مشهد من شارع المتنبي المركز الحيوي للثقافة العراقية/علي عبد الأمير
مشهد من شارع المتنبي المركز الحيوي للثقافة العراقية/علي عبد الأمير

بقلم علي عبد الأمير:

إذا كانت أفكار التنوير هي حرية المعتقد وتأكيد على القيمة الفردية العليا للإنسان ومناهضة القوى التي تناهض الحرية والوجود الحي لبني البشر، فإن نقيضها، أي الأفكار الظلامية، هي مناهضة العقل والحرية ورفض الوجود الفردي للإنسان والنظر إليه على كونه رقما من قطيع عليه الطاعة.

هنا، عبر (إرفع صوتك)، وضعنا سؤالا في مدار النقاش: هل ثمة أمل للفكر التنويري في العراق وكيف؟ لا سيما في وقت يبدو نهبا للاستقطاب الحاد فكريا واجتماعيا وسياسيا؟

اقرأ ايضا:

في العراق: مجتمع شاب وسلطات عجوز؟

مدخل كهذا يغنيه الباحث والمفكر العراقي د. حسين كركوش بقوله "أظن أن مصطلح (التنوير) وكل ما يشتق منه، وعكسه مصطلح (الظلامية) وكل ما يشتق منه، بدأ استخدامهما في العراق، والعالم العربي عموما بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وأفول نجم الخلافة العثمانية. والمصطلحان كلاهما مترجمان حرفيا من اللغات الأوروبية. و هما ابنان لأوروبا الكاثوليكية وخرجا من رحمها في القرون الوسطى. ولادتهما كانت طبيعية، وليس بعملية قيصرية".

تنوير عراقي.. كيف؟

وفي بحث القضية في سياقها العراقي، يرى الكاتب كركوش في مداخلة مع موقع (إرفع صوتك) أن بلاده لم تشهد حركة تنويرية، أو عصر أنوار، كما حدث في أوروبا. والسبب "ببساطة، لأن العراق لم يعش الظروف التي عاشتها أوروبا، لا دينيا ولا سياسيا ولا طبقيا ولا صناعيا ولا فلسفيا. وبالتالي، فإنه من الصعب جدا الحديث عن وجود تنويريين عراقيين، بالمعنى الغربي".

اقرأ أيضا:

لقاء الدين بالسياسة: العنف سيد الموقف التاريخي

لكن استدراكا مهما للمصطلحين (الظلامية والتنوير) ومدى إمكان وجودهما بمضامين محلية عراقية (وفقا للمرحلة التاريخية التي يعيشها المجتمع العراقي)، يقود الباحث كركوش إلى فكرة عميقة "لو سألنا عراقيا يقول إنه تنويري: ما هي الأفكار أو المواقف الظلامية التي تعيق تقدم المجتمع العراقي وتمنع تقدمه للأمام؟ فإن جوابه سيكون: الطائفية، الفساد المالي والإداري، عمليات الاختطاف والاغتيالات والتشهير التي يذهب ضحيتها مثقفون بمجرد أن يعبروا عن آرائهم وقناعاتهم بطرق لا يوافق عليها بعض المتطرفين المتنفذين سياسيا وعسكريا، غياب دولة المواطنة، ضعف أداء مؤسسات الدولة، وخصوصا القضاء، مما سمح بعودة القيم العشائرية وتسيدها، عدم شفافية الانتخابات العامة، مضايقة المرأة من قبل قوى دينية متطرفة... الخ".

ويختم الدكتور حسين كركوش حديثه "كما نرى فإن هذه الآراء لا يدافع عنها الليبرالي وحده أو اليساري، فحسب. هناك عراقيون متنوعون ومختلفون يدافعون عنها، بما في ذلك أوساط دينية، وخصوصا مواقف المرجع السيد علي السيستاني. وكل هؤلاء تنويريون".

التنويريون في العراق ... مهمشون

ويلفت الأكاديمي العراقي المتخصص بالقانون الدولي، د. علاء السيلاوي، إلى إن بلاده تبدو اليوم بأمسّ الحاجة إلى أفكار التنوير التي يراها مناهضة لديكتاتورية ناشئة بملامح دينية هذه المرة، قائلا في مداخلة مع موقعنا "ربما لا يوجد بلد في العالم يحتاج إلى حركة تنويرية بقدر العراق. كون هذا البلد قد وقع بين كماشات ذات عناوين متعددة إلا أنها تلتقي في كونها تحاول انتهاج سياسة شمولية لإخضاع الشعب برمته وفرض عنوان واحد وموحد له واقتياده خلف قيادة كانت دكتاتورية عسكرية وحزبية قبل عام 2003 ودينية بعده".

وبحسب السياق الذي يمضي فيه أستاذ القانون في جامعة الكوفة، تبدو الحاجة جوهرية في العراق إلى "حركة تنويرية كالتي شهدتها أوروبا في عصر النهضة، ونجحت في وضع حد فاصل بين الفكر القديم الذي كان يتكئ على الخرافات والأساطير وبين الفكر الجديد الذي حمل العقل كعنوان للخطاب الاجتماعي وركيزة أساسية لبناء نظام شرعي للأخلاق".

وبما أن التاريخ حاضر بقوة حتى في الواقع العراقي بل يزاحم حتى المستقبل، يرى السيلاوي أن بلاده لا تعاني من "سخونة التاريخ الذي لا يزال يفرز أجيالا ممغنطة نحوه، أناسا يؤمنون أن التاريخ يمكن أن يكون عنوانا للمستقبل، أناسا يتجهون إلى الوراء معتبرين أن الإنسان يجب أن يهان وأن حقوقه يجب أن تهدر لكي يدخل الجنة".

وفي حين يلقي السيلاوي بعبء كبير على التنويريين في العراق لجهة "انتشال العقل من الواقع المتردي الذي يعيشه"، لكنه يقر أيضا بهامش محدود لقدرتهم على التأثير، فهم "يواجهون جيوش الجهلة التي تملك القوة على الأرض والنفوذ الآن ومن الصعب فرض بديل لها في الوقت الحاضر".

حصاد التنوير .. مستقبلي

ويمسك الكاتب والأديب العراقي، شعلان شريف، بطرف جوهري في النقاش حول الفكر التنويري وتأثيره، فهو قائم على عمل تراكمي لا تبدو بلاده المعاصرة صاحبة  الرصيد الكبير الإنقلابات العسكرية في وارد التعاطي معه. يقول شريف لموقنا "التنوير جهد تراكمي من جيل إلى جيل. لكن مشكلة العراق هي غياب التراكم. عرف العراق عبر تاريخه الكثير من حالات القطع مع الماضي، ليبدأ كل مرة من الصفر.

وهذا ما يحصل الآن حيث يبدو وكأن جهود أجيال من التنويريين العراقيين طوال أكثر من قرن راحت هباء، وعلينا أن نبدأ العمل على تكريس المبادئ الأولية التي اعتقدنا أنها أصبحت من البديهيات، مثل فكرة الدولة الحديثة، والهوية الوطنية الجامعة، وأهمية التعليم والثقافة والفنون في خلق مجتمع منتج ومتماسك وخلاّق".

ورغم شيوع خطاب سوداوي متشائم بشأن العراق اليوم، إلا أن الكاتب والصحافي شريف يرى أبعد من ذلك ممثلا بـ"الكثير من الجهود الإيجابية التي تبعث على الأمل، خاصة لدى الشباب. ولعلّ سبب الشعور بالإحباط يعود إلى الرغبة غير الواقعية في رؤية نتائج سريعة للنشاط التنويري، وربط كل شيء بالوضع السياسي، وكأن التنوير برنامج سياسي لحل المعضلات التي يخلقها أو يعجز عن حلها السياسيون".

"ساحة عمل التنويريين في رأيي ليست البرلمان، ولا البرامج السياسية على الشاشات، ولا حتى ساحات التظاهر والاحتجاج"، يتابع شريف، "ساحة عمل التنوير هي الأنشطة الفنية والثقافية، وهي الجامعات ومراكز البحوث، وهي المسارح وقاعات الموسيقى، ونقل الفعل الثقافي التنويري إلى الشارع"، في إشارة إلى أن حيوية الثقافة تتحقق في عمقها الاجتماعي.  

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.