جانب من الدمار الذي ألحقه تنظيم الدولة الإسلامية داعش بالفلوج/ وكالة الصحافة الفرنسية
جانب من الدمار الذي ألحقه تنظيم الدولة الإسلامية داعش بالفلوج/ وكالة الصحافة الفرنسية

بقلم إلسي مِلكونيان:

يصادف الأحد، 26 حزيران/يونيو، مرور عام على تحرير مدينة الفلوجة من تنظيم داعش والتي شهدت معارك ضارية، قتل خلالها حوالي 1800 إرهابي.

ومنذ ذلك الوقت، تشهد المدينة عودة أهاليها إلى ديارهم وكلهم أمل بمواصلة الحياة الطبيعية في المدينة. ولكن ثمة تحديات جمة تفرض نفسها على الأهالي والمسؤولين على حد سواء، وتبين أن تأهيل المدينة كان أصعب من المتوقع.

نقص المواد التموينية

"توجد مواد تموينية ولكنها ليس كل ما نتمناه"، قال محمد الجميلي وهو مهندس ومن سكان المدينة. ويشرح الجميلي لموقع (إرفع صوتك) أن المواد التموينية عادت بالتدريج لتشغل رفوف المتاجر ولكنه من غير الممكن العثور على جميع السلع المطلوبة.

ويضيف "السيطرة الأمنية الموجودة على مداخل المدينة ومخارجها تجعل دخول البضائع إلى الفلوجة أمراً صعباً"، وهذا يمثل صعوبة بالغة تواجه الأهالي بشكل يومي.

نقص الخدمات الطبية

وتضرر "مستشفى الفلوجة" بشكل كبير، فيما كان مقصداً للمرضى في المدينة إذ يجدون فيه كافة الخدمات الطبية من العمليات المعقدة إلى الخدمات البسيطة. وبعد التحرير أعيد المستشفى إلى الخدمة ولكن بشكل جزئي.

يقول عبد الستار العيساوي، مدير صحة الأنبار لموقع (إرفع صوتك) "استطعنا إعادة أغلب أقسام المستشفى للعمل، من طوارئ وعمليات الجراحة العامة. كما أعيد إلى العمل أيضاً 70 في المئة من المراكز الصحية في مدينة الفلوجة وضواحيها، وباتت تتولى رعاية الأم والطفل إلى جانب توفير الأدوية اللازمة أيضاً".

ويوضح العيساوي أن التحديات ما تزال قائمة، فلا يمكن إجراء العمليات المعقدة كجراحة القلب والقسطرة مثلاً لأن ذلك يتطلب أموالاً طائلة لإعادة تأهيلها. وتوجد مراكز صحية مدمرة بشكل كامل أو جزئي، مما يتطلب مبالغ طائلة لإعادتها إلى الخدمة.

التعليم مستمر بظروف قاهرة

ومن أكثر الأمور التي تشجع العائلات النازحة على العودة إلى المدينة هي توافر المدارس لتعليم أطفالها.

وعملت وزارة التعليم بالتعاون مع منظمة "اليونيسف" وغيرها من المنظمات الدولية على إعادة بعض المدارس إلى العمل ولكن الصعوبات والتحديات تبقى قاهرة.

يقول محمد صالح، مدير قسم تربية الفلوجة لموقع (إرفع صوتك) "مدارس المدينة والتي يفوق عددها الـ200 مدرسة جميعها متضرر من أبنية وأثاث. ولكننا أعدنا حوالي 32 مدرسة إلى العمل بجهودنا المحلية وجهود المتبرعين لمساعدة الطلاب العائدين إلى المدينة على مواصلة تعليمهم".

ويوضح صالح أن المدارس المؤهلة لم تتمكن من توفير الظروف الصحية المناسبة للطلاب، إذ أن الدوام يقسم على ثلاثة أفواج وأحياناً أربعة وهي غير قادرة على استيعاب كل عدد التلاميذ الموجودين في المدينة. وأكثر من ذلك، أن بعضها اتخذ شكل "الكرفانات" والتي أنشئت بمساعدة منظمة "اليونيسف".

بانتظار إعادة الإعمار

وتخضع جميع المناطق المحررة في العراق إلى خطة إعادة الأعمار والتي تقسم إلى قسمين بحسب توضيح عبد الزهرة الهنداوي، المتحدث باسم وزارة التخطيط العراقية وهي:

- خطة سريعة: وهي خطة إعادة الاستقرار وتتناول الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء ومواد البطاقة التموينية الغذائية.

- خطة طويلة الأجل: تنفذ بين أعوام 2018-2027 وتشمل كافة المناطق التي تحررت من داعش وتشمل التنمية بشرية والتنمية اقتصادية.

ولكن التمويل هو التحدي الأكبر. يقول الهنداوي "تقدر كلفة عملية إعادة الإعمار بـ 100 مليار دولار". ويوضح المسؤول العراقي أن السلطات تعمل على توفير المبلغ عبر مانحين دوليين، حيث يجري التحضير لمؤتمر المانحين في شهر تموز/يوليو في العاصمة واشنطن، وآخر في نهاية العام في دولة الكويت.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.
فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.

يبدو تنظيم داعش، عندما يتعلق الأمر بالتمويل والبحث عن مصادر دخل تنعش موارده المتدهورة، أشبه بكيان متمرس في عالم المافيا والجريمة المنظمة. الكثيرون، بمن فيهم أمراء كبار، انشقوا عنه حينما صدمتهم هذه الحقيقة. 

قيادة التنظيم نفسها تدرك جيدا أن تسليط الضوء على هذا الجانب من نشاطات التنظيم يقوض الصورة التي رسمها لنفسه أمام أتباعه وأنصاره. لذلك لم يتبنَّ يوما أي عملية قتل أو تخريب قام بها باسم جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية" رغم أن جزءا من جهوده، لا سيما في شرق سوريا، مكرس لهذا النشاط الشنيع.

 

الكلفة السلطانية

 

منذ خسارة التنظيم للمساحات الشاسعة التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، وما نجم عن ذلك من فقدانه لما تدره عليه المعابر وحقول النفط من موارد مالية كبيرة، فَعّل التنظيم عددا من "الخطط الاقتصادية" البديلة كان من بينها جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية".

تعد " الكلفة السلطانية" نشاطا مدرا للدخل إلى جانب نشاطات أخرى ضمن "اقتصاد الحرب" تضخ في خزينة التنظيم أموالا طائلة، مثل التهريب، والاختطاف، وتجارة الآثار، والسطو على البنوك ومحلات الصرافة، واستحواذه على احتياطات العملة الصعبة والذهب في المدن التي اجتاحها، ونهب ممتلكات الطوائف الأخرى وغيرها.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.

لعدة سنوات ظل التنظيم يجمع " الكلفة السلطانية" لاسيما في مناطق الشرق السوري، حيث تنتشر حقول النفط، والمساحات الزراعية، وممرات التهريب، والمتاجر ومحلات الصرافة. لكنه لم يكن يتحدث عن ذلك لا في إعلامه الرسمي ولا الرديف، بل وتحاشى الاشارة إليها حتى في مراسلاته الداخلية، لأنه يدرك أن جدلا محموما سينتج عن ذلك، وسيحتاج إلى فتاوى دينية وجهود دعائية كبيرة لإقناع أتباعه بـ"وجاهة" أفعاله، وقد خرج أعضاء سابقون في التنظيم ونشروا على قنواتهم الرقمية "أن إرغام المسلمين غصبا وبحد السيف على إعطاء جزء من حلالِهم لثلة من المفسدين في الأرض هو عمل عدواني لا يقوم به إلا أهل البغي وقطاع الطرق".

 

ضريبة على رعايا الخليفة!

 

ينبغي التفريق هنا بين ما ينهبه التنظيم ممن يعتبرهم "كفارا ومرتدين" والذي يسميه ب"الفيء" و"الغنيمة" وبين ما يجبيه باسم "الكلفة السلطانية". فالكلفة السلطانية هي ضريبة يؤديها "المسلمون ورعايا الخليفة" بالقوة والإكراه، أي أن المستهدفين بها هم في عرف التنظيم من المسلمين الذين "لا تحل أموالهم ودماؤهم" ولا تدخل "الكلفة السلطانية" أيضا ضمن الزكاة الواجبة التي تتم جبايتها قسرا من المسلمين من طرف أمنيي التنظيم.

وبعد انكشاف أمر عمليات السطو والنهب هذه لم يجد التنظيم بدا من الحديث عنها في مراسلاته الداخلية، وانتداب أحد شرعييه لصياغة فتوى لتسويغها من الناحية الدينية.

صاغ أبو المعتصم القرشي، وهو أحد كوادر "المكتب الشرعي" لـ"ولاية الشام" فتوى مطولة في 12 صفحة، وحشد فيها مجموعة من النصوص الدينية والقواعد الأصولية التي اعتبرها "أدلة شرعية" على جواز نهب أموال المسلمين بالقوة والإكراه!.

عَرّف القرشي الكلفة السلطانية بأنها " الأموال التي يطلبها الإمام من الناس لأجل مصلحة شرعية". ولعجزه عن إيجاد نصوص قطعية من الكتاب والسنة لتبرير هذه "البدعة الداعشية"، فقد لجأ إلى القواعد الأصولية من قبيل" يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" و" درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، و" تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما"، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

يعني هذا ببساطة أن مصلحة استمرار عمليات التنظيم والحفاظ على قوته ومقدراته مقدمة على مصالح الناس الأخرى، وأن تواصل عمليات التنظيم باعتبارها "جهادا مقدسا"  إذا لم يتم إلا بالسطو على أموال الناس فيجب السطو عليها.

أكد القرشي في نص فتواه جواز استخدام العنف والقوة لجباية الأموال، قائلا: "لا شك أن المال عصب الجهاد، والإعداد لا يكون إلا به، فتحصيله وتوفيره واجب على الإمام ولو بالقوة والإكراه"، ومن امتنع عن أداء "الكلف السلطانية جاز للإمام أو من ينوب عنه أن يعزره بشكل يكون رادعا له ولغيره حتى يؤدي ما عليه من الحقوق المالية في هذا الشأن".

أما الفئات الاجتماعية المستهدفة بهذه الضريبة، فقد قدم أبو المعتصم سردا طويلا بأصحاب المهن والمحلات التجارية والأطباء والصرافين والفلاحين والمدارس والكليات وتجار الدجاج والبيض وتجار المواشي والمستشفيات. ولم يترك أي نشاط مدر للدخل إلا وأشار إليه ضمن الذين فرض عليهم دفع "الكلف السلطانية"، ولم يستثن سوى أصحاب البسْطات على الأرصفة.

أخطر ما في الفتوى هو أن الممتنع عن أداء ما يطلبه التنظيم من أموال سيكون مصيره القتل والحكم عليه بالردة، و" طريقة استخدام القوة تتفاوت حسب المعاندة والممانعة بين التهديد، والإتلاف لبعض المال، أو التعزير، أو التغريم المالي وحتى الجسدي، ثم القتل إذا استعان الممتنع بشوكة الكفار والمرتدين على المجاهدين فعندها يُطبق عليه حكم الردة" حسب تعبير أبي المعتصم القرشي.

 

معاناة الناس في شرق سوريا

 

في شرق سوريا، يتم استخلاص هذه الضريبة بعد توجيه رسائل تهديد بأرقام دولية عبر تطبيق واتساب إلى المعنيين، وتخييرهم بين دفع "السلطانية" أو مواجهة خلايا الاغتيال، بعد تخريب ممتلكاتهم وتقويض مشاريعهم التجارية والاستثمارية.

وحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد ارتفعت هذا العام نسبة تلك الضرائب إلى حد كبير جداً مقارنة بالسنوات الفائتة، حتى بلغت نحو 616 ألف دولار من تجار النفط والمستثمرين.

وحصل المرصد على إفادة من أحد العاملين في شركة مستثمرة في قطاع النفط في المنطقة الشرقية (دير الزور) تقول بأن الشركة رفضت دفع كامل المبلغ المطلوب منها تحت مسمى "الكلفة السلطانية"، والتي قدرها التنظيم بنصف مليون دولار أميركي، ودفعت بدلها 300 ألف دولار، لكن التنظيم هدد سائقي صهاريج المحروقات التي تعمل لصالح الشركة بالاستهداف إذا لم يتم دفع المبلغ كاملا في غضون أسابيع، ولم يعد لدى الشركة خيار آخر سوى تدبير ما تبقى من المبلغ.

مستثمر آخر في قطاع النفط توصل برسالة عبر تطبيق الواتساب من رقم دولي مفادها بأن عليه دفع "الكلفة السلطانية" البالغ قدرها 75 ألف دولار، وعدم إخبار أي جهة تابعة لقسد أو التحالف الدولي بذلك ووجهت له تهديدات في حال التبليغ أو عدم دفع المبلغ خلال أسبوع، وأن خلايا التنظيم ستقوم بزرع عبوة في سيارته أو حرق بئر النفط الذي يعود له.

ولفت المرصد إلى أن خلايا داعش في بادية ريف دير الزور الشرقي تفرض ضرائب تتراوح بين 1000 و3500 دولار، في مناطق ذيبان وحوايج ذيبان وجديد بكارة، على المستثمرين الذين يعملون على توريد المحروقات إلى "سادكوبى" التابعة للإدارة الذاتية في دير الزور.

يعمد التنظيم أيضا إلى حرق المحاصيل الزراعية التي تعود للفلاحين الذين رفضوا الرضوخ لابتزازه ودفع الأموال التي يطلبها منهم، ورمي القنابل اليدوية على منازل الأثرياء، وعيادات الأطباء، وقد هرب عدد من الأطباء من المنطقة الشرقية بعدما أثقل التنظيم كاهلهم بالضرائب و"المكوس"، ولا سيما وقد وضعهم في رأس قائمة أهدافه لأنهم -حسب اعتقاده- يجنون الأموال أكثر من غيرهم.