عراقية فارة من الموصل/وكالة الصحافة الفرنسية
عراقية فارة من الموصل/وكالة الصحافة الفرنسية

بغداد – بقلم دعاء يوسف:  

"كلما شعرتُ بالخوف، كنت أسارع إلى الاختباء أو النوم بجانب قبر أمي"، تقول هناء فيصل، 47 عاماً، التي عاشت مختبئة في منزلها طوال مدة سيطرة داعش على منطقة حي المصارف في الجانب الأيسر من محافظة الموصل في حزيران/يونيو 2014 حتى دخول الجيش العراقي وتحريره أوائل سنة 2017.

مرض السرطان

وتسرد هناء معاناتها بعدما دفعها مرض أمها بالسرطان، فضلا عن علاقتها السيئة مع زوجها، إلى ترك فرنسا وأطفالها رفقة زوجها والعودة إلى الموصل على عجل للاهتمام بأمها.

عاشت هناء وأمها ببيت يتكون من طابقين وسرداب تحت الأرض. "دخلت البيت قبل سيطرة داعش بستة أشهر" قالت هناء التي بيّنت أنها بقيت مع أمها لوحدهما بعدما رحل جميع من في المنطقة هرباً، ولم يتبق منهم إلا عائلتين. كانت الأولى متكونة من زوجة وزوج كان يعمل مهندسا، والعائلة الثانية متكونة من خمسة أفراد بما فيهم الزوجة والزوج الذي كان يعمل محامياً.

كانت هناء تحاول إخفاء وجودها تماماً؛ فهي، مثل أبيها، تنتمي للطائفة الشيعية. وكون هناء عائدة من فرنسا ولا ترتدي الحجاب فقد خافت من أنها ستقتل أو ربما تختطف من قبل داعش مثل غيرها من النساء فتباع بسوق البشر.

ظلت الأم المريضة وابنتها في القبو لا يعلم وجودهما إلا الجيران. بعد أشهر قليلة من دخول داعش توفيت الأم. بعد صدمة وفاة الأم والخوف من داعش كان على هناء اتخاذ قرار صعب.

"كنا في حيرة من مسألة دفنها. حتى قررت أن أبني لها قبراً بمساعدة جيراني في غرفة بالطابق الأرضي ودفنتها فيه". كانت هناء تخاف أن يكتشف أمرها إذا ما دفنت أمها في المقبرة.

الآن ظلت هناء وحدها في بيت خاوٍ إلا من قبر أمها.

إخفاء وجهها بالنقاب

وتشير هناء إلى أن المرة الوحيدة التي خرجت فيها من البيت، كانت قد ارتدت فيها الحجاب الإسلامي بما في ذلك إخفاء وجهها بالنقاب، ولم يتبق إلا عيونها رغم أنها لم تكن ترتدي الحجاب قبل دخول التنظيم. لكن خروجها إلى السوق كان لحاجتها الماسة لشراء بعض السلع.

"لكنهم لمحوني. لقد اقترب مني أحدهم وتحدث معي بلغة غير عربية. كان واضحاً من تعبير وجهه أنه يرفض ظهور عيوني. كدت أصرخ بوجهه، لكنني لم أفعل بعد أن تحدث باللغة الفرنسية مع زميله الداعشي، بينما الأخير راح يشتمني ويهدّد إذا كررتها فإنه سيتم قتلي. ومن يومها لم أخرج بتاتاً من البيت". 

جهاد النكاح

وتتابع هناء بألم "كنت أجفل مع كل صراخ أسمعه خارج البيت. أعضاء التنظيم كانوا دوما ما يفتشون البيوت بحثاً عن النساء المسلمات للزواج منهم بما يسمى بجهاد النكاح".

وتقول في حديث لموقع (إرفع صوتك) إنّها مرة سمعت صراخاً عالياً. "كان يؤلمني، حاولت معرفة ما يجري. اختلست النظر فرأيت عناصر داعش يسحبون ثلاث فتيات مسلمات من بيتهن. كن قد رفضن الذهاب معهم، لكن بعدما قتلوا أبيهن وأخيهن أمامهن رحلن معهم"، حسب قولها.

وتضيف "لطالما بقيت لأيام دون طعام وخاصة عندما تسوء الأمور بالمنطقة. لقد كنت أمشي في البيت المظلم على رؤوس أقدامي كي لا يشعر بوجدي أحدهم ويخبر داعش".

وتقول إنّها عاشت في الخوف والظلام ولم تكن تجرؤ على الخروج من السرداب نحو البيت معظم الأحيان. "لكن من خوفي الشديد صرت انسحب بصمت وأنام بجانب قبر أمي. وحين كان يشتد البرد كنت أحرق الملابس حتى أشعر بالدفء. الآن لم يعد في البيت شيئا منها".

لن أخرج بعد اليوم

وتسرد هناء أنه ذات يوم قرر أعضاء داعش الذين كان أغلبهم من المغاربة ونفر قليل من العراقيين دخول البيت لتفتيشه، فسارعت إلى الاختباء في بئر الماء الذي كان يضم سلماً.

"نزلت فيها وبقيت لثلاث ساعات بعدما أغلقوا الباب بسلاسل للتأكيد على أن هذا البيت لا يحوي سوى القبر. كنت خلال هذه الساعات أبكي بحرقة من الخوف حتى خرجوا بعدما أخذوا ما يحلو لهم من أغراض البيت".

ورغم عمليات التحرير لم تستطع هناء الخروج من البيت حتى الآن وما زالت تعتمد على مساعدة الجيران فهي بحالة صدمة نفسية. "لن أخرج بعد اليوم. سأبقى فيه إلى أن أدفن بجانب قبر أمي".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.