مدخل كنيسة مار ماري الكلدانية في بغداد/وكالة الصحافة الفرنسية
مدخل كنيسة مار ماري الكلدانية في بغداد/وكالة الصحافة الفرنسية

بقلم إلسي مِلكونيان:

تستعد الطائفة الكلدانية في العراق كسائر المسيحيين في العالم للاحتفال بـ"أحد الشعانين" الأحد، 9 نيسان/أبريل، كما جرت العادة قبل أن يسيطر تنظيم داعش على المناطق التي تسكنها غالبية أبناء هذه الطائفة.

ويعيش الكلدانيون في العراق رغم التحديات الكثيرة التي تواجههم، فهم يعتبرونه وطنهم الأصلي وتمتد جذورهم فيه إلى آلاف السنين. ولهم نشاط سياسي واجتماعي وحضور ثقافي كغيرهم من المجموعات الإثنية والمذهبية في البلاد.

تاريخ عريق

ظهر الكلدانيون في العراق منذ عام 539 ق.م. في منطقة تدعى "كلديا" جنوب بابل. ومنها أخذوا لقب "الكلدانيين". وكان لهم ملوك حكموا بلاد ما بين النهرين، ومن أبرزهم نبوخذ نصر.

دخلوا الديانة المسيحية ويتبعون الكنيسة الكاثوليكية، وحافظوا على لغتهم الكلدانية التي يتحدث بها الكهنة أثناء القداديس ضمن الكنيسة حتى وقتنا الحاضر.

التمسك بالأرض والهوية

وتعرض الكلدانيون كغيرهم من الأقليات الدينية والقومية غير المسلمة إلى اضطهاد وانتهاكات وتهجير بسبب التنظيمات الإرهابية كالقاعدة وداعش، مما اضطر غالبيتهم للفرار.

وفي ظل غياب الإحصاءات الرسمية حول عدد الكلدانيين المقيمين في العراق حالياً، يقدر مار لويس ساكو بطريرك الكلدان في العراق والعالم إن عددهم يبلغ ما بين 300-350 ألف شخص بعد أن كان عددهم قبل عام 2003 يتراوح بين 700 ألف إلى مليون شخص، وهم يشكلون 70 في المئة من مسيحيي العراق.

وبعد تحرير غالبية المناطق التي كان يسكنها المسيحيون في سهل نينوى من داعش، بدأ بعض الكلدان وغيرهم من المسيحيين بالعودة.

ويقول ساكو لموقع (إرفع صوتك) "قدمنا للكلدانيين وغيرهم من المسيحيين وحتى المسلمين مساعدة مالية بالتعاون مع أبرشيات المهجر لمساعدتهم على تصليح أثاث منازلهم وما تكسر منه من أبواب وشبابيك بالإضافة إلى المساعدة الغذائية".

وهم الآن يتجهون إلى تلّسقف وباقوفا وبطنايا والتي دمر داعش حوالي 80 في المئة منها. ولكن الناس لا يزالون يترددون في العودة إلى قره قوش وكرمليس وبرطلة بسبب التوتر الأمني في المنطقة.

ويتابع ساكو قائلاً "لا يمكننا التدخل في قرار الناس إن أرادوا الهجرة. لكن إحصائية أخيرة أجريناها على الكلدانيين أفادت بأن 80 في المئة منهم يريدون العودة إلى مناطقهم ولا يفضلون المغادرة".

حراك سياسي

وفي عام 1999، أسّس الكلدان "حزب الاتحاد الديموقراطي الكلداني" في إقليم كردستان العراق، وذلك لأن حراكاً سياسياً كهذا كان محظوراً في بغداد أيام حكم الرئيس الأسبق صدام حسين، حسب ما يقول مؤسس الحزب أبلحد أفرام ساوا لموقع (إرفع صوتك).

ويقول ساوا "ما دفعني إلى تشكيل هذا الحزب هو وجود فراغ لكيان كلداني سياسي يدافع عن حقوق الكلدان ويحافظ على هويتهم القومية التي تمكنا من تثبيتها في الدستور العراقي". ويتابع "وفعلاً نجحنا بعد 2003 في تأسيس كيان في بغداد توسعنا فيه حتى أسسنا فروعاً في المهجر، أي في دول أوروبا وأميركا وأستراليا، ونحن مستمرون في نشاطنا على كافة الأصعدة".

ويشير ساوا إلى أن تحديات الحزب حالياً تتمثل في هجرة الكلدان المستمرة من العراق "والتي تقدر بنسبة 50-55 في المئة منهم وضعف الإمكانات المادية التي تحد الحركة والتوسع". ويضيف "نخشى على مستقبل الكلدانيين والمسيحيين بشكل عام من التطرف الديني والفساد المستشري في العراق".

المحافظة على الهوية في بلاد المهجر

وأسّس الكلدانيون في العراق والمهجر جمعيات وفرق مجتمعية غير حكومية لمواصلة الأنشطة والحفاظ على الروابط الاجتماعية فيما بينهم. ومثال على ذلك، جمعية "نجم المشرق" في فيينا و"المجلس الكلداني العربي الأميركي" في ولاية ميشيغن الأميركية.

وتسعى أيضاً هذه الجمعيات للحفاظ على اللغة الكلدانية أيضاً وتعليمها للأجيال الجديدة ومثال على ذلك، قيام الرابطة الكلدانية في ولاية ميشيغن الأميركية بالتعاون مع مؤسسة التراث الكلداني بتعليم اللغة الكلدانية في مدرسة ابتدائية كاثوليكية.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

رحل النظام العراقي السابق أكثر من 350 ألف كردي فيلي إلى إيران.

بعد نحو 12 عاما على تشكيلها وأكثر من 20 عاما على سقوط نظام صدام حسين، صادقت وزارة العدل العراقية مؤخراً على توصيات اللجنة المعنية بإزالة الآثار السلبية عن الكرد الفيليين، ممن صودرت أراضيهم أو بيوتهم من قبل النظام السابق.

وإضافة إلى التوصية الخاصة بمعالجة الآثار المترتبة على قراري مجلس قيادة الثورة المنحل المرقمين (489) و(617) لسنة 1981 المتعلقين بمصادرة البساتين والأراضي الزراعية في منطقتي خانقين ومندلي في محافظة ديالى وتسوية الحقوق التصرفية فيها، تضمنت التوصيات النظر في إمكانية إعمار المناطق الفيلية المنكوبة وتنميتها ونزع الألغام منها وشمولها بالمشروعات الإستراتيجية. كذلك العمل على مراعاة تعيين هذه الشريحة في الدرجات الوظيفية الشاغرة في الوزارات وغيرها من الجهات الرسمية.

وفي الوقت الذي ينظر سياسيون وأكاديميون من الكرد الفيليين بإيجابية للمصادقة "المتأخرة" على توصيات اللجنة، فهم يشككون أيضاً في إمكانية تنفيذها بشكل يؤدي لتحقيق العدالة والإنصاف للضحايا.

 

تاريخ الاضطهاد

بدأ الاضطهاد "الممنهج" للكرد الفيليين في العراق عام 1970 وتواصل حتى سقوط النظام البعثي في 2003.

يقول القيادي في الحزب الكردستاني العراقي والمدافع عن قضية الكرد الفيليين، علي الفيلي، إن "الاضطهاد الذي تعرضوا له كان الأعنف ضد أقلية في العراق، لقد اضطهدوا بشكل ممنهج لفترات طويلة، حُرموا من حقوقهم الأساسية، وتمت مصادرة ممتلكاتهم، وجُردوا من جنسيتهم نتيجة شكوك ومخاوف ابتدعها النظام السابق".

وينتقد الفيلي تعامل الحكومات العراقية المتعاقبة بعد سقوط النظام مع قضية الكرد الفيليين، مبيّناً لـ"ارفع صوتك": "كان يفترض أن تكون قضيتهم أولوية بعد سقوط النظام كدليل على جدية العهد الجديد في إزالة الظلم".

بحسب دراسة "الإبادة الجماعية للكرد الفيليين في العراق" الصادرة عن مركز "حمورابي" للبحوث والدراسات الاستراتجية، تعرض آلاف الكرد الفيليين إلى حملات إعدام مممنهجة من قبل النظام السابق منذ 1968، إضافة إلى ترحيل أكثر من 350 ألف كردي فيلي إلى إيران، والاختفاء القسري الذي طال نحو 15 ألفاً لا يزال مصيرهم مجهولاً.   

يؤكد الفيلي أن "غالبية المختفين قسراً هم من الأطفال الذكور الذين اختطفهم النظام السابق بتهمة محاولتهم حمل السلاح ضد الدولة".

وفي مطلع ثمانينيات القرن الماضي أصدر مجلس قيادة الثورة المنحل قرارات لتثبيت واقع اضطهاد الكرد الفيليين، فعلاوة على مصادرة البساتين والأراضي الزراعية وفقاً للقرارين (489) و(617) لسنة 1981، أصدر المجلس عام 1980 القرار (666) القاضي بإسقاط الجنسية العراقية عن "كل عراقي أجنبي إذا تبين عدم ولائه للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية  العليا للثورة"، وهو القرار الذي طُبق بشكل أساسي على الكرد الفيليين، حيث أسقطت الجنسية عن نحو نصف مليون كردي فيلي، كما تنقل الدراسة عن مصادر كردية.

وتعيد الدراسة جذور الاضطهاد إلى جملة من العوامل، في مقدمتها العامل القومي حيث "تشير الدلائل على أنهم من أقدم وأعراق سكان العراق، غير أن تواجدهم الجغرافي في نقاط التماس الجيوسياسية للصراع العراقي- الإيراني، شجع الإبادة ضدهم، وكذلك تنوعهم الثقافي والاجتماعي الذي مكنهم من الاندماج مع باقي المكونات بشكل صعب على النظام مهمة اجتثاثهم".

أما العامل الأخير فكان "عنصرية وطائفية النظام عندما رسخ تهمة تبعية الكرد الفيليين لإيران بدعوى وجود مناطق كردية في الجانب الإيراني المحاذي للحدود العراقية تربط الكرد الفيليين بصلات قرابة.

 

مخاوف بعد انتظار طويل

رغم حديثه عن إيجابيات المصادقة على التصويات كخطوة على طريق رفع الظلم الواقع على الكرد الفيليين، يقول أستاذ الفكر السياسي عصام الفيلي إن "المشكلة لا تكمن في التشريعات والقوانين إنما في الممارسة والتطبيق".

يضيف لـ"ارفع صوتك": "عند الحديث عن تعويضات عن سنوات محدودة فإن ذلك ليس من الإنصاف، كذلك فإن التشريعات لم تعالج المساحات الكبيرة من الأراضي التي جرى الاستيلاء عليها وهي غير مسيجة من قبل أصحابها وتحولت إلى أملاك للدولة".

ويعتقد عصام الفيلي أن الضرر النفسي والمعنوي الذي خلفته الإبادة على الكرد الفيليين "تتجاوز ما قدمته اللجنة"، مشدداً على "ضرورة إنشاء لجنة عليا لرعاية الكرد الفيليين بمهام متعددة تتجاوز مسألة التعويض والأراضي إلى دمجهم في الوظائف الحكومية وتضمينهم في المناهج التعليمية وتحسين الخدمات في أماكن تواجدهم".

يتابع: "المطلوب قبل كل شيء تأسيس ثقافة تؤكد على أن العراق بلد لجميع المكونات، حينها يشعر الكرد الفيليون بمواطنتهم ويسترجعون حقوقهم، فمنذ سقوط النظام حتى اليوم لا يوجد تحسّن حقيقي في حياتهم".

الأمر ذاته يكرره القيادي في الحزب الكردستاني العراقي، علي الفيلي، بقوله: "التعويض المالي مهم لكن التعويض النفسي والمعنوي أكثر أهمية".

ويرى أن "بداية التعويض المعنوي تتمثل في أن تتوقف دوائرة السلطة عن معاملتهم معاملة الأجانب حيث يواصلون مراجعة دائرة شؤون الأجانب لإتمام معاملاتهم".