إيلاف
إيلاف

مشاركة من صديقة (إرفع صوتك) إيلاف أحمد:

في كل جمعة أو عطلة رسمية يترك العراقيون جميع خلافاتهم الطائفية والسياسية ليجتمعوا من كل أطيافهم متوحدين من كلا الجنسين في شارع المتنبي، وكلهم شغف للتطلع لما هو جديد فهم يعتبرونه جزيرة ثقافية معزولة عن الصراعات الدائرة في العراق.

ويضم هذا الشارع الكثير من المكتبات والمطابع العريقة إضافة إلى الباعة الذين يفترشون الرصيف ( البسطيات) ولا يقتصر المتنبي على بيع الكتب فقط بل يتم بيع القرطاسية والأقراص المدمجة والنظارات الطبية وأيضا بعض الألعاب الصغيرة. ويتم تنظيم فعاليات للشعر والرسم ومعارض للكتب كل نهاية أسبوع.

ويتميز بموقعه الذي يطل على نهر دجلة ومن جهة على سوق السراي. ويشتهر أيضا بوجود مقهى الشابندر الذي تأسس عام 1917، وكان يزوره كبار الساسة، مثل: نوري سعيد وعبد الكريم قاسم والملك فيصل والنواب والوزراء وخصوصاً في زمن المملكة العراقية.

مؤخرا افتتحت الشابة العراقية "براء البياتي" مكتبتها الخاصة في شارع المتنبي مما جعل النساء أكثر زيارة له عما سبق.

شاهد.. قصة براء وافتتاح مكتبتها

تعد براء أول فتاة تفتتح مكتبة في المتنبي حيث تعد هذه المهنة حكرا على الرجال؛ فأصبحت الآن زيارة النساء العراقيات، ومن جميع المحافظات إلى شارع المتنبي أكثر من ذي قبل خصوصا لزيارة مكتبة البراء. وأصبحت المرأة العراقية اليوم أكثر اهتماما بالمطالعة والقراءة والمشاركة بالفعاليات الثقافية والأدبية.

الشاب خالد من عشاق شارع المتنبي وهو يزوره باستمرار، يقول لا يوجد وصف للمتنبي فهو الأصالة والتاريخ، فعند دخولك لأحد المكتبات فأنت تدخل لعالم آخر مليء بالمعرفة وتاريخ الشعوب، ومن جهة أخرى تجد الروايات والمؤلفات التي لا يستغني عنها أي مثقف أو ناقد.

اقرأ أيضا... أعفو عن قاتل أولادي الأربعة وحفيدي

اقرأ أيضا... المتنبي.. شارع عراقي تفوّق على الإرهاب

يتابع قوله إن هذا المكان له روح تشدك إليه خصوصا في أيام الجمعة حين يفترش الباعة كتبهم على الرصيف فيصبح أشبه بمعرض للكتاب، ويجتمع الأدباء والنقاد والمثقفين على مقهى الشابندر ليتبادلوا أطراف الحديث والشعر والنقد الأدبي.

مصطفى، شاب عراقي آخر يزور شارع المتنبي ويقول لي: هنا كل شخص يعبّر عما في داخله والمتعة هي أن تناقش القراء والمثقفين عن قرب وتتعرف عليهم أكثر ولا يعود زائرا من زوار هذا الشارع دون الاستراحة في مقهى الشابندر واحتساء كوب من الشاي أو تذوق كبة السراي المشهورة.

وفي داخل مطعم السراي، الواقع في نهاية شارع المتنبي، توجد صور بغداد القديمة وشخصياتها التي كانت محل افتخار الناس أو التأثير من أمثال الرؤساء والملوك وأصحاب المهن والحرف اليدوية.

رغم التفجير الذي طال المتنبي عام 2007 وحرق كل مافيه تقريبا وسقط عدد من القتلى من أصحاب المكاتب والمطبعات واستمرار النيران فيه لمدة يومين لتحرق ما تبقى من الكتب إلا أنه ترمم بفترة قصيرة وعاد كسابق عهده، في بداية عام 2008. وعلى الرغم من اجتياح المكتبات الإلكترونية الحديثة والتي تضم آلاف الكتب والمؤلفات إلا أن زوار المتنبي لم يقل عددهم بل أصبح بازدياد.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".