صلاة في كنيسة كلدانية في الموصل/وكالة الصحافة الفرنسية
صلاة في كنيسة كلدانية في الموصل/وكالة الصحافة الفرنسية

الأردن – بقلم صالح قشطة:

قصة تهجير ومرارة نزوح أخرى ترويها جينيفر جرجيس (43 عاما)، التي نزحت عام 2014 من منطقة حي البكر في قلب مدينة الموصل، مع زوجها وأبنائها الأربعة برفقة والدها الطاعن في السن ووالدتها التي لم تقوَ على مكابدة مصاعب النزوح، لتفارق الحياة في وقت مبكر من تهجيرهم. استقرّت الرحلة بالعائلة منذ أكثر من عامين في مدينة الفحيص الأردنية، ذات الأكثرية المسيحية من السكان.

النازح المسنّ

لا يتحدّث والد جينيفر، جرجيس شمعون ايشو (95 عاما)، سوى اللغة الكلدانية. استعان بحفيدته لترجمة ما يرغب بقوله لموقع (إرفع صوتك).  "خسرنا كل ما نملك بعد أن كنا نعيش بسعادة وراحة. كان لنا جيران مسلمين يقومون بزيارتنا باستمرار. كانت تجمعنا علاقة مبنية على المحبة، ولم نر منهم أية أذية علماً أننا كنا العائلة المسيحية الوحيدة في المنطقة".

يصف الرجل حياته بأنّها كانت تتسم بالسلام، حتى جاء اليوم الذي هدد فيه داعش المسيحيين بالقتل أو الخروج، ليجد نفسه مطروداً من منزله.

الرجل الذي يشير إلى أنّه لم يتوقع أن يكون يومًا نازحاً وهو في هذا السنّ يقول "اليوم أعيش في منزل ابنتي لأستطيع مواصلة حياتي بعد أن فقدت زوجتي. كل ما فقدته يمكن تعويضه، إلا زوجتي التي شاركتني الحياة على مدى 70 عاماً".

ورغم تقدمه في السن، إلا أنّ جرجيس كان يتمتع بصحة جيدة مكّنته من العمل في حديقة أحد المساجد القريبة من منزله في الموصل، حيث كانت تربطه علاقة طيبة مليئة بالود مع إمام المسجد، ما يعتبره مظهراً من مظاهر العيش المشترك بين الأديان في وطنه قبل قدوم داعش.

وعلى حد تعبيره، فإن أمل عودته إلى وطنه في هذا السن المتقدم قد بات ضعيفاً، إلا أنه لا يزال متفائلاً بعودة الحياة في وطنه إلى سابق عهدها ليتمكن الجيل القادم من مواصلة حياتهم بشكل أفضل. "أتمنى أن يعود العراق إلى سابق حاله وأن يعود الأمان والسلام. أدرك أن ذلك قد لا يحصل في حياتي، لكني أتمنى أن يعود في عهد الجيل القادم كي لا يواجه ما رأيناه من حروب ودمار، فقد تحملنا الألم في سبيل أن نخلق لهم الفرح في المستقبل".

رحلة النزوح

رحلة نزوح العائلة شهدت العديد من المخاطر والصعوبات، على حدّ قول جينيفر، حيث غادروا الموصل في البداية متجهين إلى منطقة دهوك. احتمت هي وعائلتها هناك بإحدى الكنائس. ونظراً لصعوبة ظروف الحياة، قرروا الاتجاه إلى الأردن بحثاً عن بر أمان. وتحاول العائلة منذ منتصف عام 2016 الهجرة إلى أستراليا.

"حياتنا المرفهة التي كنا نعيشها في الموصل انتهت بمقتل شقيق زوجي على يد بعض الإرهابيين، بالإضافة لما تلقيناه من تهديدات بالقتل من قبل تنظيم داعش وأتباعه"، حيث كانت التهديدات موجهة لجميع المسيحيين، ما دفعهم للنزوح تاركين خلفهم أموالهم أو أملاكهم، "تركنا كل شيء خلفنا وواجهنا الموت بأعيننا".

وتشير السيدة إلى أنّ عناصر داعش  دمّروا المنزل وحرقوه بشكل كامل، بحيث لم يعد صالحاً للسكن مرة أخرى. كما قاموا بنهب جميع الأجهزة التي كانت في مشغل زوجها للميكانيك.

العلاقة مع المسلمين

رغم تفاؤلها بتحسن الأوضاع في الموصل، واحتفاظها بحلم العودة إلى وطنها، إلا أن عنصر الأمان لا يزال يشكل عقبة لا يمكن تجاوزها في سبيل العودة. وبحسب السيدة، فإن القتل والدمار يعمان مدينتها حتى اليوم، بعد حياة اعتادوا عيشها بتفاهم مع المسلمين والأيزيديين وجميع الطوائف كإخوة، بعلاقة ترى أن تنظيم داعش نجح بتدميرها.

وتضيف "لا أتوقع عودة الأمان بين الطوائف كما كان سابقاً. فجميع المسيحيين خرجوا من الموصل، وبقي معهم من ناصرهم من مسلمي المنطقة الذين قد يحمل بعضهم أفكار داعش وتطرفه، علماً بأن هناك كثير من المسلمين الذين كانوا ضد التنظيم، وخرجوا من الموصل مثلنا تماماً".

وتردف السيدة "ما شهدناه من تطرف وإرهاب على يد داعش سبب لنا تخوفاً كبيراً من التعامل مع المسلمين، والثقة التي كنا نشعر بها تجاههم تم كسرها، وهذا شيء لا إرادي. وعندما أتينا إلى الأردن، رغم علمنا بأمانها وخلوها من التطرف الديني، إلّا أننا فضلنا التواجد في منطقة الفحيص بالقرب من كنائسنا. هنا نشعر بأمان أكبر".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.