عراقيون يتجمعون قرب مكان انفجار سيارة ملغمة في بغداد/وكالة الصحافة الفرنسية
عراقيون يتجمعون قرب مكان انفجار سيارة ملغمة في بغداد/وكالة الصحافة الفرنسية

بغداد – دعاء يوسف:

بعد ساعات من تفجيرات هزّت العاصمة العراقية بغداد ليلة الإثنين وفجر الثلاثاء، 29 و30 أيار/مايو، حدّقت سيدة مسنة متشحة بالسواد مشدوهة لسلوك سائق سيارة أجرة من نوع كيا قبل أن تقول بصوت مرتفع ”وكت أغاني هسه، بيا حال أحنه؟ حلوكنا مليانه دم”.

كان سبب صراخها هو أنها شاهدت السائق للتو يقلب موجات مذياع السيارة بحثاً عن أغنية.. رفع يده عن المذياع والتفت إليها وردّ ”يا حال؟ حجيه كل الركاب ساكتين سكتي انتِ هم. حالج من حالهم”.

كان سكّان بغداد قد ناموا وصحوا على وقع صدمة في أول أيام شهر رمضان؛ فقد أودى تفجير بسيارة مفخخة فجر الثلاثاء في منطقة الصالحية بحياة 10 مواطنين وجرح 35. فيما استهدفت سيارة ملغمة تجمعا لمواطنين منتصف ليلة الإثنين قرب مثلجات الفقمة وهو متجر شهير لبيع المثلجات وسط بغداد، مودية بحياة 16 وجرح 75.

بعد راحوا..!

حلّ صمت لفترة وجيزة. لكن ما إن بدأت سيارة الأجرة (الكيا) التوجه إلى كراج باب الشرقي من منطقة البياع غرب بغداد، حتى ردّ حميد ابراهيم، 57 عاماً، على السيدة المسنة بالقول "عوفيه حجيه شيفيد الحجي. عوفيه".

ويرد شاب من بين الركاب بشيء من اليأس وعدم بالرغبة بالنقاش، بالقول "بعد راحوا"، في إشارة إلى مقتل الضحايا وعدم جدوى الكلام.

وبعد برهة من الصمت جاء صوت حازم علي، 43 عاماً، ليسأل السائق "وين راح توصل؟"، فأجابه "لحد ميوكفونا رجال الأمن".

فبعد كل انفجار تغلق الأجهزة الأمنية العراقية بعض الطرق المؤدية إلى موقع التفجير.

ظلت أحاديث ركاب سيارات الأجرة بعد كل  تفجير إرهابي في بغداد محملة بالحزن واليأس تارة، والتهكم والشتيمة تارة أخرى. فمن لحظة ركوبهم وحتى نزولهم ولا تغادرهم عبارة ”منذ عام 2003 والتفجيرات الإرهابية على الناس الآمنة البريئة لا تتوقف”.

سيرا على الأقدام

في هذه الأثناء، لم تكف الشوارع عن الازدحام بالناس الذين كان بعضهم يقف ضجرا وغيرهم يسيرون بصمت. لكن لم تمر دقائق حتى توقفت السيارة والتفت سائقها قائلاً ”هذا حدي. بعدهم سادين شارع مثلجات الفقمة".

ترجل الركاب في محاولة لإكمال ما تبقى لهم من مسافة إلى بيوتهم أو أشغالهم سيرا على الأقدام في جو حار لا يكاد الإسمنت يتحمل حرارته.

وحدها الصدفة

"إذا لم نمت بهذا التفجير -بطبيعة الحال- دورنا سيكون في القادم. لقد اعتدنا الانتظار”، يقول مهند فالح، 31 عاماً، الذي كان يقلب هاتفه النقال تارة ويصف اللحظات الأخيرة قبل وقوع التفجير تارة أخرى؛ فقد غادر هو وأصدقاؤه مكان التفجير قبل وقوعه بوقت قليل.

ويتساءل ”لا أعلم لماذا لم نمكث طويلاً ليلة الحادث كما اتفقت مع أصدقائي لقضاء سهرات ليالي رمضان حتى وقت السحور”، ويجيب نفسه ”وحدها الصدفة التي لم تجعلنا من ضمن ضحايا التفجير”.

ويضيف ”فقط أسأل: هل حوادث تفجير الأبرياء هي من ضمن طقوس شهر رمضان في الدين الإسلامي؟".

أصبتُ بالفجيعة

وتمتاز منطقة الجادرية وشارع "الكرادة خارج"، حيث استهدفت سيارة ملغمة مثلجات الفقمة بوجود جسر الطابقين والمنطقة الخضراء وكذلك بعض المؤسسات التي فرضت اجراءات أمنية مشددة، وبطبيعتها التجارية من محلات وأسواق لتبضع المتسوقين ومطاعم وكافيتريات ومتاجر مرطبات، حتى باتت المنطقة تشكل للعوائل إلى جانب الشباب بمختلف أعمارهم متنفساً للتنزه والترفيه.

تقبّل الموت بكل صوره البشعة

الحاج حسن علوان، الذي اضطر صباحاً للخروج من منزله الذي يبعد عن مكان الحادث قليلا لزيارته، يقول ”لم أستطع البقاء أكثر من دقائق. لقد أصبتُ بالفجيعة وأنا أنظر إلى ما تركه الأطفال وأمهاتهم من أشيائهم بين أكوام الخراب”.

ويضيف ”الخلل الأمني، هذا ما سيقال مثل كل مرة. تعودنا السكوت على تبريرات الأحزاب الدينية والسياسية وتعودنا على تقبل الموت بكل صوره البشعة”.

أطفال سنة وشيعة

ويتساءل شاكر حماد، الذي رفض التحدث عن التفجير بداية ولكنه غير رأيه بعد أن نظر إلى فردة حذاء لطفل صغير كان عصف التفجير قد دفعها على بعد أمتار من المكان، ”من كان ضحية هذا التفجير والذي سبقه؟ من هو؟"، ويجيب نفسه ”طفلة شيعية وامرأة سنية، رجل شيعي وآخر سني، وشاب سني وصديقه شيعي، وهذا من مدينة الكاظمية وتلك من الأعظمية”..

ويضيف شاكر، 42 عاماً،”أطفال سنة وشيعة... هؤلاء هم من ضحايا تفجيرات تنظيم داعش الذي يصرخ بأنه يستهدف شيعة العراق فقط”.

حتى ينتهي هذا الشعب!

أما مثنى صادق، الذي لم يغادر موقع التفجير من لحظة وقوعه حتى الانتهاء من نقل ضحايا التفجير لبعض المستشفيات القريبة، يقول ”لستُ من ضمن رجال الأمن ولا الشرطة ولا حتى الصحة، لكني لم أستطع مغادرة مكان الحادث دون المساعدة”.

يشرح مثنى كيف حلّت الفوضى. فعدد الضحايا الكبير والخوف والهلع جعل من كل سيارة تقترب من المكان خطراً محدقا.

ويضيف ”كانت أعداد الضحايا كثيرة من أطفال ونساء عدا رجال الأمن الذين كانت مهمتهم إبعاد كل سيارة تحاول الوقوف أمام هذه المحلات”.

ويشير إلى أن ما حدث ويحدث من تفجيرات إرهابية هي نتيجة متوقعة لعدم تنفيذ الأحكام التي صدرت في إعدام الإرهابيين، "لا جديد. سنبقى هكذا ننقل كل يوم ما خلفته التفجيرات من ضحايا في شوارعنا حتى ينتهي هذا الشعب”.

يرحلون وهم يبكون

أما الطفل وعد كريم، 12 عاماً، الذي كان يتجول مع مجموعة من الأطفال قرب المحلات التي تعرضت للانفجار يقول إن ”الكثير من الناس قد حضروا صباح اليوم إلى هنا. كانوا يتطلعون في المكان لدقائق معدودة ثم يرحلون وهم يبكون”.

ويضيف رأيت امرأة مسنة بعد التفجير تبكي وتقول لشاب كان يقف بالقرب من مطعم (شميساني)، "مع اقتراب الانتخابات يبدأ الساسة بالعراق بقتلنا”.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659​

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".