المدينة القديمة في الموصل/وكالة الصحافة الفرنسية
المدينة القديمة في الموصل/وكالة الصحافة الفرنسية

متابعة إلسي مِلكونيان:

عن صحيفة الـ"واشنطن بوست" بتصرف.

عانى المجتمع العراقي بمختلف أطيافه من فظائع تنظيم داعش، وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية. ولكن الملايين من أبناء الطائفة السنية، قد يكونون من أكثر الفئات تضرراً.

هذا فحوى تقرير أخير أصدرته صحيفة "الواشنطن بوست" الأميركية، يرصد المعاناة التي أصابت السنة العراقيين، وهم أبناء الطائفة التي يدّعي داعش الدفاع عنها. فقد كان غالبية السكان في المناطق التي سيطر عليها داعش من السنة. ولكن فيما بعد تهدمت بيوتهم، وهجّر كثير منهم (يقدر أن عددهم 4.2 مليون نازح ولاجىء).

والمشكلة هنا تكمن في أن يصبح السنة فئة مكروهة أو مغضوب عليها من قبل الفئات الأخرى لأنهم اعتبروا "مساندين لداعش"، مما ينذر ببداية حقبة جديدة من التهميش والتطرف مرة أخرى في العراق. 

تحديات المصالحة الوطنية

"لا يجب أن نركز فقط على استعادة الأراضي، بل على طريقة إدارتها" قال روبرت فورد السفير الأميركي السابق للولايات المتحدة في سورية، موضحا إن "لم يحصل حكام الأراضي المحررة الجدد على دعم الأهالي، سيكونون معرضين لخطر عودة داعش لتجنيد الناس".

يقول فورد هذا في إشارة إلى الفراغ الأمني في المناطق السنية بعد داعش. وما حدث هو أن غالبية الذين واجهوا داعش هناك كانوا من الأكراد أو الشيعة. وقام هؤلاء بملأ الفراغ الأمني بعد تحرير بعض القرى، كما حصل في ربيعة، غرب مدينة الموصل وعلى الحدود مع سورية، وهي منطقة سنية.

فقد وقعت هذه المدينة بيد داعش في آب/أغسطس في 2014 ولكنها تحررت على يد قوات البشمركة الكردية الذين أصبحوا حكام المدينة الجدد بمساعدة عشيرة الشمّر، وهي أكبر عشيرة في المنطقة.

ولكن السكان باتوا يخضعون الآن لقواعد البشمركة، والذين قيدوا تنقلهم بما يسمى "تصريح السفر" والذي يمنحه الحكام الأكراد للأهالي في حال الموافقة. وهذا يناقض وضع المدينة في مرحلة قبل داعش، حيث كان الأهالي سابقاً، وفي ظل الحكومة الاتحادية، يسافرون إلى الحدود السورية لأغراض التجارة بكل حرية.

والأسوأ من ذلك هو أن وجود البشمركة في المدينة قد حرم العديد من أهالي المدينة من العودة إليها، لأن بيوتهم دمرت بالكامل وتحولت إلى نقاط تفتيش للقوات الكردية التي تعتقد بمعرفتها بالإرهابيين والمتعاطفين مع داعش من بين أبناء المنطقة، ويجب إبعادهم عنها.

تكريت: قد تكون مثالاً ناجحاً

وعلى عكس ما حصل في ربيعة، قد تكون تكريت مثالاً ناجحاً للتعايش بين السنة والشيعة. فقد عاد معظم سكان المدينة (وهم من السنة) بعد 18 شهراً من دحر داعش. وفي تكريت، مسقط رأس الرئيس السابق صدام حسين، ساهم الشيعة بشكل كبير في معركة تحرير المدينة، حتى زُينت مداخل المدينة بصور قادة شيعة مثل هادي العامري.

ويفسر عمر الشنداخ، رئيس بلدية تكريت هذا الأمر قائلاً "هذه طريقة لنشكر فيها من دافع عن المدينة" ويضيف "قتل وجرح منهم (أي الشيعة) الكثير لأجلنا".

بالمقابل، تشير ليزا غراندي، منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في العراق إلى تحدٍ أخر، بقولها "قد تمثل عودة 90 في المئة من النازحين أمراً إيجابياً" وتضيف "ولكن هذا لا يعني أننا حصلنا على مجتمع متعافِ".

ويعاني العراق من مشاكل اقتصادية جسيمة. فقد تزامن ظهور داعش مع انخفاض في أسعار النفط وهو مصدر الاقتصاد العراقي الأساسي،  مما أثقل كاهل السلطات الحكومية، وحدّ من قدرتها على إعمار المناطق المحررة، بسب تعرضها لضغوط إضافية. حيث أصبحت مكافحة الإرهاب أولوية لدى السلطات العراقية وهذا يتطلب ميزانية ضخمة. إلى جانب ذلك، فقد غالبية الأهالي ممتلكاتهم وأموالهم وسط بطالة وتدهور الخدمات الصحية وغيرها.

ولكن تبقى فسحة الأمل في الوعي الذي ارتفع لدى الناس. وفي هذا الشأن يقول أحمد كريم، رئيس المجلس المحلي في تكريت إن السنة الآن يدركون أن المجاميع الإرهابية لن تحل مشاكلهم. بالمقابل يدرك الشيعة أيضاً أنه عليهم إيجاد صيغة مصالحة مع السنة لمنع العوامل التي أدت إلى ظهور داعش من العودة إلى العراق.

ويبقى السؤال في أذهان العراقيين هو كيفية إدارة شؤون بلدهم في الفترة القادمة وسط التحديات الأمنية والاقتصادية، وضرورة فصل الدين عن الدولة. وحسب تقدير كريم، "قد يتطلب ذلك 10 سنوات".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Erbil
من زيارة الرئيس الإيراني لكردستان العراق- رويترز

استخدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال زيارته الحالية إلى العراق اللهجة الكردية ليقول إن بين طهران وكردستان "علاقات جيدة"، في مؤشر واضح على تحسّن روابط بلاده مع الإقليم العراقي الذي يتمتع بحكم ذاتي واستهدفته ضربات إيرانية مرّات عدّة في السنوات الأخيرة.

فكيف تمكّن الإيرانيون وأكراد العراق من تسوية خلافاتهم؟

 

تقارب حقيقي؟

شهدت العلاقات بين جمهورية إيران الإسلامية وإقليم كردستان العراق، وهو تقليدياً حليف لواشنطن والأوروبيين في الشرق الأوسط، تحسناً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة.

وكثرت الزيارات التي أجراها مسؤولون من الجانبين والتصريحات الإيجابية.

وحضر كلّ من رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني وابن عمّه رئيس الوزراء مسرور بارزاني جنازة الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي الذي قضى مع مسؤولين بينهم وزير خارجيته حسين أمير عبداللهيان في تحطّم طائرتهم في 19 مايو الماضي.

كذلك زار القائم بأعمال الخارجية الإيرانية علي باقري أربيل عاصمة الإقليم في يونيو الفائت.

ولدى خروجه الأربعاء من القصر الرئاسي في بغداد حيث اجتمع بنظيره العراقي عبد اللطيف رشيد، قال بزشكيان بالكردية لقناة "رووداو" المحلية الكردية "لدينا علاقات جيدة مع كردستان وسنعمل على تحسينها أكثر".

وزار نيجيرفان طهران ثلاث مرات في غضون أربعة أشهر، والتقى بارزاني المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي.

يقول مدير "المركز الفرنسي لأبحاث العراق" عادل بكوان لوكالة فرانس برس: "أصبحنا حالياً في مرحلة التطبيع" في العلاقات.

ويعود ذلك بالنفع على أربيل من ناحية "حماية أمنها واستقرارها ونموها الاقتصادي، ما يجعل تطبيع العلاقات مع جمهورية إيران الإسلامية ضروريا للغاية"، بحسب بكوان.

 

لماذا قصفت طهران إقليم كردستان؟

في السنوات الأخيرة، تعثّرت العلاقات بين أربيل وطهران بسبب الخلاف حول مجموعات مسلحة من المعارضة الكردية الإيرانية تتمركز في كردستان العراق منذ ثمانينيات القرن المنصرم بعد اندلاع حرب استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران.

على جانبي الحدود، كان الأكراد العراقيون والإيرانيون يتكلّمون اللهجة نفسها ويتشاركون روابط عائلية.

واستمرت المجموعات الإيرانية المعارضة وغالبيتها يسارية الميول وتندّد بالتمييز الذي يعاني منه الأكراد في إيران، في جذب الفارّين من القمع السياسي في الجمهورية الإسلامية. من هذه المجموعات حزب "كومله" الكردي والحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني اللذان تعتبرهما طهران منظمتين "إرهابيتين".

وكان لهذه المجموعات مقاتلون مسلحون، إلا أنهم كانوا ينفون تنفيذ أي عمليات ضد إيران عبر الحدود.

واتّهمت طهران هذه المجموعات بتهريب أسلحة بالتسلّل إلى أراضيها انطلاقاً من العراق وبتأجيج التظاهرات التي هزت إيران في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني في 16 سبتمبر 2022 بعدما أوقفتها شرطة الأخلاق لعدم امتثالها لقواعد اللباس الصارمة في الجمهورية الإسلامية.

في نهاية عام 2023، وبعد ضربات عدّة نفذتها إيران في العراق، تعهدت السلطات العراقية بنزع سلاح هذه الفصائل وإخلاء قواعدها ونقلها إلى معسكرات.

وقال مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي للتلفزيون الإيراني الرسمي، الثلاثاء الماضي، إن الحكومة العراقية أغلقت 77 من قواعد هذه المجموعات قرب الحدود مع إيران ونقلت المجموعات إلى ست معسكرات في أربيل والسليمانية.

وأكّد أن استعدادات تجري لمغادرتها العراق إلى بلد ثالث.

 

ما التحديات التي لا تزال قائمة؟

في ظلّ اضطرابات جيوسياسية في الشرق الأوسط، استهدفت طهران كردستان مرّات أخرى، متهمة الإقليم بإيواء مواقع للاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (موساد).

في يناير 2024 ووسط توترات إقليمية على خلفية الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية، شنّت القوات الإيرانية هجوما على مواقع في إقليم كردستان العراق، مشيرة إلى أنّها استهدفت "مقرا لجهاز الموساد". 

من جانبها، نفت الحكومة المركزية في بغداد وحكومة كردستان أن يكون "الموساد" متواجدا في الإقليم.

ويمكن كذلك قراءة التقارب الذي بدأته أربيل مع طهران في ضوء "الانسحاب" الأميركي المحتمل من العراق، بحسب عادل بكوان.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن في العراق.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وقال وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي في مقابلة تلفزيونية، الأحد الماضي، إن العاصمتين توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين".

وأوضح أن التفاهم يتضمّن مرحلة أولى تمتدّ من سبتمبر الجاري حتى سبتمبر 2025 وتشمل "بغداد والقواعد العسكرية للمستشارين"، يليها انسحاب "في المرحلة الثانية من سبتمبر 2025 حتى سبتمبر 2026 من كردستان العراق".

ولم تعد أربيل في السنوات الأخيرة في موقع قوة أمام الحكومة المركزية في بغداد التي تربطها بها علاقات متوترة.

يقول بكوان "كلما انسحبت الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بالتالي من العراق بالتالي من كردستان العراق، أصبحت أربيل أضعف في مواجهة بغداد (...) المدعومة بقوة من جمهورية إيران الإسلامية" المعادية لواشنطن.