نازحون عراقيون فروا من الموصل بانتظار نقلهم إلى مخيمات اللجوء
نازحون عراقيون فروا من الموصل بانتظار نقلهم إلى مخيمات اللجوء

بقلم إلسي مِلكونيان:

بعد مرور نحو شهر على انطلاق معارك تحرير أيمن الموصل، لم يعد أمام سكان هذه المنطقة من شمال العراق إلا النزوح. وتتزايد أعدادهم بإطراد (تجاوزوا 100 ألف حسب منظمة الهجرة الدولية) بالتزامن مع اشتداد المعارك مما دفع بالكثير منهم إلى المخيمات.

لكن حياة النزوح سلسلة مصاعب كثيرة وغير متوقعة. ولا تقتصر تلك المصاعب على النازحين فقط، وإنما على الجهات الراعية للمخيمات من جهات حكومية عراقية ومنظمات دولية.

هرباً من الجوع

وهرب البعض حتى قبل بداية معارك تحرير الجانب الغربي للمدينة في 17 شباط/فبراير من وضع لا يطاق بسبب الحرب التي أعلنها تنظيم داعش على الجميع. وهذا كان حال أسامة صالح (30 عاماً) الذي هرب مع زوجته وطفله الرضيع (ثلاثة شهور) وابنته الصغيرة (18 شهراً) مشياً على الأقدام.

يشرح أسامة لموقع (إرفع صوتك) أن دافعه للنزوح هو "الهرب من الجوع وحاجة أطفاله للطعام التي كان الحصول عليها صعباً جداً".

وبذلك وصل برفقة مجموعة من أًصدقائه (حوالي 60 شخصاً) إلى القيّارة حيث التدقيق الأمني ثم إلى مخيم "حاج علي" بمساعدة الجهات الحكومية.

لكن على خلاف توقعاته، لم تكن الحياة داخل المخيم الذي يمكث فيه منذ ستة أسابيع أسهل من خارجه. فالمواد التموينية الإغاثية التي يحصل عليها لا تكفي حاجات أطفاله إلى جانب الصعوبة في تحصيل عمل لشراء النواقص.

يقول أسامة "إضافة إلى حاجيات الأطفال، يتوجب علي أن أشتري النفط الأبيض لأغراض التدفئة وكيف أفعل ذلك وأنا دون عمل؟".

ويتابع " أبلغونا في المخيم أن نتقدم بطلبات للتوظيف، لأن منظمات الإغاثة تحتاج لكادر يساعدها. وفعلاً قدمت هذا الطلب ثلاث مرات دون جدوى. يختارون أناسا آخرين وأنا المثقف المتعلم ما زلت أنتظر ولا أعرف شيئاً عن المستقبل".  

ويحمل أسامة إجازة في الاقتصاد من جامعة الموصل. لكنه لم يوفق يوماً في العمل بالاختصاص الذي قضى فيه أربع سنوات من الدراسة، فكان يبيع المواد الغذائية والتموينية في كشك صغير والذي خسره أيضاً بسبب داعش.

هرباً من القصف

وتتولد التساؤلات ذاتها عند أحمد حسين (42 عاماً) وهو نازح آخر في مخيم حاج علي، والذي وصل إليه منذ 10 أيام مع زوجته وأطفاله الثلاثة (أعمارهم ثلاث وخمس و15 سنة). 

يقول أحمد وهو عامل بناء كان عاطلاً عن العمل، لموقع (إرفع صوتك)"هربنا من القصف والموت بمساعدة الجيش العراقي الذي وفر لنا ممرات آمنة حتى وصلنا إلى مخيم حاج علي".

ويقول كلاهما إن مخيم "حاج علي" فيه حوالي 3000 خيمة. ويشغل النازحون فيه حوالي 2000 خيمة، ويصل إليه يومياً بحدود 50-60 شخصاً.  

إيواء النازحين مسألة معقدة

ولا تقتصر المصاعب على النازحين فقط. لأن مسألة إيجاد الخيمة المناسبة واستقبال عدد كبير من العائلات ليس بمسألة سهلة.

ويشرح ريشارد إيفانز، منسق المخيمات التابعة لمفوضية اللاجئين للأمم المتحدة في العراق، في حديث عبر سكايب لموقع (إرفع صوتك) أن إيواء النازحين "عملية معقدة وتأخذ وقتاً لأن المواصلات يجب أن تكون مؤمنة".

ويوضح أن استقبال النازحين يقتضي تسجيلهم في منطقة العبور التابعة للمفوضية وهي منطقة يستلمون فيها مواد الإغاثة الفورية كالخدمات الطبية والغذاء ومياه الشرب. بعدها يتم اتخاذ القرار بمشاركة حكومية عن الموقع الأمثل لإرسالهم إليه، وكل هذا يتطلب وقتاً.

سباق مع الوقت

وبينما تخطط المنظمات لبناء المزيد من المخيمات في المستقبل وطلب الأموال من المانحين لتنفيذها، يتمنى كل من أسامة وأحمد العودة إلى الموصل بأسرع وقت بعدما شهدوا مصاعب النزوح.

ويقول أحمد "ندعو الحكومة أن تقوم بواجباتها تجاهنا وتنظر للنازحين والعائدين بعين العطف خاصة وأن داعش دمر المدينة وأعاد أهلها إلى نقطة الصفر. أنا أنتظر قرار الجيش بفارغ الصبر للعودة إلى الموصل. أحلى من مدينتي ماكو (لا يوجد)".

وتماماً كأحمد يعيش أسامة بانتظار العودة قائلاً " تركت خلفي أبي وشقيقي. وأسعى دائماً للاطمئنان عليهما وأنتظر اليوم الذي أعود فيه إلى بيتي وعملي في الكشك الصغير".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم0012022773659

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.