طفل نازح أمام خيمته في مخيم حمام العليل/وكالة الصحافة الفرنسية
طفل نازح أمام خيمته في مخيم حمام العليل/وكالة الصحافة الفرنسية

بقلم خالد الغالي:

على أرضية محل تجاري فسيح بأحد أسواق قرية تل ناصر (ناحية القيارة) جنوب الموصل، تتكدس أكوام "خبز التنور" العراقي في انتظار نقلها إلى مخيم حمام العليل، الوجهة الرئيسية للفارين من جحيم المعارك في الساحل الأيمن للمدينة.

يشرف على المحل شباب من جنوب الموصل، بعدما حولوه إلى مخزن رئيسي لحملتهم التطوعية التي أطلقوا عليها حملة "المليون رغيف". ​"استأجرنا المحل وحولناه إلى مخزن لتجميع التبرعات. ننطلق منه كل يوم بقافلة موحدة إلى المخيمات"، يقول خيري الجبوري، قائد فريق "ضع بصمتك" الذي يشرف على الحملة.

اختار هؤلاء الشباب أن يركزوا جهودهم على جمع الخبز للنازحين. يقول خيري "أهالي الساحل الأيمن يفرون إلى حمام العليل (30 كلم جنوب الموصل) وفيهم جرحى ومرضى وليس لديهم طعام. وفي انتظار أن تقوم الدولة وهيئات الإغاثة بمساعدتهم، اخترنا نحن توزيع الخبز، كمساعدة طارئة، لنسد رمقهم أولا". 

في أول يومين وزعت حملة "المليون رغيف" 25 ألف رغيف على النازحين/صفحة الحملة على فيسبوك

​​

​​

 

 

 

 

 

الأيمن يستنجد

تجاوزت أعداد النازحين من الساحل الأيمن للموصل أكثر من 57 ألف شخص، اتجه أغلبهم جنوبا حيث تتوزع المخيمات على  نواحي حمام العليل بدرجة أولى، والقيارة والشورة.

أطلق فريق "ضع بصمتك" نداء يدعو السكان للتبرع بالخبز. يقول مشتاق أحمد، وهو عضو بالحملة، "نشرنا النداء على مواقع التواصل الاجتماعي، وأبلغنا المساجد والشيوخ وأصحاب المحلات التجارية والوجهاء. استعملت المساجد مكبرات الصوت لدعوة الناس إلى التبرع".

نجحت حملة "المليون رغيف" في أول يومين لها في جمع ما يقارب 25 ألف رغيف خبز وإرسالها إلى مخيم العليل، إذ استفاد أعضاؤها من السمعة التي تركتها نشاطاتهم التطوعية السابقة، مثل حملة "حائط الخير" التي أطلقوها لجمع التبرعات لنازحي مخيمات القيارة، في كانون الثاني/يناير، وعملية "سووها خضرة" لتشجير الناحية نفسها بعدما تسبب إقدام داعش على إحراق أبار النفط فيها في كارثة بيئية. "وزعنا 150 ألف رغيف خبز لحد الساعة. وصار لدينا مخزن على الشارع العام، وعليه لافتة وأرقام للاتصال بنا. بعد أول يوم من الحملة، بدأ الناس يتصلون بنا للتبرع"، يؤكد خيري.

رحلات إغاثة

تنظم حملة "المليون رغيف" رحلتين إلى ثلاث يوميا إلى المخيمات. تتكون كل رحلة من ثلاث قوافل تنطلق من مختلف قرى جنوب الموصل. ويؤكد عمر طارق، وهو عضو ثالث بفريق "ضع بصمتك"، أن الحملة في طريقها إلى التوسع، قائلا "يجري حاليا التحضير لقوافل من مدينة العمارة (محافظة ميسان) وناحية العلم (محافظة صلاح الدين)". وحسب تصريحات فريق ضع بصمتك، يعمل في الحملة حاليا أكثر من 200 شاب موزعين على قرى جنوب الموصل، بعدما كان في بدايته لا يتعدى 24 شابا.

قوافل المساعدات من قرى جنوب الموصل تتوجه إلى مخيم حمام العليل/صفحة الحملة على فيسبوك

​​

​​

 

 

 

 

 

رغم أن حملة "المليون رغيف" خصصت بالأساس لجمع الخبز، إلا أن كثيرا من العائلات تقدم تبرعات أخرى. "يطبخ السكان الطعام في المنزل في قدور كبيرة ونحمله في السيارات إلى المخيم"، يقول مشتاق. علاوة على ذلك، أطلق الفريق حملة ثانية باسم "الألف دينار". وعنها، يقول قائد الفريق خيري الجبوري "حملة الألف دينار مخصصة لشراء الحليب. 1000 دينار مبلغ بسيط لا يتعدى نصف دولار، لكن لو تبرع كل بيت من 500 بيت في كل قرية بـ 1000 دينار، فسنجمع مبلغا مقبولا".

يطبخ سكان قرى جنوب الموصل الطعام ويرسلونه إلى نازحي حمام العليل/ صفحة الحملة على فيسبوك

​​

​​

 

 

 

 

 

معاناة بلا حدود

يرزح مخيم حمام العليل تحت وطأة الاكتظاظ الشديد، وهو وضع مرشح للتفاقم مع توالي موجات النازحين. يوضح عمر أن المخيم يضم أكثر من 54 ألف نازح. "في البداية كانت كل عائلة لها خيمة. الآن، توجد خمس عائلات في كل خيمة، أي حوالي 25 فردا"، يقول خيري.

نزح أكثر من 57 ألفا من الجانب الغربي للموصل بسبب المعارك مع داعش/وكالة الصحافة الفرنسية

​​

 

 

 

 

 

 

يوزع فريق الحملة، حسب تقديرات أعضائه، خمس حصص لكل خيمة. مقدار الحصة الواحدة 10 أرغفة. ويعاني النازحون في مخيم العليل، علاوة على الجوع، قسوة الأحوال الجوية والبرد.

الطريق إلى المخيم أيضا ليست سهلة، رغم أنها آمنة. يتطلب الوصول إليه 30 دقيقة في أحسن الأحوال. يقول خيري "الطريق مزعجة جدا. ما زالت المعارك تدور في الجانب الأيمن. خلال الرحلة إلى المخيم تقابلنا إمدادات الجيش، أحيانا ما يقارب 300 مئة رتل، فتتوقف رحلتنا لساعة أو ساعتين. هذا هو الطريق الوحيد الذي يمد الجيش بالإمدادات من بغداد إلى الموصل".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.