مخيم لاجئين عراقيين/وكالة الصحافة الفرنسية
مخيم لاجئين عراقيين/وكالة الصحافة الفرنسية

أربيل - متين أمين:

ما زال أحمد محمد (١٢عاما) يتذكر مشاهد تدريب الأطفال التي كان تنظيم داعش يعرضها لهم يوميا في النقطة الإعلامية القريبة من منزله في حي الإصلاح في الجانب الأيمن من الموصل قبل تحرير المدينة بالكامل من قبل القوات العراقية في تموز/يوليو الماضي.

ويوضح أن مسلحي التنظيم كانوا يطالبون الأطفال بالانضمام إلى صفوفهم ليكونوا "أشبالا للخلافة" التي أعلنها داعش بعد سيطرته على الموصل في ١٠حزيران/يونيو من عام ٢٠١٤، وشملت مساحات واسعة من سورية والعراق.

يضربون الأطفال

ويقول محمد الذي حُرم من الدراسة لعامين بسبب سيطرة داعش على المدينة، لموقع (ارفع صوتك)، "كنت أجتمع أنا وأصدقائي يوميا في النقطة الإعلامية لمشاهدة إصدارات التنظيم المرئية (فيديوهات العمليات المسلحة والقتل التي كان داعش ينفذها في جبهات القتال ضد القوات الأمنية ومناوئيه)".

يعيش هذا الفتى الموصلي مع عائلته في مخيم حسن شام غرب مدينة أربيل منذ أشهر بعد أن نجحت عائلته من الهروب خلال المعارك إلى جنوب الموصل ومنها نقلتها القوات العراقية مع مئات العائلات الأخرى إلى مخيمات إقليم كردستان. ويروي لنا محمد مشاهداته بالقول "شاهدنا مسلحين من داعش يضربون الأطفال أثناء التدريب بالعصى ويكسرونها على رؤوسهم وشاهدت أطفالا يطلقون النار".

ويتذكر محمد مشهد انضمام خمسة من أصدقائه إلى التنظيم وذهابهم بصحبة مسلحين من التنظيم من سكان حي الإصلاح هما حسام المسؤول في شرطة داعش (الحسبة) والثاني راكان الملا (أحد خطباء التنظيم في الموصل). ويضيف "لم أرَهم بعد ذلك اليوم".

اقرأ أيضاً:

داعش جنّد صديقي وأدخل الإرهاب إلى مناهجنا الدراسية

تجنيد أكبر عدد من الأطفال

بعد سيطرته على الموصل عمل التنظيم بشكل واسع على تجنيد أكبر عدد من الأطفال والفتيان في المدينة وأطرافها وضمهم إلى صفوف مسلحيه خاصة الفئات العمرية الواقعة بين ٨ أعوام وحتى ١٧ عاما. وتمكن بعد احتلاله لسنجار والمجمعات الأيزيدية في غرب الموصل من خطف أعدادا كبيرة من أطفال الأيزيديين وضمهم إلى صفوفه بعد أن مارس ضدهم عمليات غسل الدماغ.

وبحسب معلومات الجهات الأمنية العراقية، ما زال المئات من الأطفال الأيزيديين يتواجدون في معسكرات الفاروق وأشبال الخلافة الواقعة في مدن الرقة ودير الزور وأطرافهما في سورية. ويشرف مسلحون أجانب وعرب على تدريب الأطفال والفتيان تدريبات بدنية وعسكرية في خوض المعارك وتنفيذ عمليات الإعدام وتفخيخ العجلات وصناعة المتفجرات وتنفيذ العمليات الانتحارية، وقد شارك المئات منهم في معارك الموصل وفي المعارك التي يخوضها التنظيم في سورية.

أطفال قيد التحقيق

ويكشف رئيس شبكة منظمات المجتمع المدني في محافظة نينوى، شيروان الدوبرداني، لموقع (ارفع صوتك) أن أعداد مسلحي داعش الأطفال الذين اعتقلتهم القوات الأمنية خلال معارك تحرير الموصل أكثر من ٣٠٠ طفل تتراوح أعمارهم ما بين (١٠-١٧ عاما). وحاليا تجري الجهات القانونية التحقيقات معهم، واعتقلت أعدادا أخرى من هؤلاء الأطفال في الموصل خلال المدة الماضية بحسب قاعدة المعلومات المتواجدة لدى القوات الأمنية في جنوب الموصل خاصة في ناحية القيارة. لكن ما زال هناك مئات منهم لم يُعتقلوا بعد، لأن الإحصائية الأولية تشير إلى أن التنظيم جند أكثر من ١٥٠٠ طفل في الموصل وأطرافها خلال أكثر من ثلاثة أعوام من سيطرته على المدينة، حسب ما يقول الدوبرداني.

ويشير الدوبرداني إلى أن منظمتي اليونيسف وهارتلاند الاينس الدولتين خصصتا عددا من المحاميين للدفاع عن هؤلاء الأطفال، لافتا إلى أن المنظمات المحلية والدولية لديها برامج لإعادة وتأهيل هؤلاء الأطفال وفتح مراكز خاصة بذلك.

وقال الدوبرداني "هناك عدد كبير من الأطفال المشردين داخل أحياء الموصل يشكلون قنابل موقوتة في المستقبل القريب. نتمنى أن يكون هناك دعم من قبل المنظمات الدولية لاحتواء هؤلاء الأطفال"، معربا عن تخوفه من وجود أعداد من هؤلاء الأطفال ضمن صفوف الخلايا النائمة لتنظيم داعش في الموصل.

وبين الدوبرداني أن القوات الأمنية قتلت في ١٥ آب/أغسطس الحالي طفلا داعشيا كان ينوي تنفيذ هجوم مسلح بقنبلة يدوية على المدنيين في منطقة النبي يونس في الجانب الأيسر من الموصل، مشيرا إلى أن الطفل المذكور كان بحوزته مسدسا كاتما للصوت أيضا.

وزارة الداخلية

من جانبه يوضح المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية العميد، سعد معن، لموقع (ارفع صوتك) الإجراءات التي تتخذها الجهات الأمنية بحق المعتقلين من مسلحي داعش الصغار، قائلا "نحن في وزارة الداخلية ننطلق من رؤية واستراتيجية ترتكز في مفاصل متعددة منها على اعتبار الأطفال ضحية للتنظيمات الإرهابية التي تعاملت معهم بشكل لا إنساني واستغلت براءتهم ووظفتها أسوأ توظيف".

واختتم حديثه بالقول "خططنا المستقبلية تعتمد أولا على إخضاع الأطفال إلى عمليات إعادة تأهيل وتنسيق مرة أخرى وإزالة الآثار السلبية للتأثير الإرهابي عليهم عبر التنسيق مع مختلف الدوائر والمؤسسات ذات الصلة لزيارة الأطفال وإخضاعهم إلى برنامج علمي وتأهيلي جديد".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".