الصورة: مبنى مؤسسة الموانىء في البصرة أوائل خمسينيات القرن الماضي/أرشيف علي عجام
الصورة: مبنى مؤسسة الموانىء في البصرة أوائل خمسينيات القرن الماضي/أرشيف علي عجام

مصادر مختلفة:

ليس غريبا أن تكون البصرة مركزا تقدمت منه شخصيات بارزة. وفي عرضنا الموجز هذا، نتعرف إلى أصحاب معارف وآثار سياسية وعلمية وإنسانية طبعت لا تاريخ المدينة المعاصر، بل تاريخ العراق المعاصر.

طالب النقيب (1871- 1929)

هو طالب باشا ابن السيد رجب بن السيد محمد سعيد بن طالب بن درويش الرفاعي. ولد في البصرة ودرس القرآن والعلوم واللغة العربية إلى جانب اللغات التركية والفارسية والإنكليزية.

في عام 1901 عين متصرفا للواء الإحساء (شرق السعودية اليوم)، وأنعم عليه بالوسام العثماني من الدرجة الأولى. عاد إلى الإستانة 1903 ليعين عضوا بالقسم المدني من ديوان شورى الدولة العثمانية، حتى إعلان العمل في الدستور عام 1908 ليصبح عضوا في مجلس المبعوثان العثماني، وأعيد انتخابه في الأعوام 1912 و1914م.

عند دخول القوات البريطانية إلى البصرة عام 1914، اعتقل النقيب ونفي إلى الهند لمعارضته الوجود الإنكليزي، ليسمح له بالعودة إلى البصرة. عارض ثورة العشرين في العراق فكان من دعاة تحقيق الغايات السياسية عبر الطرق السلمية.

أصبح أول وزير للداخلية في تاريخ العراق في أول حكومة عراقية انتقالية برئاسة عبد الرحمن النقيب من 27-10-1920 ولغاية 2-8-1921، وكان يُشيع بأنه الأولى بتولي عرش العراق إلا أن بريطانيا رفضت ذلك ونفته مجددا. ولم يعد للعراق إلا في 1 أيار/مايو 1925 ليقيم في قصره بالسبيليات في أبي الخصيب.

سافر إلى ألمانيا للعلاج، فأجريت له عملية جراحية، توفي على إثرها في 16 حزيران/يونيو 1929م، لينقل جثمانه إلى البصرة ويدفن في مقبرة الحسن البصري بالزبير.

فيصل السامر (1922- 1982)

هو وزير ومؤرخ وأكاديمي بارز، ولد في البصرة سنة 1922 وأنهى دراسته المتوسطة فيها، ثم غادرها إلى بغداد ليكمل دراسته الإعدادية فيها. سافر إلى القاهرة وتخرج في جامعتها سنة 1947، ثم حصل على الماجستير والدكتوراه في التاريخ من الجامعة نفسها سنة 1953.

عُيّن بعد نيله الدكتوراه مدرسا للتاريخ في كلية التربية. وبعد ذلك بعام، فصل منها لأسباب سياسية تتعلق بميوله اليسارية، سافر بعدها إلى الكويت، ليعود إلى العراق بعد تموز/يوليو 1958م، فعيّن مديرا عاما للمعارف ثم نقيبا للمعلمين، ثم وزيرا مفوضا في وزارة الخارجية. عمل لسنوات في معاهد البحث العلمي في براغ بتشيكسلوفاكيا. عاد بعد تموز/يوليو 1968 ليتولى رئاسة قسم التاريخ في كلية الآداب.  توفي 1982، بعد أن ترك أثرا بارزا عبر مؤلفاته ومنها "صوت التاريخ"، "ثورة الزنج"، "الدولة الحمدانية في الموصل وحلب" إلى جانب ترجماته ومنها "أزمة الحضارة".

بدر شاكر السياب (1926- 1964)

هو أبو الشعر العربي الحديث. ولد في قرية جيكور، وهي قرية صغيرة تابعة لقضاء أبي الخصيب في البصرة.

انتقل إلى مدينة البصرة وتابع فيها دروسه الثانوية، ثم انتقل إلى العاصمة بغداد حيث التحق بدار المعلمين العالية. وقضى سنتين في تعلم الأدب العربي ليتحول في سنة 1945 إلى اللغة الإنكليزية.

تخرّج السيّاب من الجامعة عام 1948 في جو سياسي وفكري محتدم، وعرف بميوله اليسارية. وبعد أن أُسندت إليه وظيفة تعليم اللغة الإنكليزية في الرمادي عدة أشهر، فُصل منها وأودع السجن. وبعد نيله حريته عمل في بعض الوظائف الثانوية، وفي سنة 1952 اضطُر إلى مغادرة بلاده والتوّجه إلى إيران فإلى الكويت.

مع قيام النظام الجمهوري في 14 تموز/يوليو 1958 كان السياب من المرحبين والمؤيدين، وانتقل من تدريس الإنكليزية إلى العمل بالسفارة الباكستانية في بغداد. أعلن لاحقا انشقاقه عن الحزب الشيوعي ليعود بعدها إلى البصرة ليعمل في مصلحة الموانئ.

ظل يعاني تدهوراً في صحته وتحديدا في عاميه الأخيرين وقضاها معذبا خارج بلاده وهو ما انعكس في شعره بقوة، ليرحل في المستشفى الأميري بالكويت ثم ينقل إلى البصرة في 24 كانون الأول/ديسمبر ويدفن فيها.

زكي الجابر (1931- 2012)

هو الكاتب والأكاديمي المتخصص بشؤون الإعلام والقضايا الثقافية. ولد عام 1931 في البصرة وحصل على بكالوريوس اللغة العربية وآدابها من دار المعلمين العالية ببغداد 1954، وماجستير البرامج الإذاعية والتلفزيونية الثقافية من جامعة إنديانا الأميركية سنة 1960، ودكتوراه الاتصال الجماهيري من الجامعة ذاتها 1978.

عمل في التعليم الثانوي، ودرس الإعلام في أكاديمية الفنون الجميلة، وكلية الآداب ببغداد، وكلية الآداب بجامعة الملك سعود، والمعهد العالي للصحافة في الرباط. وحاضر في العديد من الدول العربية.

شغل عدة مناصب في إدارة البرامج الإذاعية، كما رأس قسم الإعلام بجامعة بغداد، ومدير عام بوزارة الثقافة والإعلام العراقية، ومنصب إدارة الإعلام في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (إليسكو) بتونس.

أمضى د. زكي محمد الجابر معظم حياته خارج بلده العراق مستقرا في المغرب منفياً بسبب خلافاته السياسية والثقافية مع نظام صدام حسين.

إنتقل إلى العيش قرب نجله في مدينة دالاس بولاية تكساس الأميركية، ورحل فيها العام 2012.

جوزيف مارو (1922- 2005)

ولد جوزيف توفيق مارو عام 1922 وتخرج من كلية الطب بالجامعة الأميركية في بيروت عام 1950، كما حصل على زمالة الكلية الملكية للأطباء في أدنبره. وهو طبيب القلب المعروف الذي عالج الآلاف من مرضى القلب في البصرة والمحافظات الجنوبية لسنوات طويلة. والدكتور مارو من أهالي البصرة إلا أنه أكمل دراسته الثانوية في "كلية بغداد" الشهيرة في العاصمة بغداد.

بعد إنهائه دراسة الطب في بيروت قضى سنة إقامة في مستشفى الجامعة الأميركية فيها. سافر بعدها الى الولايات المتحدة متمتعا ببعثة من مؤسسة فولبرايت للتخصص، والتحق كزميل في الطب الباطني والأمراض القلبية بمستشفى بوسطن في ولاية ماساشوسيتس.

عاد الى العراق عام 1954 ليعمل في المستشفى الملكي بالبصرة ويفتح عيادته الخاصة في العشار، وساهم بفريق إنشاء كلية الطب بالبصرة عام 1966 ومن ثم شارك في تدريس وتدريب طلبتها. وبعد تقاعده في الثمانينيات، انتقل ليعمل بعيادة خاصة في بغداد، ليرحل فيها بسكتة قلبية 30 أيلول/سبتمبر 2005.

عبداللطيف الشوّاف (1926- 1996)

ولد في البصرة العام 1926. وبعد أن أنهى دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية دخل كلية الحقوق وتخرج فيها، عيّن سنة 1947 قاضياً في محكمة صلح البصرة فكان محل حب واحترام وثقة زملائه من القضاة والمحامين. أختير بعد تموز/يوليو 1958 وزيراً للتجارة لكنه سرعان ما اعتذر عن الاستمرار في الوزارة لينصرف إلى عمله في المحاماة والمشاركة في كثير من الهيئات واللجان الخاصة بالاقتصاد والقانون وشؤون النفط، وصار محافظا للبنك المركزي العراقي ولفترة وجيزة.

غادر العراق إلى مصر بعد إعدام صديقه وعديله زكي عبدالوهاب في بدايات 1969م وبقي في القاهرة لحين وفاته في صبيحة آب/أغسطس 1996.

ترك عشرات الدراسات والبحوث القانونية والاقتصادية والبترولية بتكليف من هيئات ومنظمات عربية ودولية، وكان مشروعا الدستور الدائم اللذان أعدهما مع نخبة من رجال القانون المتميزين في عهدي (عبد الكريم قاسم ثم عبد الرحمن عارف) من إنجازاته المعتبرة، فضلا عن كتبه "شخصيات نافذة"، "حول قضية النفط في العراق"، و"عبد الكريم قاسم وعراقيون آخرون".

عبد الواحد عزيز (1931-1982)

أبرز ربّاع ورياضي عراقي. ولد في البصرة في عام 1931 وتوفي 1982، وهو صاحب الميدالية الأولمبية الوحيدة للعراق والتي نالها خلال أولمبياد روما عام 1960.

بدأ حياته الرياضية في عام 1950، فمارس ألعاب كرة القدم والسلة والطائرة والسباحة، قبل أن يستقر عند رياضة رفع الأثقال. ففي عام 1953 شارك عزيز في دورة الألعاب العربية الأولى في الإسكندرية ونال الميدالية الفضية.

وفي الدورة العربية الثانية في بيروت عام 1957، تمكن عزيز من نيل المركز الأول والميدالية الذهبية. وفي العام 1957 ذاته أقيمت في طهران بطولة آسيا برفع الأثقال ليظفر فيها عزيز بالمركز الأول وليصبح الربّاع الوحيد في آسيا والشرق الأوسط الذي يجتاز حاجز 360 كغم ضمن فئة الوزن الخفيف.

شارك في ثلاث بطولات للعالم برفع الاثقال أبرزها في وارشو عام 1959، ونال بها المركز الثالث وهي أفضل نتيجة لرباع عراقي على مدار التاريخ.

شارك عبد الواحد عزيز في دورة أولمبية واحدة هي دورة روما 1960، وتمكن فيها من تحقيق الوسام الأولمبي الوحيد للعراق من خلال نيله برونزية الوزن الخفيف.

فؤاد سالم (1945-2013)

هو أحد رواد الأغنية العراقية المعاصرة، واسمه الحقيقي فالح حسن جاسم آل بريج، من مواليد البصرة - قضاء التنومة في عام 1945.

بدأ الغناء عام 1963 متأثراً بالمطرب العراقي الكبير ناظم الغزالي، وكان أول ظهور علني له مع أول أوبريت غنائي عراقي هو "بيادر الخير" ثم أتبعه أوبريت "المطرقة".

تبناه في بداية رحلته عازف القانون الفنان سالم حسين، وهو الذي اختار له اسم (فؤاد سالم) الذي أشتهر به، وكذلك هو الذي لحن له أول أغنية في حياته الفنية وهي أغنية "يا سوار الذهب".

غادر العراق بسبب الحملة التي قادها نظام البعث على الشيوعيين الذين كان فؤاد سالم قد انضم إليهم. وبعدما فصل من معهد الفنون الجميلة، مُنع من الغناء في الأماكن العامة، ومنع من دخول الإذاعة والتلفزيون.

هرب إلى الكويت وظل ينتقل بينها ومدينة عدن باليمن (الجنوبي حينها) ودمشق التي غادرها إلى أميركا لاجئا سياسيا ثم عاد إليها ومنها زار بغداد والبصرة وأربيل بعد العام 2003، ليستقر فيها حتى وفاته 21 كانون الأول/ديسمبر 2013 بعد صراع طويل مع المرض.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.