العنف والحرب حرما الأطفال من الاستمتاع بطفولتهم/إرفع صوتك
العنف والحرب حرما الأطفال من الاستمتاع بطفولتهم/إرفع صوتك

الموصل - بقلم متين أمين:

"تنتابها حالات خوف مستمرة وتفزع من النوم. فقدت الشهية وباتت تنأى بنفسها عن اللعب مع الأطفال"، هكذا وصفت أم تبارك حالة ابنتها الصغيرة تبارك (سبعة أعوام) التي شاهدت عملية قطع تنظيم داعش لرأس رجل كبير في السن في سوق ناحية بادوش غرب بالموصل.

تعيش تبارك مع عائلتها المكونة من ستّة أفراد في مخيم حسن شام شرق الموصل الذي وصلته قبل أسبوع من الآن بعد أن تمكنت عائلتها أن تهرب من بادوش باتجاه القوات الأمنية العراقية وقطعت طريقا مليئا بالخوف تحت القصف المتبادل بين مسلحي التنظيم والقوات الأمنية.

الرجل المسن

تروي دنيا (37 عاما، والدة تبارك) لموقع (إرفع صوتك) أنّه كان هناك رجل كبير السن في منطقتهم ولديه عائلة، لكنه ثار على الحصار الذي فرضه التنظيم على الموصل وسياسة التجويع التي يتخذها أفقدت غالبية المواطنين كل ما كانوا يمتلكونه من أموال ومقتنيات ثمينة.

"خرج هذا الرجل إلى السوق ووقف بوجه مسلحي داعش وصرخ بوجوههم وطالبهم بالكف عن أذية الناس وترك المدينة، ومزق ملابسه. فاعتقلته أمنية التنظيم فورا".

بعد أيام، سمع الأهالي صوت مناداة التنظيم عبر مكبرات الصوت في السوق الذي كان قريبا من بيتهم للطلب من الناس التجمع في السوق. وبدأ مسلحو داعش يطرقون أبواب البيوت القريبة ويطالبون الأهالي بالخروج. "عندما خرجنا، رأينا مسلحين من داعش يمسكان بالرجل المسن وهو مكتوف اليدين ومقيّد القدمين ورموه على الأرض ومن ثم أجلسوه منحي الرأس".

"ممثلو الله!"

وتروي دنيا ما شاهدته هي وابنتها الصغيرة من مشاهد تصفها بالمرعبة، قائلة "قدم مسلح آخر بيده سيف. قرأ قاضي التنظيم تهمة الرجل وقال (هذا الرجل شتم الدولة الإسلامية وهذا يعني أنه شتم الله لأن الدولة الإسلامية هي ممثلة الله في الأرض وعليه وجب قطع رأسه). وبالفعل بعد ثوانٍ من انتهاء قراءة التهمة، ضرب المسلح عنق الرجل المسن".

توقفت دنيا عن الحديث حيث لاحظت عيني ابنتها تذرف الدموع، حيث بدأت تبارك بالحديث وأكملت هي القصة وهي تبكي "تقدم أحد مسلحي داعش نحونا، ودفعني بقوة بإحدى يديه وتوجه بي نحو جثة الرجل وأمسك برأسي وقربني من الجثة التي كانت غريقة بالدماء. وقال أنظري هذه عقوبة من يكفر بنا".

وتعود والدة تبارك لتكملة الحديث لنا عن ما طرأ لابنتها. "منذ ذلك الوقت ولم تذق هذه الفتاة الصغيرة النوم، فهي تفزع  كل ليلة خلال النوم عدة مرات ومريضة دائما، أخذناها إلى الطبيب لكنه لم يُحدد نوع المرض الذي تعانيه".

اضطرابات نفسية

وتقول والدة تبارك إن مستقبل ابنتها مجهول. وتدعو الحكومة والمنظمات المعنية إلى مد يد العون لعلاجها لأنها تعاني من مشاكل نفسية عدة. وتضيف "زارنا باحث إجتماعي في الخيمة وعرضت عليه حالة تبارك ووعدني أنه سيحاول أن يجد حلا لمشكلتنا عبر عرض الحالة على أطباء نفسيين قريبا، لذا ننتظر عودة هذا الباحث ليحل مشكلة ابنتنا".

وتشكل الاضطرابات النفسية إحدى المشاكل الأساسية لدى أطفال الموصل الذين تعرضوا إلى العنف الجسدي والنفسي على يد مسلحي داعش خلال أكثر من عامين ونصف من سيطرة التنظيم على مدينتهم. وتختلف الاضطرابات لدى هؤلاء الأطفال بين نوبات الخوف والكآبة والأرق والتعامل مع بعض بشكل عنيف وتقليد مشاهد القتل والحرب التي شاهدوها، وفقدان الثقة  بمن حولهم.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.