نساء هاربات من الموصل يصلن إلى مخيمات النزوح شرق المدينة/إرفع صوتك
نساء هاربات من الموصل يصلن إلى مخيمات النزوح شرق المدينة/إرفع صوتك

بغداد - دعاء يوسف:

منذ الأسابيع الأولى لسيطرة تنظيم داعش على مدن عراقية مثل الموصل وتكريت والحويجة، من العام 2014، تبنت بعض نساء تلك المدن حركات أو جمعيات سرية مناهضة لأفكار هذا التنظيم وتوجهاته المتطرفة.

طوائف دينية مختلفة

لكن هذه الجمعيات ليست بالمعنى العميق للحركات النسوية من حيث التنظيم والتخطيط.

تقول رسمية علاوي، التي فُقدت زوجها منذ الأيام الأولى لسيطرة داعش في مدينة الموصل عام 2014، إنّها "ومع اختفاء زوجها الذي كان ينتسب لوزارة الداخلية بدأت في البحث عنه في كل مكان تتوقع من الممكن أن يلجأ إليه في المدينة".

اقرأ أيضاً:

عائلة ناشطة موصلية تطالب باحتسابها "شهيدة"

أم موصلية: تحوّلنا إلى متهمين

وتضيف "المدينة كانت تضم الكثير من اللواتي يبحثن عن المتمردات ضد مناصرات داعش، وخاصة اللواتي لديهن أبناء أو أزواج أو أخوة ينتسبون لوزارة الداخلية العراقية أو عمليات بغداد أو الشرطة المحلية".

وتتابع "النساء اللواتي قتل أولادهن أو أزواجهن بسب انتسابهم لوزارة الداخلية هن من طوائف دينية مختلفة.إذ أنّ اغلبهن منحدرات من أب شيعي أو أم سنية وهكذا".

العلاج في أربيل

بدأت تجربة رسمية، 49 عاماً، في التحشيد ضد هذا التنظيم، مع امرأتين كانت أعمارهما في الأربعين أيضا، إحداهما تدعى فاطمة، والثانية اسمها وسن. فاطمة قتل لها داعش ولدين. كانت تتحدث دوما بحقد على كل من يناصر داعش، أما وسن فهي أصلاً خياطة، ولكنها أحيانا تمارس زرق الإبر لزبائنها. تقول–حسب رسمية-إنها هربت من زوجها. اكتشفت ذات يوم أنه قد انتمى لعناصر التنظيم فطلبت منه الطلاق ورفض فهربت كونها من طائفة شيعية وهو سني. لم يكن لها أولاد.

بعد ذلك، عاشت مع أختها التي فرت بعد مدة برفقة طفلتها التي لم تتجاوز الثلاثة أعوام من عمرها، بحجة العلاج في أربيل، ثم التحقت بزوجها الذي صادف أنه كان في أربيل يوم دخول داعش للمدينة.

طيلة الفترة الماضية، كانت رسمية ومن معها يحاولن إقناع كل من يثقن بها بضرورة أن يكون جسد المرأة ملكاً لها لا للرجل الذي يتحكم بتزويجها من هذا وانفصالها عن ذاك. "وكذلك حقها في التنقل بالمدينة وقتما تريد وتحتاج"، تقول لموقع (إرفع صوتك).

الفرار من الموصل

وتضيف رسمية "لقد اتفقنا على مساعدة النساء وتوعيتهن وجعلهن أكثر جرأة في مناهضة حرمانهن من الحقوق".

وتتابع "بالفعل ساعدنا بعضهن في الفرار من الموصل إلى أربيل سواء عن طريق دفع بعض الأموال المالية لمناصرات داعش، إذ كن يحاولن استغلال مثل هذه الظروف للاستفادة وليس لإيمانهن بمصداقية هذا التنظيم".

وتشير إلى أنهن كنا يواظبن على قدر ما تسمح لهن الأوضاع والأحداث على زيارة كبيرات السن أو الفقيرات والمساهمة بطريقة ما بمساعدتهن كأن يكون بتوفير سكن مناسب لهن مع غيرهن أو توفير ما نستطيع من علاج طبي.

هذه المجموعة لم تستمر إلاّ أشهر قليلة، إذ لم تكن مناصرات داعش أو المنتميات لهذا التنظيم غافلات عنهن. "صرنا نتعرض لمضايقاتهن، كأن تزورنا إحداهن بحجة السؤال عن فتيات من الجيران متخفيات أو غير متزوجات، أو تفتيش المنزل الذي نسكن فيه وغيرها الكثير من الأمور".

وفي يوم خرجت فاطمة للاطمئنان على وسن كونها من أيام لم تزرها، فصدمت بإلقاء القبض عليها. وقررت لحظتها الهرب.استمرت مدة هروبها لأكثر من أسبوع انتقلت فيها من بيت إلى آخر حتى استطاعت بمساعدة صديقة الفرار نحو أربيل. 

مساندة قوات الأمن العراقية

أما الحركة النسوية المنبثقة عن بلقيس شوقي،51 عاماً، فقد تميزت بالتركيز على إيصال المعلومات لأخيها الذي يعمل مع قوات الأمن العراقي خارج مدينة الموصل.

تقول لموقع (إرفع صوتك) "في البداية كنت أشعر بالخوف والقلق من أن يكتشف أمري، ولكني وبدعم أمي قررت التصدي لهم ومساندة قوات الأمن العراقية".

فبعد مرور عام على سيطرة داعش، كان عدد النساء اللواتي انضممن للعمل معها قد تجاوز العشرة. "كنا لا نجتمع إلا مرة واحدة في الأسبوع. ونستخدم بسرية شريحة هاتف نقال (سيم كارت)، اعتدنا على إخفائها خوفاً من اكتشاف أمرنا".

وتضيف السيدة التي نزح زوجها وأبناؤها الثلاثة من الموصل نحو بغداد عام 2014 "لقد واجهنا صعوبات كثيرة لدى محاولاتنا الاتصال مع إخوتنا لإيصال المعلومات التي نحصل عليها عن تحركات هذا التنظيم وقراراته وأماكن تواجده".

تفكيكها أو تدميرها

وتسرد بلقيس، التي فرت برفقة والدتها مع بداية معارك تحرر الموصل من قبل الجيش العراقي نحو بغداد، كيف كن بالإضافة إلى ايصال المعلومات يقمن أيضا بمساعدة الشباب أو العوائل على الفرار من خلال توفير معلومات لهم عن مقرات الدواعش والأوقات المناسبة أو على عكسها.

وتقول "كنا نعيش في سجن مفتوح يراقبنا عناصر داعش من خلال أبراجهم التي كان وجودها يرعب الكثير من النساء، لأن أي إشارة توضح محاولة لهروب إحداهن تعني قتلها".

وتضيف أن "الكثير من الحركات أو التجمعات النسوية انبثقت ضد عناصر داعش ومناصريه، ولكن للأسف أغلبها يتم تفكيكها أو تدميرها من خلال قتل النساء المنظمات لها، أو إلقاء القبض على عوائلهن".

وتتابع "هناك نساء كن قويات ومخلصات وقفن معنا، لكن الكثير غيرهن كن يتعقبن أخبارنا وتقديمها للدواعش بوصفهن مناصرات لهم".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".