الدكتور أحمد كريمة/تنشر بإذن خاص لإرفع صوتك
أحمد كريمة العالم الأزهري وأستاذ الشريعة والفقه المقارن بجامعة الأزهر/تنشر بإذن خاص لإرفع صوتك

حاوره الجندي داع الإنصاف:

يحاور موقع (إرفع صوتك) العالم الأزهري وأستاذ الشريعة والفقه المقارن بجامعة الأزهر أحمد كريمة حول المبررات التي تتخذها التنظيمات المتطرفة ذريعة لاستهداف المدنيين، وكيف يمكن الرد عليها. 

أولا كيف تنظر كرجل دين إلى فكرة استهداف التنظيمات المتطرفة للمدنيين؟

الإرهاب جريمة منكرة حرمها الله في الشرائع السماوية كلها. يأباها العقل السليم ويرفضها المنطق القويم. وللأسف، عمليات الإرهاب قديمة قدم البشرية لكن في الآونة الأخيرة تزايدت وتصاعدت بطبيعة الحال. وهناك بواعث، لا يمكن إغفالها، تدفع المغرر بهم أو الأجناد أو أشياخهم أو منظريهم أو مرجعياتهم...

 ما هي هذه البواعث من خلال متابعتك للجماعات المتطرفة وفتاواها وبياناتها؟

تدور هذه البواعث حول ثلاثة أمور. أولا: السعي لإقامة ما يسمونه في نظرهم خلافة للمسلمين. الأمر الثاني هو أنهم يسعون إلى إقامة دولة دينية. والأمر الثالث إنفاذ ما عطل من أحكم الشريعة الإسلامية. وهذه القضية الأخيرة -وهي الحكم بما أنزل الله أو بغير ما أنزل- هي بيت القصيد. فبواسطتها، يتم تجنيد المغرر بهم وبالتالي الحكم على الحاكم وعلى مؤسساته وعلى الدولة وعلى المجتمع بالكفر. وهذا المنهج موجود في الفكر السلفي على وجه الخصوص ومن رحم السلفية تخرج كل فصائل الإرهاب.

برأيك دكتور أحمد كريمة كيف تكون المعالجة المثلى للأفكار المتشددة؟ وهل هناك تقصير من المؤسسة الدينية في التعامل مع مثل هذه الأفكار؟

يجب أن تكون هناك معالجة ومداواة إن كنا جادين بحق. ومن المفترض أيضا أن يكون هناك نقض ونقد للشبهات. فلا يوجد في العالم الإسلامي سواء في الماضي التراثي أو في الحاضر من يجحد بأي أمر ثبت يقينا أو قطعيا في القرآن الكريم والسنة النبوية، ولكن يوجد تقصير. وما خلا عصر ولا مكان ولا زمان من التقصير الذي لا يوجب قطعا الخروج على المجتمع أو على الحاكم. والأهم أنه لا يوجب أبدا إراقة الدماء ولا إتلاف الأموال ولا انتهاك الأعراض لأن إقامة المجتمع المسلم إنما تكون بالحكمة والموعظة الحسنة. ومن هنا أرى أنه يجب الحوار والمناظرة مع هؤلاء على أرض الواقع لأنهم للأسف مغرر بهم بتأويلات مغلوطة واستدلالات فاسدة.

هذه التنظيمات تبرر قتل المدنيين وتستند في ذلك على بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. ما أمثلة ذلك؟ وكيف تبرر التنظيمات المتطرفة أفعالها بالاستناد على الشريعة؟

منظرو وشيوخ  فصائل وجماعات الإرهاب يعمدون إلى الخلط، فقد خلطوا بين الجهاد المشروع بالذود عن الأرض والعرض والمال وأخذوا آيات الجهاد المشروع وجعلوها تبريرات للخروج على الحاكم. يستندون مثلا إلى قوله تعالى "وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ. وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (الآية 72 من سورة الأنفال). هنا يقول الدواعش إن الخليفة وأعوانه إذا طلبوا النصر فيجب على المسلمين المساعدة. وهذا خلط في الأوراق، لأن الآية لا تنصب على المسلمين وإنما تنصب على قتال مشروع ضد قوة محتلة كما كان في الماضي. يستدلون كذلك خطأ بآيات من سورة المائدة "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" (الآية 44) و "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" (الآية 47). وطبعا الآيات لا تقصد تكفير المجتمع المسلم ولكنها تكفيرات عند علماء التفسير وشراح الأحاديث وعلماء العقيدة. فهناك استدلالات فاسدة، وهناك اجتزاء للسياق وهناك أيضا آيات منسوخة لها ظروفها الاستثنائية للأحوال الطارئة أو حالات اعتداءات كانت في أزمنة ماضية ضد الإسلام أو المسلمين. لكنهم للأسف أنزلوها عمدا على الأوضاع الحالية.

ما رد الإسلام على هذه التبريرات بخصوص قتل المدنيين؟

لدينا آيات في سورة البقرة. قال الله عز وجل "وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ. وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ. وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ. وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ.فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ . وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ". ولدينا حديث النبي (ص) والذي رواه الشيخان البخاري ومسلم أنه قال "من حمل علينا السلاح فليس منا". فينبغي النظر إلى هؤلاء نظرة الخوارج. فسيدنا علي رضي الله عنه لما خرج عليه الخوارج أرسل إليهم سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وناظر الخوارج وعمل مراجعات مع حوالي 4000 منهم. ولكننا الآن ننظر إليهم نظرة استعلاء غير علمية وهذا خطأ، فهؤلاء يدمرون البنية التحتية للوطن ويريقون دماء المدنيين الأبرياء ويضعفون الاقتصاد. ويجب التعامل معهم باعتبارهم ميكروبا لا بد أن يعالج، أما نظرة الاستعلاء أو التهوين فخاطئة ولا تفيد.

طيب. وهذا القتل الذي يمارسون، ألا يدفع إلى القول إنه يوجد في الدين ما يبرر القتل؟

بالطبع لا، لأن النفس البشرية معصومة بلسان الشرع. هذه قضية محسومة في الإسلام. قال عليه الصلاة والسلام "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" و"كل المسلم على المسلم حرام". وبالتالي ليس في الدين ما يبرر القتل أيا كان. ولكن أقولها بكل بصراحة صوتنا صوت الموضوعية والواقعية لا يصل إلى هؤلاء المغرر بهم.  فهم فريسة للذين حرفوا صحيح الإسلام وحرفوا النصوص الشرعية. وهنا أقول للجميع الدين الإسلامي ليس بمتهم فيدافع عنه والدين الإسلامي ليس بمدان فيعتذر عنه. ويجب التعريف بصحيح الإسلام ودعوته للسلام العالمي ولحسن معاملة أهل الكتاب، ولحفظ الدماء وصيانة الأعراض وحماية الأموال. هناك 133 آية في القرآن الكريم تدعو إلى السلم والسلام، بينما توجد 6 آيات فقط تدعو إلى القتال الدفاعي لأن القتال أو الجهاد المشروع في الإسلام ليس هجوميا، وليس للتوسع أو الاستعباد أو لاحتلال أراضي الغير بل هو عمل دفاعي.

تفتي هذه الجماعات بأنه لا توجد مشكلة في  قتل المدنيين أثناء استهداف من يسمونهم " الطواغيت ". فهل يجوز استهداف وقتل المدنيين في حالة القتال في الإسلام؟

بالطبع لا .. فالأشياخ والقواد والمرجعيات لهذه الفصائل الإرهابية لا حظ لهم من الدراسات الشرعية ولا الفقهية. ففي كتب الفقه في باب الجهاد أو السير كان أهل العلم، استنادا إلى أحاديث النبي محمد (ص) عن قتل الراهب والراهبة وعن قتل رجال الدين، يوردون عبارات "وينهى عن قتل المدنيين" وهم في الفقه التراثي الفلاحون. وليس بالمعنى الدارج اليوم. قتلهم ممنوع كما يمنع قتل النساء والأطفال .

يقولون إن من قُتل من المدنيين سيُبعثون على نياتهم وما ماتوا عليه. وبالتالي لن يحاسبهم الله على قتل هذه الأنفس. بما ترد على ذلك؟

ربنا رد عليهم "أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا" (الآية 32 من سورة المائدة). والرسول (ص) توعد من يقتل عامدا متعمدا بأن جزاءه كما في القرآن والسنة أنه في النار خالد مخلد. قال (ص) أول ما يحاسب عليه العباد يوم القيامة من حقوق العباد الدماء. أما قولهم إنهم يبعثون على ما كانوا عليه فأقول بل يبعث المتطرفون والإرهابيون على نواياهم واستحلال الدماء. وأنا أقول نص فقهاء الشريعة الإسلامية على أن من استحل المحرم ومن استحل الدماء فقد ارتد وخرج عن شريعة الإسلام، ولو كان ينطق بالشهادتين. ويقوي ذلك الحديث النبوي من حمل علينا السلاح فليس منا.                          

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

    

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".