أعمال تطوعية في العراق/إرفع صوتك
أعمال تطوعية في العراق/إرفع صوتك

بغداد – بقلم دعاء يوسف:

دفع ضعف الأداء الحكومي والعنف والاقتتال الطائفي وظهور تنظيم داعش والفساد المستشري في البلاد الكثير من الشباب العراقيين إلى إطلاق حملات ومبادرات تطوعية تهدف إلى مساعدة المواطنين والتخفيف من تدهور أحوالهم المعيشية.

دحر الإرهاب

يقول عامر أحمد، 21 عاماً، وهو من بين الشباب الذين فروا من مدينة الرمادي عام 2014 حين سيطر داعش عليها إن هدفه من الانخراط مع المجموعات الشبابية المتطوعة هو "مساندة جرحى قوات الجيش والحشد الشعبي والنازحين وخاصة تقديم الخدمات الإنسانية لهم".

وكان عامر، الذي ما زال يدرس في الكلية التقنية الإدارية، قد غادر مدينته بصحبة أمه وإخوته الثلاثة الذين ينتسب أكبرهم لوزارة الداخلية، والسكن في العاصمة بغداد.

ويضيف "نحن على يقين بأن البلاد بحاجة لما هو أكثر من الحلول المتعلقة بالعمليات العسكرية لدحر الإرهاب".

وعلى الرغم من أن هؤلاء الشباب الذين لم تتجاوز أعدادهم 20 شابا لا يملكون القدرات المالية الكافية للعمل التطوعي، لكن عامر يعتقد أن دعمهم لبعضهم البعض وتزايد أعدادهم وإيمانهم بمبادئ التعايش السلمي من الأمور الكفيلة بإحداث التغيير المنشود. "أغلب الذين تطوعوا في هذه الحملات هم من الشباب النازحين لأنهم يشعرون بالمعاناة الحقيقة لأنهم عاشوا ويلاتها".  

ويشير إلى أن الوقت والجهد اللذان يبذلهما في دعم المبادرات والحملات الإنسانية التطوعية سيلعبان الدور الإيجابي في اعادة الثقة بين المواطنين بالتغيير.  

المهن اليدوية

ويرى محمود المشهداني، 20 عاماً، أن واجب الشاب اليوم هو التطوع في العمل الإنساني لتغيير الأوضاع غير المستقرة في البلاد، لكن من دون أن يكون ضمن توجهات دينية أو سياسية. "التطوع الإنساني سيحل الأزمات ويغير الوضع".

وقد كوّن محمود فريقاً يضم أكثر من 60 متطوعا ومتطوعة من طلبة الجامعات العراقية المختلفة يعملون في فريق "الملجأ للمساعدات الإنسانية"، وهو فريق لا ينتمي لأي جهة سياسية أو حزبية. وقال في حديث لموقع (إرفع صوتك) إن "أهدافنا تتمحور حول مساعدة النازحين والفقراء واليتامى وأبناء الشهداء وغيرها الكثير من حملات الدعم والمساعدة".

ويضيف في حديثه لموقع (إرفع صوتك) أن بعض المبالغ المالية التي يقدمها الفريق لشرائح مختلفة يتم تجميعها على مدار الأسبوع من المتبرعين وتوزيعها كل يوم خميس على شكل حملات ومبادرات.

ويتابع أن الكثير من المتطوعات في الفريق يتطوع بمبالغ حصلن عليها من خلال أعمالهن اليدوية، إذ يقمن بصناعة الحلي والأكسسوارات والرسم على الأواني والأطباق واللوحات والثياب والخياطة وغيرها من المهن اليدوية التي تحقق واردات مالية.

استغلال جهود الشباب

أما أياد سعد، 19 عاماً، فيقول إنّه تطوع مع مجموعة من الشباب لزيارة المرضى والأيتام من العوائل النازحة وتوفير بعض الاحتياجات الطارئة. 

ويضيف أياد أن ما يقدمونه من دعم لهذه الشريحة المنكوبة من المجتمع العراقي، هو من تبرعات الناس سواء كانت على شكل أموال أو مواد غذائية.

ويشير إلى أنه يبادر إلى الاتصال دوماً بأقرانه الطلبة للاتفاق على الحملات والمبادرات التطوعية. "نتفق أولاً على الاجتماع في مكان ما بعد عرض كل واحد منا أعداد الشباب الذين انضموا للعمل التطوعي معنا. ومن ثم نقوم بالإعلان عن الحملة في شارع المتنبي".

ويتابع أن أعداد المتطوعين من الشباب، وخاصة طلبة الجامعات في تزايد كبير رغم أن الكثير منهم من أصحاب الدخل المحدود.

ويروي أنّهم لم يتخذوا أي أسم لفريقهم كي لا يُستغل من قبل البعض الذين يحاولون تسييس الوضع لمكاسب معينة. "هناك من قام باستغلال جهود الشباب المتطوعين وإيهامهم بأن عمله تطوعي مثلهم رغم استفادته المتواصلة من هذه الجهود لمصالحه الشخصية".  

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".