مدرس عراقي يلقي محاضرة في إحدى مدارس مدينة بعقوبة في محافظة ديالى/وكالة الصحافة الفرنسية
مدرس عراقي يلقي محاضرة في إحدى مدارس مدينة بعقوبة في محافظة ديالى/وكالة الصحافة الفرنسية

بقلم علي قيس:

اضطر المدرس يوسف الحمداني (41 عاما) إلى البقاء ساعات طويلة بعد انتهاء الدوام الرسمي في مدرسته الواقعة بإحدى القرى التابعة لقضاء المحمودية (جنوبي بغداد)، بعد تهديده من عائلة أحد طلبته بالضرب والملاحقة العشائرية، بسبب رسوب ابنها.

ويروي الحمداني الذي يعمل مدرسا لمادة الرياضيات "بعد توزيعنا لنتائج الامتحانات النهائية لصف الثاني المتوسط، سمعنا صراخا خارج المدرسة. أسرع إليّ أحد الزملاء وأخبرني أنها عائلة أحد الطلبة وقد جاء أقاربه لضربي بسبب رسوب ابنهم"، مضيفا في حديث لموقع (إرفع صوتك) "اتصل زميلي بعائلة لها نفوذ في القرية. وبالفعل أسرعت تلك العائلة بإرسال أشخاص لحمايتي داخل المدرسة حيث بقيت محاصرا حتى العصر".

ويؤكد مدرس الرياضيات أن "الطالب كان يستحق الرسوب. كان ضعيفا جدا من الناحية العلمية وحتى الأخلاقية". ويتذكر "كان يأتي إلى المدرسة حافي القدمين، ليس من الفقر بل هي ثقافة عائلته، فوالده يستطيع أن يوفر له عدة أزواج من الأحذية لو باع قطعة واحدة من الأسلحة التي يمتلكها في منزله".

اقرأ أيضاً:

خمس ظواهر اجتماعية تغذي العنف في العراق

تعرّف على أسباب الخسائر في قطاع التعليم العراقي

حسمت القضية عصرا، بعد تدخل عدة أطراف من القرية، بأن يساعد الأستاذ الحمداني الطالب في العام الجديد من خلال التركيز عليه في عملية التدريس، ومنحه بعض المحاضرات الجانبية في مادة الرياضيات، مقابل عودة الحمداني إلى عمله بشكل طبيعي.

معلمون ومدرسون بلا هيبة

"نحتاج إلى إعادة هيبة المعلم والمدرس"، تقول نائبة رئيس لجنة التربية والتعليم في البرلمان العراقي انتصار الغريباوي، مضيفة في حديث لموقع (إرفع صوتك)، "الساحة التربوية الآن غير مهابة وخلاف بسيط بين الطالب والمدرس ممكن أن يتدخل فيه ولي الأمر وقد ينتهي الموضوع بنزاع عشائري".

وتتابع "هذا الوضع ترك أثرا سلبيا على مستوى التعليم في العراق".

وبحسب الغريباوي، فإن لجنة التربية والتعليم البرلمانية قدمت مقترح قانون لحماية المعلمين، لكن تم رفضه من قبل مجلس الوزراء، ما دفع باللجنة إلى عقد جلسة استماع مع مدير الدائرة القانونية في مجلس الوزراء.

وتنقل الغريباوي ما دار في جلسة الاستماع موضحة أن "مدير الدائرة القانونية في مجلس الوزراء رفض مقترح القانون وشدد على أن المجلس ضد فكرة فئوية القوانين، أي تشريع قانون حماية خاص لكل فئة من الموظفين".

وتؤكد الغريباوي أن اللجنة "عازمة على إقرار قانون حماية المعلمين لأنه أصبح حاجة ملحة بسبب حجم التهديدات التي يتعرض لها العاملون في الأسرة التربوية"، لافتة إلى أن "التطبيق الضعيف للقانون وقوة المفاوضات العشائرية دفعت بالمدرسين والمعلمين باللجوء إلى العشائر في حل مشاكلهم".

العشائر لا تبالي بالقانون

بدوره، يشير مدير عام تربية محافظة ميسان رياض الساعدي إلى أن "ظاهرة تعرض المدرس أو المعلم للتهديد العشائري موجودة في معظم المحافظات، لكنها تكثر في المحافظات الجنوبية"، موضحا في حديث لموقعنا أن "العشائر لا تبالي بالقانون وتسير خلف مصلحتها، وإن كان على حساب القانون".

ويتابع "معظم الاعتداءات لم تحقق مرادها، فلم نجد طالبا نجح بسبب التهديد والضغط العشائري".

ضعف المؤسسات الحكومية

فيما يرى شيخ عموم عشيرة الفراطسة في محافظة ميسان علي الفرطوسي، أن "موضوع التهديد أو التجاوز على المدرسين أو أي موظف في الدولة أثار امتعاض المجتمع العراقي"، مضيفا في حديث لموقع (إرفع صوتك) أن "هذا يرجع إلى ضعف مؤسسات الدولة واجراءاتها القانونية بحق من يقوم بمثل هذه الأفعال، لذلك يجب أن تكون هناك إجراءات رادعة".

ويؤكد الفرطوسي أن "هذه الأفعال تصرف فردي لأناس ليسوا بشيوخ أو وجهاء عشائر، فالعشيرة بتقاليدها تعطي قدرا كبيرا للمعلم أو المدرس".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".