أحد أصحاب المحال في منطقة الكرادة يقف داخل محله المتضرر جراء تفجير إرهابي/وكالة الصحافة الفرنسية
أحد أصحاب المحال في منطقة الكرادة يقف داخل محله المتضرر جراء تفجير إرهابي/وكالة الصحافة الفرنسية

بقلم علي قيس:

كان محل أبو حسين الخفاجي (42 عاما) لبيع المواد الغذائية بطرازه القديم ورفوفه الخشبية المائلة بسبب ثقل المواد المعروضة عليها، مأوى للهاربين من عصف انفجار السيارة الملغمة التي استهدفت تجمعا للمواطنين عند مطعم "بسملة" في منطقة "الكرادة داخل"، في رمضان عام 2016، حيث يقع المحل في أحد الفروع الخلفية لمكان الاعتداء متوسطا البيوت السكنية.

"بعد الانفجار بدأ الناس بالركض، لا يعرف أحدهم إلى أين وجهته، لكنه يبحث عن مكان آمن"، يقول أبو حسين، مضيفا في حديث لموقع (إرفع صوتك) "المنظر كان مرعبا، ظلام دامس وأصوات صراخ ورائحة بارود وأجساد تحترق، وأفراد الأمن يطلقون رصاصهم في الجو بشكل عشوائي إضافة إلى أصوات صفارات آلياتهم، كأنه مشهد حرب".

ويتابع "معظم المحال أصبحت ملاذا للمواطنين، الذين كانوا يلهثون بعد هروبهم من موقع التفجير، وعيونهم فيها نظرة المذعور الخائف. دخلوا محالنا من أجل البحث عن مكان آمن ومن ثم إكمال طريق عودتهم إلى منازلهم".

بشاعة الموقف كما يرسمها صاحب المحل، وانقطاع التيار الكهربائي دفع به وبزملائه إلى إدخال البضائع وغلقها بعد خروج المواطنين منها، "بعضهم ركض إلى إخلاء المصابين وإنقاذ من يمكن إنقاذه".

ويواصل حديثه "لكن مع الصباح سرعان ما عاودنا تنظيف واجهات محالنا، وترتيب بضائعنا وفتح أبوابها أمام المتبضعين، الذين بدأوا يتوافدون للتسوق، متناسين ما مروا به في اللية الماضية".

العامل الاقتصادي

من جانبها، ترى أستاذة علم النفس في جامعة بغداد شيماء عبد العزيز، أن "العامل الاقتصادي قد يكون الأبرز في العودة السريعة لفتح المحال التجارية بعد كل عملية إرهابية، لكنه ليس الوحيد"، مضيفة في حديث لموقع (إرفع صوتك) بأن "الظروف الصعبة التي تمر على الإنسان بشكل مستمر تجعله أكثر صلابة وقوة، وتدفعه للتكيف معها، وهذا ما يحصل مع أصحاب تلك المحال".

وتتابع "تحدي الأزمات هذا ليس وليد الفترة الراهنة، بل هو نتاج عقود متتالية من الأزمات، حين بدأ التحدي ينتقل من جيل إلى جيل".

وأجرت عبد العزيز، دراسة على أشخاص مرت عليهم ظروف قاسية، لفقدهم أشخاصا بسبب أعمال خطف أو قتل أو كانوا ضحايا تفجيرات، وجاءت في خلاصة تلك الدراسة أن "الإنسان العراقي صاحب إرادة وتحد مع ذاته أولا، ومع الظروف الصعبة ثانيا"، تقول عبد العزيز، مضيفة "كما وجدت أن الأطفال هم أسرع من الكبار في تجاوز الأزمات والاستجابة للعلاج النفسي".

وتشدد أستاذة علم النفس على أن هذا التحدي "هو نقطة إيجابية، تشير إلى إمكانية زوال تأثيرات داعش على أبناء المناطق التي وقعت تحت سيطرته، وما شهدوه من أزمات وصعوبات".

وتلفت في نهاية حديثها إلى أن "تأثر الأشخاص بالأزمات، يختلف من حالة إلى أخرى، فقد يكون إيجابيا وهو النسبة الأعظم، وقد يكون سلبيا وهذا يحدث بشكل قليل، هذا ما أظهرته دراساتنا وأبحاثنا النفسية".

رسائل إيجابية

ولا يبتعد رأي أستاذة علم الاجتماع في جامعة بغداد، فوزية العطية، عما ذهبت إليه زميلتها عبد العزيز، حيث تؤكد أن "المواطن يجب أن لا يخضع للإقامة الجبرية"، موضحة في حديث لموقع (إرفع صوتك) "العودة السريعة لفتح المحلات له تأثيرات إيجابية ليس لأصحاب المحلات فقط، بل للمواطنين أيضا، لأنه يعني عودة الأمان ولو بشكل نسبي".

وتتابع "كما أنه يلقي بالمسؤولية على الحكومة لتقوم باتخاذ إجراءات أكثر جدية لحماية المواطن والأسواق والأماكن التي تشهد اكتظاظا بالناس".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".