كردي يغطي كلمة العراق بعلم دولته المستقلة المفترضة/وكالة الصحافة الفرنسية
كردي يغطي كلمة العراق بعلم دولته المستقلة المفترضة/وكالة الصحافة الفرنسية

علي عبد الأمير

تبدو أحداث العام 2003 التي عرفها العراق وكأنها زلزال حقيقي مع معلمها الأكثر بروزا: إسقاط نظام محلي دكتاتوري عبر غزو عسكري خارجي وإقامة نظام جديد له ملامح ديمقراطية.

من "الخيانة" إلى نوع من الحل

النظام الجديد يتقاطع مع القديم في كل شيء. فإذا كان الأول يعتبر وحدة البلاد أمرا مقدسا وتهديد تلك الوحدة يصنف تحت باب الخيانة الوطنية، فإن الثاني لا يرى في الخروج على وحدة العراق، أمرا مستحيلا، بل إن كثيرا من الباحثين والخبراء المحليين والدوليين يرون أن القوى الرئيسة في البلاد (الشيعة والكرد وقوى علمانية متحالفة معهم)، وصلت في سجالاتها ومواقفها إلى اعتبار تقسيم العراق نوعا من الحل لأزماته.

اقرأ أيضا:

أبعد من الحلم الكردي

شيعة وكرد وشيوعيون، يعتقدون في سرديات، ليست جديدة، ولكنها تكررت كثيرا خلال العقد الماضي وبعد أن وصلت البلاد إلى مرحلة الإقتتال الأهلي، أن "حدود العراق الحالي لم تكن سوى حدود مصطنعة، خطتها خرائط معاهدة سايكس- بيكو، وبالتالي فهي خطوط على الرمال لا أكثر".

غير أن أستاذ التاريخ في جامعة الكوفة د. غسان حاكم حسن، يعتقد أن "نظرة تاريخية بسيطة لا تحتاج إلى مؤرخ محترف، تؤكد لنا أن هذه الحدود لم تكن صناعة ابتكرها الخيال البريطاني الاستعماري الخلاّق، بل هي واقع تاريخي معروف، فهذه الحدود معروفة منذ ما يزيد عن ألف عام"، مشيرا إلى حدود العراق القديم كما ثبتتها كتب الجغرافيا الإسلامية، ومنها "مروج الذهب" الذي وضعه أعظم الجغرافيين العرب وهو المسعودي.

العراق التاريخي و... المعاصر

يؤكد الباحث حسن في مداخلة مع (إرفع صوتك) أنه "لو أمعنا النظر بقول المسعودي، لما وجدنا اختلافا كبيراً بينه وبين العراق الحالي الذي رسمته خرائط سايكس-بيكو". العراق التاريخي الذي ظهر قريبا من المعاصر، كان حمله "ثلاثة من الذين عملوا مع الوزيرين سايكس وبيكو: لويس ماسينيون الآثاري والرحالة الفرنسي الذي اشتهر بأبحاثه الصوفية واختص بالحلاج، والإنكليزي لورنس المعروف بلورنس العرب صاحب كتاب "أعمدة الحكمة السبعة" الشهير، والمس بيل المرأة الشهيرة التي عملت ببغداد. وكان البغداديون يطلقون عليها (الخاتون). وكل واحد من هؤلاء الثلاثة له سجل حافل بالتنقيب عن الآثار وعلم واسع بتاريخ المنطقة العربية وجغرافيتها. فلا غرابة أن يعطى للعراق حدودا لا تختلف عن حدوده التاريخية، وهو نتيجة منطقية للمعرفة والإدراك العلمي الواسع لتاريخ هذه البلاد".

يرفض الباحث في جامعة الكوفة ما يشاع عن "رغبة شعبية في تقسيم العراق"، مؤكدا "لا أعتقد أن هذا النسيج (العراقي) المختلف من شأنه أن يكون عاملا حاسماً على تقسيمه، وإلا لكان قد حصل ذلك منذ زمان بعيد"، ملقيا باللائمة على "فئات غير وطنية وفاسدة وغير متعلمة، تشكل فيما بينها أحزاباً وهمية ليس لها تأييد عريض في الشارع العراقي يستثنى من ذلك أصحاب المصالح، وكل حزب منها له أجنداته الخارجية".

كاتب كردي: الانفصال هروبٌ إلى أمام؟

مواقف كردية قومية فضلا عن قوى عراقية علمانية مؤيدة للكرد، أبرزها الحزب الشيوعي العراقي و"التحالف المدني" الممثل بالبرلمان، لا تتردد في تأييد حقها التاريخي في تقرير المصير والانفصال عن العراق.

ويرى الكاتب الكردي العراقي أمين يونس أن هنالك أسباباً سّرَعَتْ في وضع مسألة انفصال كردستان عن العراق في واجهة الأحداث، غير السبب الرئيسي والمنطقي المتمثِل بـ"التطلُعات المشروعة للشعب الكردي".

ومن هذه الأسباب التي يفصلها يونس في حديث إلى موقع (إرفع صوتك):

1. الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، المُتفاقِمة، في إقليم كردستان العراق. وبما أن الحزبَين الحاكِمَين، عاجزان عن حَل هذه الأزمات، لأنهما لا يُريدان إصلاحات جذرية حقيقية، فإنهما ولا سيما الحزب الديمقراطي، بإعلانه موعد الاستفتاء بِعُجالة، فإنهُ "هروبٌ إلى الأمام"، وتملُصٌ من إستحقاقات الإصلاحات.

2. بعد تحرير الموصل واقتراب تخليص تلعفر (تحررت فعليا) والحويجة من براثن ما يُسّمى دولة الخلافة الإسلامية، فإن صفحة داعش سوف تُطوى. وكما أن حُكام بغداد من أحزاب الإسلام السياسي، سيفقدون [شّماعة] داعش التي يُعّلقون عليها، كافة الأزمات والأوضاع المُزرية والفساد، فإن حُكام أربيل أيضاً سيفقدون ويفتقدون هذه الشّماعة. أعتقد ان كُلا من بغداد وأربيل، ستتخبطان في التعامُل مع فوضى "القوات المُسلحة". فبغداد تحت رحمة عشرات الميليشيات التي تمتلك أسلحة تنافس بها الجيش الرسمي، وأربيل عجزَتْ عن خلق بيشمركة مُوّحَدة، إضافةً إلى تواجُد قوات تركية وحزب العمال والحشود بأنواعها.
3. اقتراب مواعيد الانتخابات، وشعور الحزبَين الحاكمَين في أربيل ولا سيما الحزب الديمقراطي، بأنهُ فقد الكثير من شعبيته ونفوذه. وهو بحاجة إلى "شيء" كبير يُعيد له هيبته، وليس أحسن من "مسألة الاستفتاء حول انفصال كردستان عن العراق".

ويختم الكاتب الكردي باعتقاد مفاده أن "الإستفتاء حتى لو جرى في 25/9 وكانت نتيجته: نعم، فإن الإنفصال يتطلب فترة لا تقل عن بضع سنوات على الأقل".

ومع أن رؤية الكاتب أمين يونس تبدو "معتدلة" وتصنف على أنها جزء من مواقف "الحمائم" الكردية القليلة، إلا أن أستاذ التاريخ د. غسان حاكم حسن يحذر على ما يبدو من "صقور" الكرد، فيقول إن "أكبر خطر ينذر بتفسخ العراق وتقسيمه يأتي اليوم من جهة كردستان". لكنه يكاد يتفق مع يونس حول فشل الخطوة الكردية إن تمت وللأسباب التالية:

1. رفض أوربي وأميركي يقابل الرفض الإقليمي (تركيا وإيران والحكومة ببغداد).

2. الوحيدة إسرائيل هي التي وافقت على استقلال الإقليم وعلى لسان رئيس وزرائها نتنياهو، كما قرأت ذلك في صحيفة "ها آرتس" الإسرائيلية بنسختها الإنكليزية، وإسرائيل لا تشكل أهمية استراتيجية للإقليم، بسبب بعدها عنه.

3. يعول (رئيس الأقليم) السيد بارزاني على علاقته الجيدة مع تركيا في إنجاح صفقة الاستقلال، ناسيا أن تركيا لديها 27 مليون كردي، وعمليا هي اليوم تحارب حزب العمال الكردي. لذا عليه أن يفهم أن القضايا المصيرية لا يمكن معالجتها مع تركيا عن طريق تصدير النفط الرخيص والاستثمارات التركية في الإقليم ذلك أن المشكلة التركية - الكردية مشكلة لا يمكن المساومة عليها مقابل حوافز اقتصادية.

4. كما أن استقلال الإقليم أكثر حساسية بالنسبة لإيران (يوجد فيها 11 مليون كردي)، وقد رفضت هذا الاستفتاء بشكل رسمي.

5. كيف تعيش دولة في وسط معاد تام، وكيف تتنفس وكيف تحصل على احتياجاتها، والى أي جهة ستصدر نفطها، وعن أي طريق؟

6. إذا كان الإقليم الكردي في وضعه الطبيعي الآن يعاني من ظروف اقتصادية صعبة، وغير قادر على دفع رواتب موظفيه المستحقة منذ أشهر، فكيف سيكون حاله بعد الاستقلال؟

لوموا من أنتج الفشل في بغداد؟

ويعتقد الباحث الأكاديمي العراقي المقيم في أميركا، د هيثم نعمان الهيتي، أن سنة العراق وقد وصلوا إلى مرحلة "شعب من المهجرين ومدن أقرب إلى الخرائب" لا سيما بعد تجربة احتلال تنظيم داعش لمناطقهم ومدنهم ومن ثم عمليات تحريرها، "لا يمكنهم التعاطي بالقبول مع نظام سياسي شيعي يريد أن يحكم البلاد وفق رؤيته لحكم طائفته، ونظام سياسي كردي يريد من مشاركته في حكم العراق، وسيلة لتعزيز قوميته على حساب العراق وأغلبيته العربية".

اقرأ أيضا:

ما أهمية المجتمعات المحلية في الحرب على الإرهاب؟

ويلفت الهيتي في حوار مع (إرفع صوتك) إلى إن فشل بغداد في الحكم دفع الآخرين إلى التفكير بالإنفصال موضحا "قبل يومين التقيت بموصلي قال لي نريد استقلالا، فالموصل بحجم لبنان سكانا وأكثر منه موارد. هذه المطالبات تعطينا تصورا واضحا كيف أن فشل الدول يدفع الجميع للهرب منها ونجاحها يوحد الجميع حولها. قضيتنا يس في لوم الكرد أو السنة بل في من أنتج قصة فشل بدلا من قصة نجاح".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".