قذيفة هاون غير منفجرة في أحد شوارع مدينة الفلوجة/ وكالة الصحافة الفرنسية
قذيفة هاون غير منفجرة في أحد شوارع مدينة الفلوجة/ وكالة الصحافة الفرنسية

الفلوجة - رشيد الجميلي:

بعد مرور أكثر من عام على تحرير مدينة الفلوجة (65 كيلومترا غرب العاصمة بغداد)، لا تزال بعض مناطقها الجنوبية والغربية مليئة بالألغام والعبوات الناسفة والمخلفات الحربية: قذائف هاون وصواريخ آر بي جي غير منفجرة.

ولم يتمكن أهالي عدد من هذه المناطق حتى الآن من العودة إلى منازلهم. بعضهم يقبع في مخيمات النازحين، فيما الآخرون يقطنون لدى أقربائهم في داخل الفلوجة أو في منازل أجروها إلى أن تنتهي فرق تفكيك المتفجرات من أعمالها.

هنا كانت الصدمة

حميد حسين، 45 عاما، من أهالي الفلوجة، يقول لموقع (إرفع صوتك) إنه بعد تحرير المدينة، منتصف سنة 2016، سمحت القوات الأمنية له ولعائلته بالعودة. "رجعت إلى الفلوجة على أمل العودة إلى بيتي. وهناك كانت صدمتي. فمنطقة النعيمية في أطراف المدينة الجنوبية، حيث بيتي، لم يكن قد تم تنظيفها حينها من المتفجرات بعد"، يقول حميد.

اضطر حميد إلى السكن مع أقرباء له في حي الرسالة وسط المدينة بشكل مؤقت. "كنت أتوقع أن الموضوع بسيط ولا يتجاوز أياما. لم أكن أعلم أنه سيستمر لما يقارب سبعة أشهر".

في منتصف سنة 2016، حررت القوات العراقية مدينة الفلوجة من تنظيم داعش/ وكالة الصحافة الفرنسية

​​

بعد أشهر، تم إخبار حميد حسين أن منطقة النعيمية سيتم تنظيفها أخيرا. يحكي الرجل قائلا "فرحت كثيرا. قلت في نفسي: أخيراً سأعود إلى بيتي. لكن عند وصولي إلى البيت صدمت بالواقع المرير".

يقول حميد إن الفرق الخاصة بإزالة المتفجرات رفضت تنظيف منزله إلا بعد دفع مبلغ 200 ألف دينار عراقي (حوالي 160 دولار أميركي). دفع الرجل المبلغ مكرها. "كنا نتوقع أن تتم مساعدة العوائل، لا أن يتم سلبها ما تبقى لديها"، يقول حميد.

إلا أن العقيد جسام الدليمي آمر الفوج 16 التابع لتشكيلات وزارة الداخلية والعامل داخل مدينة الفلوجة، ينفي كل هذه الادعاءات. ويقول لموقع (إرفع صوتك) "موضوع مطالبة المواطنين بمبالغ نقدية من قبل فرق إزالة الألغام التابعة لوزارة الداخلية عار عن الصحة. وإن حدث شيء فهي حالات فردية". ودعا الدليمي السكان إلى تقديم شكاوى في حالة اعترضتهم مثل هذه الحالات. وقال "إن تقدم المواطن المتضرر من الموضوع بشكوى فسيتم محاسبة المقصر".

مناطق لم تنظف بعد

إذا كان حميد حسين أزال المتفجرات من بيته في منطقة النعيمية بعد دفع 160 دولارا، كما يقول، فإن محمد مجيد، 25 عاما، ما زال ينتظر. يقول لـ(إرفع صوتك) إن بعض المناطق الجنوبية (أطراف حيي الشهداء والجبيل) والغربية (منطقة ضباط السريع) لم تتم إزالة الألغام منها لحد الآن رغم مرور أكثر من عام على تحرير المدينة.

يتهم محمد، وهو من منطقة ضباط السريع وما يزال نازحا في إقليم كردستان شمال العراق، "الجهات الحكومية" بالتقصير. يقول "نحن مهجرون في أربيل لحد الآن بسبب قصور الجهات الحكومية وعدم قيامها بواجباتها".

لكن عضو مجلس محافظة الأنبار ورئيس اللجنة الأمنية في المجلس راجع البركات العيساوي ينفي أي تقصير، مشددا في حديثه لموقع (إرفع صوتك) على أن طواقم فرق إزالة الألغام "قليلة جداً بسبب خسارة عدد كبير منها أثناء عمليات رفع الألغام، إضافة إلى العدد الكبير من العبوات التي تركها داعش".

ويتابع العيساوي موضحا أن محافظة الأنبار طالبت الحكومة المركزية في بغداد والأمم المتحدة بالمساعدة في إرسال فرق إضافية إلى القرى والأرياف التي لم يتم تنظيفها بعد، خاصة أن داعش كان يستخدمها كمناطق صد.

مساومة من أجل الدفع؟

تعمل في إزالة الألغام في محافظة الأنبار، كبرى المحافظات العراقية، كل من دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام UNMAS وشركة الفهد العراقية. لكن راجع البركات العيساوي يؤكد أن عملهما يقتصر على إزالة المتفجرات في الدوائر الحكومية، في حين تتكلف الفرق التابعة لوزارة الداخلية بتنظيف منازل المدنيين.

لا تبدو مثل هذه الأعذار مقنعة في عين محمد مجيد. "تذرع الجهات الحكومية بعدم توفر التخصيصات المالية للمدن المحررة ونقص الكوادر الهندسية المخصصة لإزالة الألغام لا يعفيها من المسؤولية"، يقول الشاب العراقي، معتبرا أن "سبب تأخير تنظيف المناطق المتبقية من المدينة هو للضغط ومساومة تلك العوائل من أجل الدفع لا أكثر".

هنا أيضا ينفي راجع البركات العيساوي وجود مثل هذه المطالبات. ويشدد "لو شخصنا حالات كهذه، سواء من قبل الفرق الهندسية أو من قبل الشركات الخاصة، سنقوم باتخاذ الإجراءات القانونية".

ويوضح رئيس اللجنة الأمنية في محافظة الأنبار أن ما يحتمل وقوعه هو وجود متطوعين مدنيين لإزالة الألغام بدون علم القوات الأمنية، مقابل تلقي مبالغ نقدية من لدن أصحاب المنازل.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.
فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.

يبدو تنظيم داعش، عندما يتعلق الأمر بالتمويل والبحث عن مصادر دخل تنعش موارده المتدهورة، أشبه بكيان متمرس في عالم المافيا والجريمة المنظمة. الكثيرون، بمن فيهم أمراء كبار، انشقوا عنه حينما صدمتهم هذه الحقيقة. 

قيادة التنظيم نفسها تدرك جيدا أن تسليط الضوء على هذا الجانب من نشاطات التنظيم يقوض الصورة التي رسمها لنفسه أمام أتباعه وأنصاره. لذلك لم يتبنَّ يوما أي عملية قتل أو تخريب قام بها باسم جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية" رغم أن جزءا من جهوده، لا سيما في شرق سوريا، مكرس لهذا النشاط الشنيع.

 

الكلفة السلطانية

 

منذ خسارة التنظيم للمساحات الشاسعة التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، وما نجم عن ذلك من فقدانه لما تدره عليه المعابر وحقول النفط من موارد مالية كبيرة، فَعّل التنظيم عددا من "الخطط الاقتصادية" البديلة كان من بينها جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية".

تعد " الكلفة السلطانية" نشاطا مدرا للدخل إلى جانب نشاطات أخرى ضمن "اقتصاد الحرب" تضخ في خزينة التنظيم أموالا طائلة، مثل التهريب، والاختطاف، وتجارة الآثار، والسطو على البنوك ومحلات الصرافة، واستحواذه على احتياطات العملة الصعبة والذهب في المدن التي اجتاحها، ونهب ممتلكات الطوائف الأخرى وغيرها.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.

لعدة سنوات ظل التنظيم يجمع " الكلفة السلطانية" لاسيما في مناطق الشرق السوري، حيث تنتشر حقول النفط، والمساحات الزراعية، وممرات التهريب، والمتاجر ومحلات الصرافة. لكنه لم يكن يتحدث عن ذلك لا في إعلامه الرسمي ولا الرديف، بل وتحاشى الاشارة إليها حتى في مراسلاته الداخلية، لأنه يدرك أن جدلا محموما سينتج عن ذلك، وسيحتاج إلى فتاوى دينية وجهود دعائية كبيرة لإقناع أتباعه بـ"وجاهة" أفعاله، وقد خرج أعضاء سابقون في التنظيم ونشروا على قنواتهم الرقمية "أن إرغام المسلمين غصبا وبحد السيف على إعطاء جزء من حلالِهم لثلة من المفسدين في الأرض هو عمل عدواني لا يقوم به إلا أهل البغي وقطاع الطرق".

 

ضريبة على رعايا الخليفة!

 

ينبغي التفريق هنا بين ما ينهبه التنظيم ممن يعتبرهم "كفارا ومرتدين" والذي يسميه ب"الفيء" و"الغنيمة" وبين ما يجبيه باسم "الكلفة السلطانية". فالكلفة السلطانية هي ضريبة يؤديها "المسلمون ورعايا الخليفة" بالقوة والإكراه، أي أن المستهدفين بها هم في عرف التنظيم من المسلمين الذين "لا تحل أموالهم ودماؤهم" ولا تدخل "الكلفة السلطانية" أيضا ضمن الزكاة الواجبة التي تتم جبايتها قسرا من المسلمين من طرف أمنيي التنظيم.

وبعد انكشاف أمر عمليات السطو والنهب هذه لم يجد التنظيم بدا من الحديث عنها في مراسلاته الداخلية، وانتداب أحد شرعييه لصياغة فتوى لتسويغها من الناحية الدينية.

صاغ أبو المعتصم القرشي، وهو أحد كوادر "المكتب الشرعي" لـ"ولاية الشام" فتوى مطولة في 12 صفحة، وحشد فيها مجموعة من النصوص الدينية والقواعد الأصولية التي اعتبرها "أدلة شرعية" على جواز نهب أموال المسلمين بالقوة والإكراه!.

عَرّف القرشي الكلفة السلطانية بأنها " الأموال التي يطلبها الإمام من الناس لأجل مصلحة شرعية". ولعجزه عن إيجاد نصوص قطعية من الكتاب والسنة لتبرير هذه "البدعة الداعشية"، فقد لجأ إلى القواعد الأصولية من قبيل" يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" و" درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، و" تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما"، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

يعني هذا ببساطة أن مصلحة استمرار عمليات التنظيم والحفاظ على قوته ومقدراته مقدمة على مصالح الناس الأخرى، وأن تواصل عمليات التنظيم باعتبارها "جهادا مقدسا"  إذا لم يتم إلا بالسطو على أموال الناس فيجب السطو عليها.

أكد القرشي في نص فتواه جواز استخدام العنف والقوة لجباية الأموال، قائلا: "لا شك أن المال عصب الجهاد، والإعداد لا يكون إلا به، فتحصيله وتوفيره واجب على الإمام ولو بالقوة والإكراه"، ومن امتنع عن أداء "الكلف السلطانية جاز للإمام أو من ينوب عنه أن يعزره بشكل يكون رادعا له ولغيره حتى يؤدي ما عليه من الحقوق المالية في هذا الشأن".

أما الفئات الاجتماعية المستهدفة بهذه الضريبة، فقد قدم أبو المعتصم سردا طويلا بأصحاب المهن والمحلات التجارية والأطباء والصرافين والفلاحين والمدارس والكليات وتجار الدجاج والبيض وتجار المواشي والمستشفيات. ولم يترك أي نشاط مدر للدخل إلا وأشار إليه ضمن الذين فرض عليهم دفع "الكلف السلطانية"، ولم يستثن سوى أصحاب البسْطات على الأرصفة.

أخطر ما في الفتوى هو أن الممتنع عن أداء ما يطلبه التنظيم من أموال سيكون مصيره القتل والحكم عليه بالردة، و" طريقة استخدام القوة تتفاوت حسب المعاندة والممانعة بين التهديد، والإتلاف لبعض المال، أو التعزير، أو التغريم المالي وحتى الجسدي، ثم القتل إذا استعان الممتنع بشوكة الكفار والمرتدين على المجاهدين فعندها يُطبق عليه حكم الردة" حسب تعبير أبي المعتصم القرشي.

 

معاناة الناس في شرق سوريا

 

في شرق سوريا، يتم استخلاص هذه الضريبة بعد توجيه رسائل تهديد بأرقام دولية عبر تطبيق واتساب إلى المعنيين، وتخييرهم بين دفع "السلطانية" أو مواجهة خلايا الاغتيال، بعد تخريب ممتلكاتهم وتقويض مشاريعهم التجارية والاستثمارية.

وحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد ارتفعت هذا العام نسبة تلك الضرائب إلى حد كبير جداً مقارنة بالسنوات الفائتة، حتى بلغت نحو 616 ألف دولار من تجار النفط والمستثمرين.

وحصل المرصد على إفادة من أحد العاملين في شركة مستثمرة في قطاع النفط في المنطقة الشرقية (دير الزور) تقول بأن الشركة رفضت دفع كامل المبلغ المطلوب منها تحت مسمى "الكلفة السلطانية"، والتي قدرها التنظيم بنصف مليون دولار أميركي، ودفعت بدلها 300 ألف دولار، لكن التنظيم هدد سائقي صهاريج المحروقات التي تعمل لصالح الشركة بالاستهداف إذا لم يتم دفع المبلغ كاملا في غضون أسابيع، ولم يعد لدى الشركة خيار آخر سوى تدبير ما تبقى من المبلغ.

مستثمر آخر في قطاع النفط توصل برسالة عبر تطبيق الواتساب من رقم دولي مفادها بأن عليه دفع "الكلفة السلطانية" البالغ قدرها 75 ألف دولار، وعدم إخبار أي جهة تابعة لقسد أو التحالف الدولي بذلك ووجهت له تهديدات في حال التبليغ أو عدم دفع المبلغ خلال أسبوع، وأن خلايا التنظيم ستقوم بزرع عبوة في سيارته أو حرق بئر النفط الذي يعود له.

ولفت المرصد إلى أن خلايا داعش في بادية ريف دير الزور الشرقي تفرض ضرائب تتراوح بين 1000 و3500 دولار، في مناطق ذيبان وحوايج ذيبان وجديد بكارة، على المستثمرين الذين يعملون على توريد المحروقات إلى "سادكوبى" التابعة للإدارة الذاتية في دير الزور.

يعمد التنظيم أيضا إلى حرق المحاصيل الزراعية التي تعود للفلاحين الذين رفضوا الرضوخ لابتزازه ودفع الأموال التي يطلبها منهم، ورمي القنابل اليدوية على منازل الأثرياء، وعيادات الأطباء، وقد هرب عدد من الأطباء من المنطقة الشرقية بعدما أثقل التنظيم كاهلهم بالضرائب و"المكوس"، ولا سيما وقد وضعهم في رأس قائمة أهدافه لأنهم -حسب اعتقاده- يجنون الأموال أكثر من غيرهم.