طبق الشفوت/ من الأطباق اليمنية الشهيرة
طبق الشفوت/ من الأطباق اليمنية الشهيرة

بقلم إلسي مِلكونيان:

يمثل شهر رمضان بالنسبة لأغلب مواطني الدول العربية شهراً للتوبة والغفران، ولكنه يحمل معه أيضاً طقوساً تميز بلدانهم.

وفي ظل الأزمات التي تعصف ببعض الدول، تغيرت ظروف الصائمين؛ فأصبح لرمضان طابع مختلف عمّا هو متعارف عليه، وبخاصة في اليمن وسورية والعراق، لأنها تشهد أقسى موجات النزوح والأزمات الأمنية والمعيشية.

اليمن: استغلال الأزمات

تزيّن المائدة الرمضانية في اليمن أطباق عدة، غنية بمكوناتها وأطعمتها. ولكن في هذا البلد الفقير، الذي يعاني من إرهاب داعش وفرع القاعدة وجماعات متشددة مسلحة أخرى، إلى جانب الحرب الدائرة بين القوات الحكومية وحلفائها من جهة وجماعة "أنصار الله" الحوثية المعارضة وحلفائها من جهة أخرى، تشهد المواد الغذائية ارتفاعاً حاداً في الأسعار مما يجعل شراءها من قبل العائلات الفقيرة والنازحة، غير ممكن.

تقول فاطمة الفقيه من صنعاء وهي طالبة جامعية لموقع (إرفع صوتك) "من أشهر الأطباق اليمنية في شهر رمضان، هي الشفوت (في الصورة الرئيسية) المكون من الدجاج والزبادي، والسمبوسة والباجية وحلويات محلية مشهورة مثل الترمبة. ولكن احتكار التجار لبيع هذه السلع جعل أمر طبخ هذه الأطباق الخاصة برمضان أمراً صعباً على الفقراء".

وتغيرت عادات رمضان أيضاً بسبب الحرب، إذ كانت العائلات معتادة على التجمع في المنازل أو المطاعم ولكن تقول فاطمة أن هذا لم يعد ممكناً وذلك بسبب " الحالة الأمنية وانقطاع الاتصالات بينما يرزح الجميع تحت وزر أزمة اقتصادية حادة"، حسب فاطمة.

المطبخ السوري والهوية الوطنية

ولا يقل المطبخ السوري في غنى وتنوع أطباقه عن اليمني. وما تزال الناس، رغم الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، تطهو هذه الأطعمة ولكنها تحصل على مكوناتها بطرق مختلفة.

تقول ياسمين وهي ربة منزل سورية لموقع (إرفع صوتك) "في داخل سورية تعتمد العوائل على المساعدات من منظمات الإغاثة الإسلامية والمسيحية، لأن شراء المواد الغذائية من المتاجر أصبح صعباً بسبب تدهور الليرة السورية والغلاء الفاحش".

أما بالنسبة للاجئين والذين اضطروا لمغادرة البلاد منذ 2012 فالأمر مختلف. تقول ياسمين "في بلاد اللجوء تطهو صديقاتي الأطباق السورية برغم ظروفهن الصعبة، لأنها تمثل نوعاً من الهوية الوطنية يجب الحفاظ عليها". 

وتضيف أن من أشهر هذه الأطباق الكبة، والملوخية، والشاكرية، والكعك المعروك (الصورة أدناه).

الكعك المعروك/من الأطباق السورية الشهيرة خلال شهر رمضان

​​

العراقيون يطهون حتى في الأزمات

ومن مائدة أخرى في محافظة صلاح الدين العراقية، تقول نور وهي شابة جامعية ومتطوعة ضمن "فريق دجلة التطوعي" أن العراقيين، على اختلاف الطبقات الاجتماعية التي ينتمون إليها، يحبون طهو الطعام.

وتوضح نور لموقع (إرفع صوتك) "العائلات على اختلافها تطهو على مدار العام وحتى في رمضان. ومن أشهر الأطباق الدولمة، والبرياني وتراب الملك وهو حلوى رمضان" وتتابع "تختلف أطباق العراق بحسب المناطق، ففي الشمال وتحديدا الموصل، هم مشهورون بالكبة، وفي الوسط بالدولمة، وفي الجنوب بالسمك".

ومن تجربتها مع الفرق التطوعية لإغاثة العوائل النازحة تقول نور "العوائل التي تسكن خارج المخيمات أي في بيوت مستأجرة، ما تزال تطهو كالمعتاد في رمضان، ولكن المشكلة هي في سكان المخيمات".

في هذا الجانب اشتركت نور، مع زملائها في الفريق التطوعي، بسبع حملات ضمن محافظة صلاح الدين وخارجها. وعن أوضاع النازحين تقول نور "نحمل للنازحين الحصص الغذائية من تبرعات نجمعها، وهم فعلاً من أكثر فئات المجتمع التي لا تستطيع إقامة طقوس رمضان، أو أي مناسبة دينية أخرى". 

دولمة عراقية

​​

*جميع الصور في هذا المقال تنشر بإذن خاص

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم0012022773659

 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".