صورة تعبيرية / AFP
صورة تعبيرية/وكالة الصحافة الفرنسية

بقلم صالح قشطة:

عمر محمد (24 عاماً)، هو شاب عراقي فضّل استخدام اسماً مستعاراً حرصاً على سلامة أهله الذين يقطنون محافظة الديوانية الواقعة جنوبي العراق، بينما يعيش هو كلاجئٍ في الأردن منذ بداية عام 2016.

يروي عمر لموقع (إرفع صوتك) قصة اختطافه وتعذيبه في شباط/فبراير 2015 على يد جماعة وصفها بأنها "متطرفة"، حيث كان بطريق عودته من تمرين لكرة القدم في النادي الرياضي المحلي، مع قدوم سيارة بها أشخاص وجوههم مغطاة ويحملون السلاح. ويقول إنهم بدأوا بإغرائه للانضمام إليهم، إلا أنه أجابهم بأنه إنسان رياضي ولا يريد تدمير مستقبله الذي يحلم به عبر الانضمام لمثل هذه الأمور، وأنه بعيد عن هذا الشأن.

"قبل فترة من هذه الحادثة، كانوا قد أرسلوا لي رسالة لم أعرها اهتماماً حقيقياً، يطلبون مني فيها الانضمام إليهم.. ظننتها مزحة أو شيئاً من هذا القبيل"، ليكتشف مدى جدية الموضوع لاحقاً عندما سألوه عن أسباب عدم انضمامه إليهم.

ضرب وتعذيب

"لو رفضت فستنضم لنا بالغصب"، يقول الشاب واصفاً تهديد من اختطفوه له؛ وعندما رفض الشاب عرضهم قادوه ضرباً إلى سيارتهم، "واستمروا بضربي خلال مسيرنا بعدما عصبوا عينيّ وأخذوني إلى مكان مجهول".

ويشير الشاب إلى أنه لم يتمكن من تحديد موقعه لدى اختطافه، "كانت منطقة صحراوية، وبدأوا بضربي وتعذيبي لفترة امتدت لسبعة أيام".

خلال فترة احتجازه، تعرض الشاب للضرب المبرح حتى كسرت رجله، كما تعرض للضرب بأسلاك الكهرباء، وللتعذيب بالكهرباء أيضاً، ويقول "كانوا يسكبون الماء عليّ ثم يوصلوني بالأسلاك المكهربة، وفي تلك الأثناء لا أتمكن من فعل شيء سوى الصراخ والبكاء، لم أقوى على احتمال هذا".

تقسيم الضحايا

وبحسب الشاب، فقد كان لدى هذه الجماعة أسلوب في القتل، يعتمد على تقسيم الضحايا ما بين أفرادها، "كل مسلح منهم يأخذ من سيقوم بقتلهم معه، ولم أكن لوحدي، بل كانت هناك مجموعة من الرهائن الذين أتوا بهم، أخرجونا جميعاً، وبدأوا بتقسيمنا على أفرادهم".

ويعتبر عمر نفسه محظوظاً، كونه عندما ساقوه إلى مكان للقتل وقع بين أيدي شخص تمكن من التعرف عليه، "قال لي إنه يعرفني.. ثم قال لي بأنه سيرمي طلقتين بجانبي"، ليظن زملاء المسلح أنه قتل الشاب.

ويتابع "كنت أسمع صوت ضرب النار، وكل من كانوا معنا تم قتلهم، وكنت الناجي الوحيد، كل هذا لم يستغرق سوى لحظات، وفعلاً أطلق طلقتين بجانبي كما لو كان قد قتلني، ولم يكشف لي عن هويته".

وبحسب الشاب، فرغم أن رجله كانت مكسورة بسبب الضرب والتعذيب، إلّا أنه نهض وهرب نحو الشارع العام، وأوقف شخصاً اكتشف أنه ضابط في الجيش، "كانت والدته ترافقه، وأخذني إلى منزله وضمدني وأسعفني بشكل بسيط، ثم توجهنا إلى المستشفى، وحماني في منزله في قضاء الشامية حتى خرجت إلى الأردن حيث أعمل الآن في محل لبيع الملابس".

هواجس وكوابيس

بسبب التعذيب، يعاني الشاب من أمراضٍ وآلامٍ بجسده ورأسه لم يتمكن من تشخيصها، وقام الطبيب بتركيب دعامات بلاتينية في رجله التي كسرت. ويقول إنه منذ تعرضه للتعذيب بدأت تراوده العديد من الهواجس والكوابيس. "أرى حيوانات وحشية أثناء نومي، وأرى أن التعذيب الذي تعرضت له يعاد مراراً وتكراراً، وأرى الأشخاص الذين عاملوني بطريقة سيئة".

ويعبر الشاب عن حزنه على مستقبله الذي يقول إن الإرهاب كان سبباً في تدميره، لا سيّما طموحه بمواصلة مسيرته الرياضية.

وفي ختام حديثه يقول "أحلم بأن أتابع مستقبلي وأكوّن عائلة كأي شاب في عمري، لكنني لن أعود نهائياً إلى العراق بعد ما تعرضت له، فالأوضاع سيئة وفيها خطر على حياتي، وأسعى لإخراج أهلي من العراق أيضاً في المستقبل".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Paris 2024 Paralympics - Table Tennis
نجلة عماد متوّجة بالميدالية الذهبية في بارالمبياد باريس

بفوز  أفرح ملايين العراقيين، حصدت لاعبة كرة تنس الطاولة نجلة عماد الميدالية الذهبية في بارالمبياد باريس، فأصبحت أول عراقية تحقق هذا الإنجاز الرياضي الرفيع، رغم فقدانها ثلاثة أطراف بانفجار عبوة ناسفة عندما كانت بعمر ثلاث سنوات.

وفي مشهد كان الأكثر تداولا على منصات التواصل الاجتماعي في العراق عقب إعلان فوزها، راقب العراقيون تتويجها بالميدالية الذهبية في احتفالية رفُع فيها العلم العراقي، وعُزف النشيد الوطني لأول امرأة عراقية تفوز بوسام في تاريخ اللجنة البارالمبية العراقية منذ أولى مشاركتها في العام 1992 .

وأختتمت فعاليات دورة الألعاب البارالمبية  في العاصمة الفرنسية باريس  يوم الأحد الماضي بحصول العراق على 5 ميداليات (ذهبية وفضية و3 برونزيات).

 

عبوة ناسفة

في الأول من يوليو الماضي، وفي جلسة للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، ألقت عماد كلمة في حلقة النقاش الموضوعية التي تعقد كل أربع سنوات، حول تعزيز حقوق الإنسان من خلال الرياضة.

في تلك الجلسة روت قصتها مع تنس الطاولة التي "بدأت في العام 2008 عندما كانت محافظة ديالى تعاني من إرهاب القاعدة، وكان والدها جندياً يعمل لساعات طويلة في الجيش لحمايتهم" على حد تعبيرها.

في ذلك العام "كان عمري ثلاث سنوات، وكنت أنتظر عودة والدي من العمل ليأخذني في جولة بسيارته، وضعني والدي في السيارة وأثناء وصوله إلى مقعد السائق انفجرت عبوة كانت مزروعة في سيارته".

فقدت الطفلة الصغيرة وعيها وهرعت بها عائلتها إلى المستشفى "استيقظتُ بعد أسابيع وأصبت بصدمة عندما علمت أنني فقدتُ ساقيّ الاثنتين ويدي اليمنى بعدما طارت أطرافي واستقرت فوق سطوح الجيران". 

تقول عماد بألم "جزء كبير من روحي وجسدي سُلب مني إلى الأبد، هذا ما تفعله الحروب بالأطفال".

منذ ذلك اليوم تغيرت حياتها، وواجهت صعوبات كثيرة، ليس بسبب الإعاقة فحسب بل بسبب "نظرة التمييز التي كنت أتعرض لها كل يوم" حسب قولها.

وروت خلال الجلسة مشاعر الألم والحزن وهي ترى الأطفال من حولها يركضون ويلعبون، فيما كانت عاجزة عن ذلك، "كان مستقبلي مليء بعدم اليقين والتحديات التي لا يمكن التغلب عليها".

نقطة تحول محورية

في العاشرة من عمرها كما روت نجلة في تصريحات صحفية "كان تركيزي في البداية منصباً على الدراسة".

إلا أن نقطة التحول المركزية في حياتها كانت "حين زار منزلنا مدرب على معرفة بوالدي، كان يريد تشكيل فريق بارالمبي. وبعد فترة تدريب استمرت ستة أشهر، حقّقت أول فوز لي في بطولة محلية لمحافظات العراق في بغداد"، وفقاً لقولها.

في البداية كانت عماد تتدرب على جدار المنزل لعدم توفر طاولة مخصصة للعب "لكن، تبرع لي أحد الأشخاص بطاولة، وبدأت بالتمرن في المنزل طوال الوقت".

كان توجهها إلى مقر اللجنة البارالمبية على فقر تجهيزاته وضعف تمويله، حافزاً قوياً لها في إكمال مشوارها الرياضي، كما تروي: "رأيت لاعبين آخرين من ذوي الإعاقة يمارسون الرياضة. كان لديهم الكثير من الطاقة الإيجابية، وقد شجّعني ذلك".

الرياضة التي تعلقت بها عماد وشجعها عليها والدها ورافقها في كل خطوات رحلتها "مكنتني من تجاوز إعاقتي، وجعلتني أنظر إلى الحياة من زاوية أخرى".

الرياضة مهمة جداً لذوي الإعاقة في جميع أنحاء العالم، بحسب عماد التي تحثّ "جميع الدول على الاهتمام بذوي الإعاقة وتوفير بيئة داعمة لحقوق الأطفال، وبالأخص ذوي الإعاقة، فمن الضروري توفير التمويل وضمان الوصول السهل وتكافؤ الفرص".

دعم الرياضة لهذه الفئة كما تشرح، "يتيح فوائد نفسية وجسدية واجتماعية لهؤلاء الأفراد، ما يعزز شعورهم بالإنجاز والانتماء، ونحن مدينون للأجيال القادمة بخلق عالم يمكن فيه لكل إنسان بغض النظر عن قدرته وهويته أن يزدهر ويعيش في عدل ومساواة".

طريق معبّد بالذهب

شاركت نجلة عماد في أول بطولة لها في العراق بعد ستة أشهر فقط على خوض تجربة التمرين على يد مدرب، وحققت المركز الثاني في لعبة تنس الطاولة على مقعد متحرك، لتصبح لاعبة المنتخب الوطني العراقي لكرة الطاولة في اللجنة البارالمبية.

وفي العام 2016 بدأت أولى خطواتها باتجاه العالمية التي كانت تسعى إليها، لتحصل على المركز الثالث في بطولتي الأردن 2016 وتايلند 2018، لتبدأ عملية التحول من المنافسة على كرسي متحرك إلى اللعب وقوفاً، بقرار من رئيس اتحاد تنس الطاولة للمعوّقين سمير الكردي.

أدخلت عماد إلى إحدى مستشفيات بغداد المختصة بالعلاج التأهيلي والأطراف الصناعية، ورُكبت لها ثلاثة أطراف صناعية، ووصفت فيه ذلك اليوم بتصريحات صحفية بأنه "أسعد أيام حياتي، فقد تمكنت من الوقوف من جديد بعد عشر سنوات قضيتها جالسة على كرسي".

وبعد تمرينات مكثفة شاركت نجلة في بطولة غرب آسيا التي أقيمت في الصين وحصلت على المركز الثاني: "كانت أول مرة ألعب بالأطراف الصناعية وتنافست مع لاعبات عمرهن الرياضي أكبر من عمري". يأتي هذا الإنجاز رغم أن الأطراف التي كانت تتنافس بها "غير مخصصة للرياضة، وكانت تسبب لها آلاماً وجروحاً".

تلاحقت الانتصارات التي حققتها فحصدت الذهب ببطولة القاهرة في العام 2019. وتوجت في الصين بالمركز الأول، تبعها المركز الأول ببطولة إسبانيا في العام 2020. ثم تبعتها أول مشاركة في دورة الألعاب البارالمبية العام 2021 في طوكيو، ولم تتمكن حينها من إحراز أي ميدالية، إلا أن ذلك كان دافعاً لها للمزيد من التدريب، لتحقق الذهب في دورة الألعاب الآسيوية التي أُقيمت في الصين عام 2023.

وبعد تأهلها لدورة الألعاب البارالمبية بباريس، عبّرت عن سعادتها في تصريحات صحفية بالقول إن "الطموح ليس فقط المشاركة إنما تحقيق الألقاب، ورفع اسم العراق عالياً".

وهو بالفعل ما حققته، فسجّلت اسمها في تاريخ الرياضة العراقية لتصبح أول لاعبة عراقية تحصل على ميدالية ذهبية في تاريخ اللجنة البارالمبية العراقية.