من أصواتكم - مختار الإبراهيم
من أصواتكم - مختار الإبراهيم

مشاركة من صديق (إرفع صوتك) مختار الإبراهيم:

اعتاد محمد ناصر -كل خميس- أن يصلي الفجر في مقام الشيخ ابن العربي والتوجه بعد الصلاة مباشرة للاصطفاف بطابور أمام التكية السليمية لأخذ حصته من شوربة محي الدين التي أصبحت جزءاً من تاريخ حي الصالحية – أبوجرش؛ فهي ما تزال تقدم منذ ما يزيد عن 500 عام.

ويصف محمد ناصر -القادم من أندونيسيا بغرض دراسة العلوم الشرعية في دمشق- طبخة الدراويش بـ"اللذيذة" حيث أنها تشبه كثيراً نكهة طبق "الراوون" الذي اعتاد على تناوله من تحضير والدته في بلده. وكانت التكية تقدم الطعام للطلاب الوافدين من الدول العربية والأجنبية، إضافة لمدارس الصالحية ثم أصبحت التكية تقدم هذه الطبخة للفقراء والمحتاجين من أهل الحي وباقي الحياء المجاورة.

رافقت محمد ناصر في مشواره الأسبوعي فجر الخميس إلى التكية، حيث ظهرت على البناء علامات التقشف والبساطة عكس التكية السليمانية، وتتألف من بهو مستطيل الشكل بعرض نحو 9 أمتار وبطول نحو 16 متراً، حيث تنفتح في جدرانه أبواب الغرف والقاعات الخاصة بمستودعات المؤن والطبخ، كما يرفض القائمون على المبادرة الظهور إلى وسائل الاعلام حيث أن الظهور برأيهم يندرج تحت قائمة "المرآة" وعلى مبدأ حب الظهور يقسم الظهور، حيث يتحدث أحدهم دون الرغبة في الظهور في الصورة أو حتى ذكر اسمه فيقول "اعتاد القائمون على التكية السليمية على تقديم هريسة القمح واللحم منذ مئات السنين، حيث اقتصر التوزيع على يومين في الأسبوع، ثم أغلقت التكية حوالي 22 عام ونتيجة لهذا الاغلاق حل البلاء على أهل الصالحية حيث كثرت المشاكل وانتشر الفقر الفاقة، ما دفع أهل الخير لفتح أبواب التكية من جديد".

يتحدث أبو عدنان وهو من أهل الميدان، حيث حرص على مدى سنوات القدوم من مسافة بعيدة على دراجته الهوائية لصلاة الفجر بجوار الشيخ الأكبر "محي الدين ابن عربي" وملئ سطل من شوربة، ويضيف أبو عدنان بأنه ينجذب لطريقة بناء التكية وطرازها المعماري المميز في سورية وما تحويه من أجواء روحانية بين أروقتها وباحاتها حيث تعتبر نموذجا فريدا لفنون العمارة العثمانية وللوظيفة الإنسانية التي كانت تقوم بها.

تحضير هريسة الشيخ محي الدين

يقول أحد الطهاة إن كل طبخة تستهلك نحو 150 كيلوغراما من اللحم، و200 كيلو من القمح، و10 كيلو من الدهنة، ومثلها من الملح.  انحصر توزيع "طبخة الدراويش" بالتكية "السليمية" التي بناها السلطان العثماني سليم بالتزامن مع جامع "الشيخ محي الدين" في عام 924هـ، ويحفظ أهالي حّي الصالحية قصة بناء مقام الشيخ "محي الدين". 

تاريخ التكيايا في دمشق
 
شيد العثمانيون عددا من التكايا في دمشق، وذلك لتقديم الطعام وأماكن النوم للفقراء، وكذلك لاستقبال الحجاج القادمين من بلدان آسيا الوسطى وتركيا؛ فيرتاحوا في "شام شريف" قبل إكمال مسيرهم نحو الديار المقدسة. وكان من أجمل وأضخم التكايا (التكية السليمانية) التي بناها سليم الأول على ضفة نهر بردى -وسط دمشق- والتي شكلت مجمعاً معمارياً ضخماً من 3 أقسام وهي: الجامع، والمدرسة، والسوق. ولعبت دورا مهما في استقبال الحجيج في القرون الماضية. والتكية التي تنتظر اليوم أعمال الترميم، استثمر جزء من مبانيها كسوق للمهن اليدوية الدمشقية، حيث تستقطب السياح من مختلف بلدان العالم.

التكية الثانية التي ما زالت قائمة ومحافظة على بنائها القديم في دمشق هي: التكية السليمية، والتي أشرف على هندستها المعماري الشهير سنان. أطلق المؤرخون على بنائها اسم المطعم وبيت الفقراء، حيث توجد في منطقة الصالحية على سفوح جبل قاسيون مقابل جامع الشيخ محيي الدين. وطبقا للروايات التاريخية فإن السلطان سليم الأول كان من محبي الشيخ محيي الدين بن عربي، فأمر ببناء التكية والبيمارستان والجامع حول قبر الشيخ الأكبر تقرباً منه، وما زالت التكية تمارس دورها في إطعام الفقراء والمساكين وعابري السبيل.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.