسية بالكامل، وأجلت الامتحانات. لتدارك الموقف، سارعت وزارة التعليم العالي العراقية إلى إعلان امتحانات تكميلية، في تشرين الأول/أكتوبر 2014، في موقعين بديلين للجامعة في محافظتي دهوك وكركوك القريبتين.

وبدأ مئات الطلبة حينها بالسفر إلى دهوك وكركوك، غير أن داعش بادر إلى نصب حواجز أمنية للحيلولة دون ذلك. "هدد داعش أي طالب خرج من الموصل ويريد العودة بالإعدام بتهمة الردة، لأن الطلبة الذين توجهوا إلى كركوك ودهوك في رأيهم انتقلوا إلى أرض الكفر"، يؤكد رئيس اتحاد طلبة الجامعة.

رغم إجراء الامتحانات التكميلية في كركوك ودهوك، لم يتمكن الطلبة من استئناف الدراسة. "ضاع موسم 2014/2015 بالكامل" يصرح أحمد الراشدي مبديا أسفه. وانتظر 16 ألف طالب حتى تشرين الأول/أكتوبر 2015، ليعودوا  إلىقاعات الدرس في الموقعين البديلين. "كانت هذه العودة ضربة كبرى لداعش. حتى طلاب الكليات الطبية التي استمرت في العمل تحت سيطرة داعش في الموصل بدأوا في الالتحاق بالمواقع البديلة في كركوك ودهوك"، يتابع أحمد الراشدي.

الجامعة تحت داعش

لم يبق تنظيم داعش مكتوف الأيدي. وأربعة أشهر فقط بعد احتلاله مدينة الموصل، أعلن استكمال الامتحانات التي توقفت في حزيران/يونيو. ومع بداية سنة 2015، بدأ الطلبة المتبقون في جامعة الموصل عاما دراسيا جديدا تحت إشرافه. لكن رئيس الجامعة الديوه جي يؤكد في تصريح لـ(إرفع صوتك) أن إدارته "لن تعترف بأي شهادات أو نتائج خلال الفترة التي كان يسيطر فيها داعش على الجامعة".

كان العام الدراسي تحت داعش مختلفا تماما. يعلق أحمد الراشدي ضاحكا "ألغى داعش كليات القانون والعلوم السياسية، والفنون الجميلة، والإدارة والاقتصاد، والإعلام، والآثار... غيّر المناهج، وفرض الخمار، وفصل الطلبة عن الطالبات داخل الجامعة". ومع تأكد الطلبة أن الحكومة العراقية لن تعترف بالنظام التعليمي لداعش، انقطع كثير منهم عن التوجه إلى الجامعة. وتوقف الدوام في جميع الكليات تقريبا، ما عدا كليات الطب الخمس (الطب، طب الأسنان، الطب البيطري، التمريض، الصيدلة) التي استمرت في العمل حتى موعد انطلاق عملية تحرير المدينة، ليتجه الطلبة إلى المستشفيات لمعالجة الجرحى.

في الأخير، عمد داعش إلى تخريب أغلب الكليات: في الجانب الأيسر الذي تم تحريره، أحرق كلية طب نينوى وكلية طب الأسنان وكلية التمريض، في حين تعرضت كلية الطب البيطري لقصف صاروخي من قوات التحالف بسبب وجود عناصر داعش فيها. أما في الجانب الأيمن، فما تزال كلية طب الموصل مجهولة المصير. 

الطلبة المحررون

فك تحرير الجانب الأيسر من الموصل القيد عن آلاف الطلبة. يقول أحمد الراشدي، وهو أيضا طالب في المرحلة الخامسة بكلية الطب البيطري، "أطلقنا استمارة إلكترونية لمعرفة عدد الطلبة الراغبين في استكمال الامتحانات التكميلية التي توقفت لحظة احتلال داعش للمدينة. فسجل أكثر من 8,500 طالب أنفسهم".

ووقع الاختيار على ناحية برطلة لتكون مركزا للامتحانات. لا تبعد هذه الناحية أكثر من 10 كلم شرق الموصل، وكانت تسكنها أغلبية مسيحية وشبكية قبل أن يقوم داعش بتهجير سكانها صيف سنة 2014. "لم يكن بإمكاننا إضافة الطلبة المحررين الذين تجاوزوا 9,000 إلى موقعي كركوك ودهوك، فلجأنا إلى برطلة"، قال رئيس الجامعة. ويوضح رئيس اتحاد رئيس طلبة الموصل أحمد الراشدي "برطلة غير مأهولة، وفيها موقع جامعة النور الأهلية والكثير من المدارس الخالية، إضافة إلى وجود قوى كبيرة من الجيش العراقي وجهاز مكافحة الإرهاب ومختلف الحشود داخلها، ما يجعلها آمنة نسبيا، كما أن طائرات داعش المسيرة لا تصل إليها".

ومع حلول منتصف بداية شباط/فبراير 2017، أجرى الطلبة المحررون امتحاناتهم التكميلية بعد ثلاث سنوات عن موعدها الأصلي. ويرجح أن تصبح ناحية برطلة نفسها موقعا مؤقتا لجامعة الموصل في انتظار العودة التدريجية إلى الموقع الرئيسي بعد حوالي ثلاثة أشهر، يأمل رئيس الجامعة.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

عودة الأيزيديون إلى قضاء سنجار غرب الموصل
صورة أرشيفية لعودة نازحين إلى مناطقهم في قضاء سنجار، عام 2020

"الخدمات البلدية معدومة في سنجار ونعاني من نقص المياه الصالحة للشرب، والمساعدات الإنسانية قليلة. إذا قارنّا بين العيش في سنجار والمخيمات، العيش في المخيمات أحسن"، يقول العراقي جلال علي لـ"ارفع صوتك" وهو نازح أيزيدي عاد مؤخراً إلى سنجار.

يستدرك القول "رغم ما نعانيه من أوضاع صعبة، لكن سنجار أرضنا ومن الواجب العودة إليها".

وكانت الحكومة العراقية قررت في يناير الماضي، تحديد 30 يوليو المقبل موعداً لإغلاق مخيمات النازحين في البلاد والإعادة الطوعية للنازحين، ضمن خطتها لإنهاء ملف النزوح الذي يقترب عمره من 10 سنوات.

وتحتضن محافظة دهوك وإدارة زاخو في إقليم كردستان شمال العراق 15 مخيماً للنازحين الأيزيديين، تضم وفق إحصائيات مكتب الهجرة والمهجرين في دهوك 25600 عائلة، بينما يعيش أكثر 38700 عائلة نازحة خارج المخيمات.

يقول مدير المكتب بير ديان جعفر، إنهم لم يتلقوا حتى الآن أي كتاب رسمي باتخاذ الاستعداد لتنفيذ قرار إغلاق المخيمات، مبيناً لـ"ارفع صوتك"، أن "سياسة حكومة إقليم كردستان واضحة، وهي عدم إغلاق أي مخيم بشكل قسري، لذلك فإن النازحين أحرار وسوف نقوم بخدمتهم حتى يقرروا الرجوع إلى مناطقهم بمحض إرادتهم".

ومنذ تحرير سنجار وأطرافها من تنظيم داعش الإرهابي في نوفمبر 2015 حتى اليوم، لا تزال  المدينة تعاني من التجاذبات السياسية، إلى جانب سيطرة الأذرع المحلية لحزب العمال الكردستاني المعارض لتركيا وعدد من الفصائل المسلحة الموالية لإيران.

هذه الأمور شكلت عائقاً أمام النازحين للعودة، خشية حصول أي تدهور أمني مفاجئ أو صدامات بين الأطراف المسلحة، عدا عن الغارات التركية التي تحدث بين حين وآخر مستهدفةً مسلحي حزب العمّال.

من جهته، يقول الناشط الأيزيدي فيصل علي، وهو يعيش في أحد مخيمات زاخو، إن النازحين وبشكل خاص نازحو سنجار "أصبحوا ورقة ضغط سياسية في وقت يواجهون  ظروف النزوح القاسية منذ 10 سنوات".

ويعتبر أن قرار إغلاق المخيمات "سياسي بامتياز" مردفاً "الضغوطات الحكومية على النازحين عالية وغير موفقة، لأن النازحين أيضاً يريدون العودة لكن بأرضية مهيّأة وباستقرار المنطقة كما يطالبون بالتعويضات".

ويوضح علي لـ"ارفع صوتك": "استعدادات الحكومة العراقية لاستقبال النازحين في سنجار غير كافية وغير مدروسة. المفروض من الحكومة قبل أن تعلن عن موعد إغلاق المخيمات وإعادة النازحين تهيئة أجواء سنجار بشكل مناسب، عبر إعادة إعمار بيوت النازحين وبناء بيوت العائدين وتخصيص تعويضات مالية لا تقل عن 10 ملايين دينار".

وخصصت الحكومة مبلغ 4 ملايين دينار عراقي (2500 دولار أميركي) لكل عائلة عائدة من مخيمات النزوح إلى مناطقها في سنجار، يُسلم المبلغ على شكل صكوك للعائدين.

هذا المبلغ "غير كاف" يقول علي، مبيّناً "يحتاج العائد إلى المدينة وقتاً طويلا حتى يستلمه، كما لا يمتلك أية أموال لإعادة إعمار منزله المدمر وتهيئته للعيش، فيما لم يعد يمتلك العديد من النازحين أي منازل للعيش فيها، وسط نقص الخدمات الرئيسية. بالتالي فإن العودة بهذا الشكل مستحيلة".

من جهتها، تجد ياسمين خيروا، وهي نازحة تعيش في مخيم شاريا بمحافظة دهوك، العودة إلى سنجار "ضرورية"، قائلةً "نطالب بالعودة وإنهاء النزوح لكننا نحتاج إلى دعم ومساندة من الحكومة في توفير الخدمات لنا عند العودة وإعادة إعمار مدينتنا بأسرع وقت".

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش في بيان أصدرته قبل أسبوع، إن مخيّمات النازحين في إقليم كردستان العراق بحلول 30 يوليو ستهدد حقوق الكثير من سكان المخيمات أهالي منطقة سنجار الشمالية.

وأضافت: "لا تزال سنجار غير آمنة وتفتقر إلى الخدمات الاجتماعية اللازمة لضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لآلاف النازحين الذين قد يضطرون إلى العودة قريباً".

في السياق نفسه، يرى رئيس المنظمة الأيزيدية للتوثيق، حسام عبدالله، أن إنهاء ملف المخيمات بهذه الطريقة "خطوة خاطئة وغير مدروسة، لأن السلطات العراقية لم تناقش القرار مع الآليات الدولية ولا مع الفاعلين الدوليين في العراق، بل أصدرته نتيجة الضغط عليها من أجل وضع حل".

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن "الوقت غير مناسب جدا لهذا القرار، ولا توجد أرضية مهيأة في سنجار لعملية العودة السريعة، بالتالي فإن إصداره يعني أن العراق لم يوف بالتزاماته الدولية تجاه عملية إنهاء ملف النازحين".

ويصف عبد الله هذه العودة للنازحين المقررة بتاريخ، أنها "قسرية".

في غضون ذلك، قالت وكيلة وزارة الخارجية الأميركية للأمن المدني والديمقراطية وحقوق الإنسان، عزرا زيا، في مؤتمر صحافي عقدته الأسبوع الماضي، في معبد لالش بمحافظة دهوك،: "شجعنا الحكومة العراقية على معالجة المخاوف بشأن المليشيات في المناطق المحررة من سيطرة داعش مثل سنجار وسهل نينوى وباقي مناطق تواجد مكونات المجتمع العراقي".

وأوضحت أن "التأثير السلبي للميلشيات على أمن المكونات واستقرارهم يمنع عودة اللاجئين ويعيق أيضاً تحقيق التنمية الاقتصادية في مناطقهم".

حاول موقع "ارفع صوتك" التواصل مع المتحدث باسم وزارة الهجرة والمهجرين العراقية، علي عباس جهانكير، أو أي مسؤول آخر في الوزارة للحديث عن استعدادات الوزارة لتنفيذ قرار إغلاق المخيمات، لكن لم يتلق أي إجابة على أسئلته.