صورة من الأرشيف لمعزين تمر أمامهم سيارة إسعاف/وكالة الصحافة الفرنسية
صورة من الأرشيف لمعزين تمر أمامهم سيارة إسعاف/وكالة الصحافة الفرنسية

بغداد - دعاء يوسف:

أثارت حالات اغتيال الأطباء في العاصمة بغداد مؤخراً، جدلاً واسعاً في العراق؛ فانقسمت الآراء بين من يرى إن عصابات سرقة وسطو أو جماعات مسلحة منفلتة مسؤولة عن تلك الحالات، وآخر يعتبرها حلقة جديدة من سلسلة العمليات الإرهابية.

وزارة الصحة العراقية

ويقول المتحدث باسم إعلام وزارة الصحة الدكتور سيف بدر إنه "قد تم استهداف ثلاثة أطباء وسائق سيارة إسعاف، في حالات كان آخرها مقتل طبيبة أسنان طعنا بالسكاكين، وكذلك عملية اختطاف جراح معروف خلال الـ10 أيام الماضية".

وأضاف المتحدث أن "الدكتور محمد علي زاير خُطف في جانب الكرخ ببغداد".

ويتابع أن" الضغوط الشعبية والإعلامية  تسببت بإطلاق سراح الدكتور المخطوف بعد أقل من 24 ساعة من الحادثة".  

وأشار عامر إلى أن وزيرة الصحة العراقية طلبت في اجتماع مجلس الوزراء العراقي الأخير، وضع حد لاعتداءات طالت الملاكات الطبية والصحية في البلاد من خلال تفعيل قانون "حماية الأطباء".

ولم يستبعد بدر وجود علاقة لهذا النوع من الاعتداءات بالتنظيمات الإرهابية في البلاد بهدف "إفساد فرحة الاحتفال بالنصر على الإرهاب".  

ويقول إن "وزارة الصحة قد شاركت بـ1600 منتسب بين طبيب وممرض وسائق بمعارك استعادة الموصل وحدها".

كما وقد أرسلت الوزارة أكثر من 200 سيارة إسعاف وآلاف الأطنان من الأدوية والعلاجات الطبية، فضلا عن خسارتها لـ 100 منتسب راح ضحية المشاركة بتحرير الموصل من داعش.

" ما زالت حتى الآن عمليات إخلاء الجرحى بواسطة البر أو الجو إلى المستشفيات القريبة أو إلى بغداد لتلقي العلاجات اللازمة، بينما تعالج الإصابات الصعبة جدا خارج البلد".

وكان تفعيل قانون حماية الأطباء من أهم المطالب التي أثيرت في اعتصام نقابة أطباء العراق - المركز العام في 25 تموز/يوليو للحد من الاعتداءات التي تطال العاملين في المؤسسات الصحية.

​​فيديو بيان نقابة أطباء العراق - المركز العام:

​​

تأمين البيوت

ويعتقد هيثم صالح، 43 عاماً، أن لهذه الاعتداءات التأثير الكبير على مشاعر الناس، خاصة وأن العاصمة قد شهدت حوادث مشابهة خلال الأعوام 2006 - 2008.

وقال هيثم لموقع (إرفع صوتك) إننا "بحاجة لتعزيز الإجراءات الأمنية على المناطق كافة، وخاصة في الليل، لأن غالبية عمليات الاختطاف والقتل تحدث في هذا الوقت".

ويحاول مواطنون شراء ما يساعدهم على الحفاظ على أمنهم مثل شراء كاميرات مراقبة وغيرها من الوسائل التي تنتشر في المدينة.

اقرأ أيضا: عراقيون يقبلون على شراء كاميرات المراقبة.. والسبب؟

"الكل يشعر بالقلق عند سماع أخبار الاختطاف والقتل. لذا نحاول تأمين بيوتنا وحمايتها بأنفسنا"، قال هيثم.

حوادث انتقامية

ورغم المخاوف التي يشعر بها عدد كبير من سكان بغداد، إلا أنهم قد اختلفوا في أسباب ودوافع هذه الاعتداءات ومن يقف خلفها. فانتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي والصفحات العراقية تعليقات واستنكارات مختلفة، واتهامات لجهات متعددة من تنظيمات إرهابية وميليشيات وعصابات إجرامية وحتى أقارب الضحايا. بعض المواطنين لام الأطباء أيضا.

يعتقد عمار عبودي، 23عاماً، أنها حوادث ثأرية وانتقامية، "بعض أفرد العشائر بدأوا يقتنعون بجشع الأطباء بعد فقدانهم أحد أقاربهم بسبب التشخيصات الخاطئة. لذا يحاول البعض منهم معاقبة الطبيب المعالج من خلال الاعتداء عليه".

تنظيمات ارهابية

وقد أعلنت وزارة الداخلية العراقية، أنها اعتقلت عصابات ضالعة في عمليات خطف الأطباء التي شهدتها العاصمة بغداد مؤخرا.

غير أن بغداديين يشككون بالقدرة على إيقاف هذه الاغتيالات والاعتداءات. إذ يدور كلام عن احتمالية عودة  العمليات الإرهابية لمعدلاتها السابقة ولكن عبر استهداف أفراد بعينهم مثل الأطباء.

ويخشى الحاج علي حازم، 64 عاماً، من عودة هذه الجرائم وتوسعها كما توسعت عليات الخطف والقتل التي سبق أن بدأت بالأطباء ثم شملت شرائح مختلفة من المجتمع العراقي.

ويقول في حديث لموقع (إرفع صوتك) إنّ "هذه الاغتيالات قد تكون لها علاقة بالتنظيمات الإرهابية وخاصة داعش بعدما فشل في معارك الموصل، ويحاول إثارة القلق بين الناس في بغداد".

ويشير علي إلى أن التنظيمات الإرهابية قد فشلت في الإبقاء على الاقتتال الطائفي بين شرائح مختلفة من الشعب العراقي بالسابق."لذا لا أستبعد أن تكون قد لجأت الآن لطريقة جديدة في إرهابها من خلال استهداف الكفاءات الطبية أو العلمية".

عصابات ومافيات

وبخلاف عودة العمليات الإرهابية، يعتقد الخبير الأمني أمير السعدي، بأن هناك أسبابا أخرى قد تدفع عصابات الجرائم المنظمة إلى استغلال الأوضاع الاقتصادية. ويقول في حديث لموقع (إرفع صوتك) إن "ارتفاع المستويات المعاشية لبعض الأطباء جعلهم من أهداف بعض العصابات والمافيات للحصول على بعض الأموال من خلال عمليات الخطف أو التسليب وكذلك السطو المسلح على منازلهم".

ولا يغفل الخبير التوافق الزماني والمكاني لهذه العلميات التي قد تعود لخلافات ربما تكون مجتمعية، بسبب ضعف تطبيق سلطة القانون، من بينها الاختلافات في اجراءات المعاينات الطبية أو الفحوصات أو التشخيص بالخطأ لتكون مدعاة لغضب أهالي المريض والرد بعنف على بعض العاملين في المؤسسات الطبية.

ويضيف "لقد حصلت بالفعل تجاوزات كثيرة في السابق ببعض المستشفيات والمراكز الصحية داخل العاصمة بغداد ومحافظات الفرات الأوسط والجنوبية".

ويشير إلى أنه من غير المرجح أن يكون للإرهاب علاقة باغتيالات الأطباء الآن تحديداً، لأن إمكانات هذه التنظيمات قد ضعفت بشكل كبير ولم تعد قادرة على  تنفيذ مثل هذه الهجمات.

ويؤكد أمير على ضرورة التركيز وتفعيل الدور المجتمعي الذي يشكل بيئة حاضنة مع قدرات الأجهزة الأمنية لفرض سلطة الأحكام القضائية بشكل سريع مثل عمليات الملاحقة والمتابعة كما حدث مؤخرا "بالقبض على جماعات الجريمة المنظمة من قبل وزارة الداخلية بحركة سريعة وكبيرة".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".