الصورة: مبنى مؤسسة الموانىء في البصرة أوائل خمسينيات القرن الماضي/أرشيف علي عجام
الصورة: مبنى مؤسسة الموانىء في البصرة أوائل خمسينيات القرن الماضي/أرشيف علي عجام

مصادر مختلفة:

ليس غريبا أن تكون البصرة مركزا تقدمت منه شخصيات بارزة. وفي عرضنا الموجز هذا، نتعرف إلى أصحاب معارف وآثار سياسية وعلمية وإنسانية طبعت لا تاريخ المدينة المعاصر، بل تاريخ العراق المعاصر.

طالب النقيب (1871- 1929)

هو طالب باشا ابن السيد رجب بن السيد محمد سعيد بن طالب بن درويش الرفاعي. ولد في البصرة ودرس القرآن والعلوم واللغة العربية إلى جانب اللغات التركية والفارسية والإنكليزية.

في عام 1901 عين متصرفا للواء الإحساء (شرق السعودية اليوم)، وأنعم عليه بالوسام العثماني من الدرجة الأولى. عاد إلى الإستانة 1903 ليعين عضوا بالقسم المدني من ديوان شورى الدولة العثمانية، حتى إعلان العمل في الدستور عام 1908 ليصبح عضوا في مجلس المبعوثان العثماني، وأعيد انتخابه في الأعوام 1912 و1914م.

عند دخول القوات البريطانية إلى البصرة عام 1914، اعتقل النقيب ونفي إلى الهند لمعارضته الوجود الإنكليزي، ليسمح له بالعودة إلى البصرة. عارض ثورة العشرين في العراق فكان من دعاة تحقيق الغايات السياسية عبر الطرق السلمية.

أصبح أول وزير للداخلية في تاريخ العراق في أول حكومة عراقية انتقالية برئاسة عبد الرحمن النقيب من 27-10-1920 ولغاية 2-8-1921، وكان يُشيع بأنه الأولى بتولي عرش العراق إلا أن بريطانيا رفضت ذلك ونفته مجددا. ولم يعد للعراق إلا في 1 أيار/مايو 1925 ليقيم في قصره بالسبيليات في أبي الخصيب.

سافر إلى ألمانيا للعلاج، فأجريت له عملية جراحية، توفي على إثرها في 16 حزيران/يونيو 1929م، لينقل جثمانه إلى البصرة ويدفن في مقبرة الحسن البصري بالزبير.

فيصل السامر (1922- 1982)

هو وزير ومؤرخ وأكاديمي بارز، ولد في البصرة سنة 1922 وأنهى دراسته المتوسطة فيها، ثم غادرها إلى بغداد ليكمل دراسته الإعدادية فيها. سافر إلى القاهرة وتخرج في جامعتها سنة 1947، ثم حصل على الماجستير والدكتوراه في التاريخ من الجامعة نفسها سنة 1953.

عُيّن بعد نيله الدكتوراه مدرسا للتاريخ في كلية التربية. وبعد ذلك بعام، فصل منها لأسباب سياسية تتعلق بميوله اليسارية، سافر بعدها إلى الكويت، ليعود إلى العراق بعد تموز/يوليو 1958م، فعيّن مديرا عاما للمعارف ثم نقيبا للمعلمين، ثم وزيرا مفوضا في وزارة الخارجية. عمل لسنوات في معاهد البحث العلمي في براغ بتشيكسلوفاكيا. عاد بعد تموز/يوليو 1968 ليتولى رئاسة قسم التاريخ في كلية الآداب.  توفي 1982، بعد أن ترك أثرا بارزا عبر مؤلفاته ومنها "صوت التاريخ"، "ثورة الزنج"، "الدولة الحمدانية في الموصل وحلب" إلى جانب ترجماته ومنها "أزمة الحضارة".

بدر شاكر السياب (1926- 1964)

هو أبو الشعر العربي الحديث. ولد في قرية جيكور، وهي قرية صغيرة تابعة لقضاء أبي الخصيب في البصرة.

انتقل إلى مدينة البصرة وتابع فيها دروسه الثانوية، ثم انتقل إلى العاصمة بغداد حيث التحق بدار المعلمين العالية. وقضى سنتين في تعلم الأدب العربي ليتحول في سنة 1945 إلى اللغة الإنكليزية.

تخرّج السيّاب من الجامعة عام 1948 في جو سياسي وفكري محتدم، وعرف بميوله اليسارية. وبعد أن أُسندت إليه وظيفة تعليم اللغة الإنكليزية في الرمادي عدة أشهر، فُصل منها وأودع السجن. وبعد نيله حريته عمل في بعض الوظائف الثانوية، وفي سنة 1952 اضطُر إلى مغادرة بلاده والتوّجه إلى إيران فإلى الكويت.

مع قيام النظام الجمهوري في 14 تموز/يوليو 1958 كان السياب من المرحبين والمؤيدين، وانتقل من تدريس الإنكليزية إلى العمل بالسفارة الباكستانية في بغداد. أعلن لاحقا انشقاقه عن الحزب الشيوعي ليعود بعدها إلى البصرة ليعمل في مصلحة الموانئ.

ظل يعاني تدهوراً في صحته وتحديدا في عاميه الأخيرين وقضاها معذبا خارج بلاده وهو ما انعكس في شعره بقوة، ليرحل في المستشفى الأميري بالكويت ثم ينقل إلى البصرة في 24 كانون الأول/ديسمبر ويدفن فيها.

زكي الجابر (1931- 2012)

هو الكاتب والأكاديمي المتخصص بشؤون الإعلام والقضايا الثقافية. ولد عام 1931 في البصرة وحصل على بكالوريوس اللغة العربية وآدابها من دار المعلمين العالية ببغداد 1954، وماجستير البرامج الإذاعية والتلفزيونية الثقافية من جامعة إنديانا الأميركية سنة 1960، ودكتوراه الاتصال الجماهيري من الجامعة ذاتها 1978.

عمل في التعليم الثانوي، ودرس الإعلام في أكاديمية الفنون الجميلة، وكلية الآداب ببغداد، وكلية الآداب بجامعة الملك سعود، والمعهد العالي للصحافة في الرباط. وحاضر في العديد من الدول العربية.

شغل عدة مناصب في إدارة البرامج الإذاعية، كما رأس قسم الإعلام بجامعة بغداد، ومدير عام بوزارة الثقافة والإعلام العراقية، ومنصب إدارة الإعلام في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (إليسكو) بتونس.

أمضى د. زكي محمد الجابر معظم حياته خارج بلده العراق مستقرا في المغرب منفياً بسبب خلافاته السياسية والثقافية مع نظام صدام حسين.

إنتقل إلى العيش قرب نجله في مدينة دالاس بولاية تكساس الأميركية، ورحل فيها العام 2012.

جوزيف مارو (1922- 2005)

ولد جوزيف توفيق مارو عام 1922 وتخرج من كلية الطب بالجامعة الأميركية في بيروت عام 1950، كما حصل على زمالة الكلية الملكية للأطباء في أدنبره. وهو طبيب القلب المعروف الذي عالج الآلاف من مرضى القلب في البصرة والمحافظات الجنوبية لسنوات طويلة. والدكتور مارو من أهالي البصرة إلا أنه أكمل دراسته الثانوية في "كلية بغداد" الشهيرة في العاصمة بغداد.

بعد إنهائه دراسة الطب في بيروت قضى سنة إقامة في مستشفى الجامعة الأميركية فيها. سافر بعدها الى الولايات المتحدة متمتعا ببعثة من مؤسسة فولبرايت للتخصص، والتحق كزميل في الطب الباطني والأمراض القلبية بمستشفى بوسطن في ولاية ماساشوسيتس.

عاد الى العراق عام 1954 ليعمل في المستشفى الملكي بالبصرة ويفتح عيادته الخاصة في العشار، وساهم بفريق إنشاء كلية الطب بالبصرة عام 1966 ومن ثم شارك في تدريس وتدريب طلبتها. وبعد تقاعده في الثمانينيات، انتقل ليعمل بعيادة خاصة في بغداد، ليرحل فيها بسكتة قلبية 30 أيلول/سبتمبر 2005.

عبداللطيف الشوّاف (1926- 1996)

ولد في البصرة العام 1926. وبعد أن أنهى دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية دخل كلية الحقوق وتخرج فيها، عيّن سنة 1947 قاضياً في محكمة صلح البصرة فكان محل حب واحترام وثقة زملائه من القضاة والمحامين. أختير بعد تموز/يوليو 1958 وزيراً للتجارة لكنه سرعان ما اعتذر عن الاستمرار في الوزارة لينصرف إلى عمله في المحاماة والمشاركة في كثير من الهيئات واللجان الخاصة بالاقتصاد والقانون وشؤون النفط، وصار محافظا للبنك المركزي العراقي ولفترة وجيزة.

غادر العراق إلى مصر بعد إعدام صديقه وعديله زكي عبدالوهاب في بدايات 1969م وبقي في القاهرة لحين وفاته في صبيحة آب/أغسطس 1996.

ترك عشرات الدراسات والبحوث القانونية والاقتصادية والبترولية بتكليف من هيئات ومنظمات عربية ودولية، وكان مشروعا الدستور الدائم اللذان أعدهما مع نخبة من رجال القانون المتميزين في عهدي (عبد الكريم قاسم ثم عبد الرحمن عارف) من إنجازاته المعتبرة، فضلا عن كتبه "شخصيات نافذة"، "حول قضية النفط في العراق"، و"عبد الكريم قاسم وعراقيون آخرون".

عبد الواحد عزيز (1931-1982)

أبرز ربّاع ورياضي عراقي. ولد في البصرة في عام 1931 وتوفي 1982، وهو صاحب الميدالية الأولمبية الوحيدة للعراق والتي نالها خلال أولمبياد روما عام 1960.

بدأ حياته الرياضية في عام 1950، فمارس ألعاب كرة القدم والسلة والطائرة والسباحة، قبل أن يستقر عند رياضة رفع الأثقال. ففي عام 1953 شارك عزيز في دورة الألعاب العربية الأولى في الإسكندرية ونال الميدالية الفضية.

وفي الدورة العربية الثانية في بيروت عام 1957، تمكن عزيز من نيل المركز الأول والميدالية الذهبية. وفي العام 1957 ذاته أقيمت في طهران بطولة آسيا برفع الأثقال ليظفر فيها عزيز بالمركز الأول وليصبح الربّاع الوحيد في آسيا والشرق الأوسط الذي يجتاز حاجز 360 كغم ضمن فئة الوزن الخفيف.

شارك في ثلاث بطولات للعالم برفع الاثقال أبرزها في وارشو عام 1959، ونال بها المركز الثالث وهي أفضل نتيجة لرباع عراقي على مدار التاريخ.

شارك عبد الواحد عزيز في دورة أولمبية واحدة هي دورة روما 1960، وتمكن فيها من تحقيق الوسام الأولمبي الوحيد للعراق من خلال نيله برونزية الوزن الخفيف.

فؤاد سالم (1945-2013)

هو أحد رواد الأغنية العراقية المعاصرة، واسمه الحقيقي فالح حسن جاسم آل بريج، من مواليد البصرة - قضاء التنومة في عام 1945.

بدأ الغناء عام 1963 متأثراً بالمطرب العراقي الكبير ناظم الغزالي، وكان أول ظهور علني له مع أول أوبريت غنائي عراقي هو "بيادر الخير" ثم أتبعه أوبريت "المطرقة".

تبناه في بداية رحلته عازف القانون الفنان سالم حسين، وهو الذي اختار له اسم (فؤاد سالم) الذي أشتهر به، وكذلك هو الذي لحن له أول أغنية في حياته الفنية وهي أغنية "يا سوار الذهب".

غادر العراق بسبب الحملة التي قادها نظام البعث على الشيوعيين الذين كان فؤاد سالم قد انضم إليهم. وبعدما فصل من معهد الفنون الجميلة، مُنع من الغناء في الأماكن العامة، ومنع من دخول الإذاعة والتلفزيون.

هرب إلى الكويت وظل ينتقل بينها ومدينة عدن باليمن (الجنوبي حينها) ودمشق التي غادرها إلى أميركا لاجئا سياسيا ثم عاد إليها ومنها زار بغداد والبصرة وأربيل بعد العام 2003، ليستقر فيها حتى وفاته 21 كانون الأول/ديسمبر 2013 بعد صراع طويل مع المرض.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".