الدكتور أحمد كريمة/تنشر بإذن خاص لإرفع صوتك
أحمد كريمة العالم الأزهري وأستاذ الشريعة والفقه المقارن بجامعة الأزهر/تنشر بإذن خاص لإرفع صوتك

حاوره الجندي داع الإنصاف:

يحاور موقع (إرفع صوتك) العالم الأزهري وأستاذ الشريعة والفقه المقارن بجامعة الأزهر أحمد كريمة حول المبررات التي تتخذها التنظيمات المتطرفة ذريعة لاستهداف المدنيين، وكيف يمكن الرد عليها. 

أولا كيف تنظر كرجل دين إلى فكرة استهداف التنظيمات المتطرفة للمدنيين؟

الإرهاب جريمة منكرة حرمها الله في الشرائع السماوية كلها. يأباها العقل السليم ويرفضها المنطق القويم. وللأسف، عمليات الإرهاب قديمة قدم البشرية لكن في الآونة الأخيرة تزايدت وتصاعدت بطبيعة الحال. وهناك بواعث، لا يمكن إغفالها، تدفع المغرر بهم أو الأجناد أو أشياخهم أو منظريهم أو مرجعياتهم...

 ما هي هذه البواعث من خلال متابعتك للجماعات المتطرفة وفتاواها وبياناتها؟

تدور هذه البواعث حول ثلاثة أمور. أولا: السعي لإقامة ما يسمونه في نظرهم خلافة للمسلمين. الأمر الثاني هو أنهم يسعون إلى إقامة دولة دينية. والأمر الثالث إنفاذ ما عطل من أحكم الشريعة الإسلامية. وهذه القضية الأخيرة -وهي الحكم بما أنزل الله أو بغير ما أنزل- هي بيت القصيد. فبواسطتها، يتم تجنيد المغرر بهم وبالتالي الحكم على الحاكم وعلى مؤسساته وعلى الدولة وعلى المجتمع بالكفر. وهذا المنهج موجود في الفكر السلفي على وجه الخصوص ومن رحم السلفية تخرج كل فصائل الإرهاب.

برأيك دكتور أحمد كريمة كيف تكون المعالجة المثلى للأفكار المتشددة؟ وهل هناك تقصير من المؤسسة الدينية في التعامل مع مثل هذه الأفكار؟

يجب أن تكون هناك معالجة ومداواة إن كنا جادين بحق. ومن المفترض أيضا أن يكون هناك نقض ونقد للشبهات. فلا يوجد في العالم الإسلامي سواء في الماضي التراثي أو في الحاضر من يجحد بأي أمر ثبت يقينا أو قطعيا في القرآن الكريم والسنة النبوية، ولكن يوجد تقصير. وما خلا عصر ولا مكان ولا زمان من التقصير الذي لا يوجب قطعا الخروج على المجتمع أو على الحاكم. والأهم أنه لا يوجب أبدا إراقة الدماء ولا إتلاف الأموال ولا انتهاك الأعراض لأن إقامة المجتمع المسلم إنما تكون بالحكمة والموعظة الحسنة. ومن هنا أرى أنه يجب الحوار والمناظرة مع هؤلاء على أرض الواقع لأنهم للأسف مغرر بهم بتأويلات مغلوطة واستدلالات فاسدة.

هذه التنظيمات تبرر قتل المدنيين وتستند في ذلك على بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. ما أمثلة ذلك؟ وكيف تبرر التنظيمات المتطرفة أفعالها بالاستناد على الشريعة؟

منظرو وشيوخ  فصائل وجماعات الإرهاب يعمدون إلى الخلط، فقد خلطوا بين الجهاد المشروع بالذود عن الأرض والعرض والمال وأخذوا آيات الجهاد المشروع وجعلوها تبريرات للخروج على الحاكم. يستندون مثلا إلى قوله تعالى "وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ. وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (الآية 72 من سورة الأنفال). هنا يقول الدواعش إن الخليفة وأعوانه إذا طلبوا النصر فيجب على المسلمين المساعدة. وهذا خلط في الأوراق، لأن الآية لا تنصب على المسلمين وإنما تنصب على قتال مشروع ضد قوة محتلة كما كان في الماضي. يستدلون كذلك خطأ بآيات من سورة المائدة "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" (الآية 44) و "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" (الآية 47). وطبعا الآيات لا تقصد تكفير المجتمع المسلم ولكنها تكفيرات عند علماء التفسير وشراح الأحاديث وعلماء العقيدة. فهناك استدلالات فاسدة، وهناك اجتزاء للسياق وهناك أيضا آيات منسوخة لها ظروفها الاستثنائية للأحوال الطارئة أو حالات اعتداءات كانت في أزمنة ماضية ضد الإسلام أو المسلمين. لكنهم للأسف أنزلوها عمدا على الأوضاع الحالية.

ما رد الإسلام على هذه التبريرات بخصوص قتل المدنيين؟

لدينا آيات في سورة البقرة. قال الله عز وجل "وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ. وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ. وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ. وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ.فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ . وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ". ولدينا حديث النبي (ص) والذي رواه الشيخان البخاري ومسلم أنه قال "من حمل علينا السلاح فليس منا". فينبغي النظر إلى هؤلاء نظرة الخوارج. فسيدنا علي رضي الله عنه لما خرج عليه الخوارج أرسل إليهم سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وناظر الخوارج وعمل مراجعات مع حوالي 4000 منهم. ولكننا الآن ننظر إليهم نظرة استعلاء غير علمية وهذا خطأ، فهؤلاء يدمرون البنية التحتية للوطن ويريقون دماء المدنيين الأبرياء ويضعفون الاقتصاد. ويجب التعامل معهم باعتبارهم ميكروبا لا بد أن يعالج، أما نظرة الاستعلاء أو التهوين فخاطئة ولا تفيد.

طيب. وهذا القتل الذي يمارسون، ألا يدفع إلى القول إنه يوجد في الدين ما يبرر القتل؟

بالطبع لا، لأن النفس البشرية معصومة بلسان الشرع. هذه قضية محسومة في الإسلام. قال عليه الصلاة والسلام "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" و"كل المسلم على المسلم حرام". وبالتالي ليس في الدين ما يبرر القتل أيا كان. ولكن أقولها بكل بصراحة صوتنا صوت الموضوعية والواقعية لا يصل إلى هؤلاء المغرر بهم.  فهم فريسة للذين حرفوا صحيح الإسلام وحرفوا النصوص الشرعية. وهنا أقول للجميع الدين الإسلامي ليس بمتهم فيدافع عنه والدين الإسلامي ليس بمدان فيعتذر عنه. ويجب التعريف بصحيح الإسلام ودعوته للسلام العالمي ولحسن معاملة أهل الكتاب، ولحفظ الدماء وصيانة الأعراض وحماية الأموال. هناك 133 آية في القرآن الكريم تدعو إلى السلم والسلام، بينما توجد 6 آيات فقط تدعو إلى القتال الدفاعي لأن القتال أو الجهاد المشروع في الإسلام ليس هجوميا، وليس للتوسع أو الاستعباد أو لاحتلال أراضي الغير بل هو عمل دفاعي.

تفتي هذه الجماعات بأنه لا توجد مشكلة في  قتل المدنيين أثناء استهداف من يسمونهم " الطواغيت ". فهل يجوز استهداف وقتل المدنيين في حالة القتال في الإسلام؟

بالطبع لا .. فالأشياخ والقواد والمرجعيات لهذه الفصائل الإرهابية لا حظ لهم من الدراسات الشرعية ولا الفقهية. ففي كتب الفقه في باب الجهاد أو السير كان أهل العلم، استنادا إلى أحاديث النبي محمد (ص) عن قتل الراهب والراهبة وعن قتل رجال الدين، يوردون عبارات "وينهى عن قتل المدنيين" وهم في الفقه التراثي الفلاحون. وليس بالمعنى الدارج اليوم. قتلهم ممنوع كما يمنع قتل النساء والأطفال .

يقولون إن من قُتل من المدنيين سيُبعثون على نياتهم وما ماتوا عليه. وبالتالي لن يحاسبهم الله على قتل هذه الأنفس. بما ترد على ذلك؟

ربنا رد عليهم "أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا" (الآية 32 من سورة المائدة). والرسول (ص) توعد من يقتل عامدا متعمدا بأن جزاءه كما في القرآن والسنة أنه في النار خالد مخلد. قال (ص) أول ما يحاسب عليه العباد يوم القيامة من حقوق العباد الدماء. أما قولهم إنهم يبعثون على ما كانوا عليه فأقول بل يبعث المتطرفون والإرهابيون على نواياهم واستحلال الدماء. وأنا أقول نص فقهاء الشريعة الإسلامية على أن من استحل المحرم ومن استحل الدماء فقد ارتد وخرج عن شريعة الإسلام، ولو كان ينطق بالشهادتين. ويقوي ذلك الحديث النبوي من حمل علينا السلاح فليس منا.                          

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

    

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.